في عالم يتسم بالتنافسية الشديدة والتطورات السريعة في المجالات العلمية والمعرفية، مثلت المنح الدراسية الخارجية للحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراة أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول لدعم التقدم العلمي والاقتصادي والاجتماعي. وقد وعت الدولة المصرية لأهمية البعثات العلمية منذ زمن بعيد، فسعت جاهدة لتوفيرها للطلاب الباحثين عن الدراسات العليا للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، لتكون بمثابة استثمار استراتيجي، تُضخ فيه الأموال، التي خصصتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من أجل بناء مستقبل مشرف في مجال البحث العلمي. ولكن، مع مرور الوقت، يتبادر إلى الأذهان سؤال محوري: هل حقق العائدون من هذه المنح، الأهداف المرجوة، بعد عودتهم وهل يساوي دورهم بعد عودتهم ما تم إنفاقه عليهم من موارد مالية ؟ في البداية دعونا نتحدث عن أهمية المنح الدراسية الخارجية ودورها في التنمية، فالمنح الدراسية الخارجية تعتبر من أبرز الوسائل التي تتيح للطلاب فرصة الاطلاع على أحدث ما توصل إليه العلم من خلال الاتصال المباشر ببعض الأقسام الأكاديمية والمعامل بالجامعات العالمية ذات الشهرة في تخصصاتهم، واكتساب مهارات متنوعة وفقاً لأحدث ما وصل إليه العلم، بما يتناسب مع متطلبات العصر. وتفترض النظرية إن من يسافرون في تلك المنح، يكونون مسئولين، فيكتسبون خبرات علمية وتقنية متطورة، ليكونوا روادًا في بعض مجالات تخصصهم، ثم ينقلوا خبراتهم بأمانة إلى مدارس فكرية قوامها هم الطلاب في المراحل المختلفة للتعليم الجامعي. فالفلسفة الرئيسة للبعثات ليست في حصول المبعوث على الماجستير والدكتوراة من الخارج (والتباهي بها) فحسب، بل إنها ترمي إلى الاستثمار في البحث العلمي بإيفاد البعض لتعلم الخبرات والمهارات، حتى إذا ما عادوا أصبحوا بمثابة الكتلة الحرجة، التي تستطيع نقل ما تعلمته من خبرات إلى عدد أكبر من الباحثين، وبهذه الطريقة، يُفترض أن يلعب العائدون من البعثات دورًا رئيسًا في نقل المعرفة عن طريق نشر أبحاث مميزة في مجالات تخصصاتهم الدقيقة، وتخريج عدد من الرسائل العلمية والبحوث، التي يشرفون عليها، فضلاً عن المشاركة في تقديم استشارات علمية مبنية على أحدث ما توصل إليه العلم، ودعم تطوير السياسات، بل قد تساهم تجاربهم الدولية في تحديث المناهج ، وتحسين نظم التعليم، وتطوير البنى التحتية في بعض الأحيان. وبعين الاقتصاد، فإن حجم الاستثمارات في المنح الدراسية، التي عادة ما تغطي نفقات الدراسة والمعيشة والسفر، قد تصل إلى ملايين الدولارات، اعتمادًا على عدد الطلاب المبتعثين، والجامعات التي يدرسون فيها، ومستوى الدعم المقدم. والتي تشمل أحياناً تكاليف الإشراف، والتدريب، وبرامج التأهيل التي يُشرف عليها خبراء ومتخصصون، يُنتظر أن تأتي بثمارها. ففي العديد من الدول، ظهرت آثار نخبة من الباحثين والأكاديميين، اللذين أنفقت عليهم تلك الدول بإيفادهم لجذب خبرات ومهارات من جامعات دولية مرموقة، فقد ساهموا في تطوير المناهج العلمية، ونشروا أبحاثاً متميزة في مجلات علمية مرموقة، فكان لهم الفضل في تحقيق قفزات نوعية في قطاعات متعددة. وفي وسط ما نشهده من البعض بالتفاخر بأنه يحمل ماجستير أو دكتوراة من جامعة أجنبية مرموقة، فهل حقق العائدون الأهداف المرجوة من البعثات الخارجية، بعد عودتهم؟ وهل يساوي ما قدموه حجم الإنفاق الذي تم تخصيصه لهم؟ وهل تم إنفاق تلك الملايين من الدولارات، ليتعلم كيف يوقع بالإنجليزية فحسب؟ استقيموا يرحمكم الله حفظ الله مصر وحفظ جامعاتها. كاتب المقال : أستاذ نظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم