في أروقة المتحف المصري بالقاهرة، لا تقتصر الآثار على كونها بقايا حجر أو خشب، بل تتحول إلى رسائل إنسانية خالدة تعبّر عن المشاعر والروابط التي صنعت التاريخ. ومن بين هذه الكنوز، تبرز قطعة فريدة تحمل بصمة حب ملكي واعتراف بقوة امرأة لعبت دورًا محوريًا في واحدة من أكثر فترات مصر القديمة فرادة. تحتضن قاعة كنوز إخناتون بالمتحف المصري بالقاهرة بقايا مقصورة الملكة تي، والدة الملك إخناتون، وهي واحدة من أندر الشواهد الأثرية التي تجسّد التقدير والوفاء الملكي في مصر القديمة، لم تُصنع هذه المقصورة بوصفها عنصرًا معماريًا عاديًا، بل جاءت عملاً فنيًا متكاملًا أراده إخناتون تكريمًا لوالدته، التي كانت رمزًا للحكمة والقوة والنفوذ. المقصورة كانت في الأصل هيكلًا خشبيًا فاخرًا مكسوًا بالجص ومطعّمًا برقائق الذهب، ما يعكس مكانة الملكة تي ودورها المؤثر في البلاط الملكي، حتى بعد انتقال السلطة إلى ابنها، وعلى الرغم من مرور القرون، ما زالت تفاصيلها تحمل دلالات فنية وعقائدية عميقة. تظهر على اللوحة العلوية بقايا خراطيش الإله آتون، في إشارة واضحة إلى العقيدة الدينية الجديدة التي تبناها إخناتون، بينما تعرض اللوحة السفلية مشهدًا استثنائيًا للملكة تي وهي تقدم القرابين، وتمتد إليها أشعة الشمس المنتهية بأيدٍ بشرية، في رمز فريد للبركة الإلهية ومنح الخلود، وهو أسلوب فني ميّز عصر العمارنة عن غيره. اليوم، تقف هذه القطعة شاهدة على مرحلة تاريخية جمعت بين الفن والدين والمشاعر الإنسانية، وتمنح زائري المتحف فرصة نادرة للتأمل في علاقة أم وملك، تحوّلت إلى إرث خالد من الذهب والرموز والعقيدة، محفوظ في الدور الأرضي داخل قاعة كنوز إخناتون بالمتحف المصري بالقاهرة.