بين الكتب والروايات إلى الأفلام، ترددت مدن وأماكن تاريخية عديدة على مسامعنا وأعيننا، حتى علقت بأذهاننا ونُسجت بخيالنا، بعدما جسدها الكتاب والمؤلفون في أعمالهم، لكننا أصبحنا لا نعلم عنها شيئا، في الوقت الحالي، حتى كثرت التساؤلات عن أحوال هذه المدن التاريخية الشهيرة، كيف أضحت وأين باتت تقع؟. بعض هذه المدن تبدلت أحوالها وأضحت أخرى مختلفة، بزمانها ومكانها وساكنيها، فمنها التي تحولت لمدينة جديدة بمواصفات وملامح غير التي رُسمت في أذهاننا، لتجعل البعض منا يتفاجئ بهيئتها وشكلها الحالي، ومنها التي أصبح لا أثر ولا وجود لها على الخريطة، ما قد يدفع البعض للاعتقاد بأنها كانت مجرد أماكن أسطورية أو نسج خيال. لكن، ما اتفقت عليه تلك المدن البارزة أن لكل منها قصة وراءها، ترصدها لكم "الشروق"، في شهر رمضان الكريم وعلى مدار أيامه، من خلال الحلقات اليومية لسلسة "كيف أضحت!"، لتأخذكم معها في رحلة إلى المكان والزمان والعصور المختلفة، وتسرد لكم القصص التاريخية الشيقة وراء المدن والأماكن الشهيرة التي علقت بأذهاننا وتخبركم كيف أضحت تلك المدن حاليا. ….. بمعابدها وقصورها ومقابرها ذات النقوش المميزة، تقع مدينة تل العمارنة الأثرية على امتداد الضفة الشرقية لنهر النيل، في محافظة المنيا بالصعيد، تلك المدينة الأثرية العريقة، التي كانت شاهدة على فترة تاريخية مهمة من حكم البلاد، تغيرت فيها عاصمة وديانة المصريين. فقبل أكثر من 3 آلاف سنة، اختار الملك أمنحوتب الرابع، أحد أشهر فراعنة الأسرة الثامنة عشر، والذي عُرف بفرعون التوحيد، مدينة تل العمارنة لتكون عاصمة البلاد، بدلا من منف الشمالية، وطيبة الجنوبية، فحكم أمنحوتب البلاد من تل العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ولمدة تقترب من 20 عاماً. رمز الثورة الدينية ومقر عبادة آتون أنشأ الفرعون المصري، الذي غير اسمه ليكون أخناتون، المدينة لتكون مقرا لعبادة الإله "آتون"، الذي رُمز إليه بقرص الشمس تخرج منه أشعة تنتهي بأيد بشرية لتهب الحياة للكون، مطلقا عليها "آخت - آتون" أو "أخيتاتون"، والتي تعني قرص الشمس، ليجعل منها رمزا للثورة الدينية، التي قادها على عبادة آمون، إله المصريين القدماء من قبله. بناها أخناتون ليبتعد عن كهنة آمون فعلى الجدران الأثرية لمنشآت المدينة من المعابد والمقابر، وجدت عبارات كثيرة ترصد أسباب نقل أخناتون العاصمة إلى تل العمارنة، فكانت أشهر العبارات التي سيطرت على عقله في ذلك الوقت كان: "لقد اشتد عداء كهنة آمون.. لن يمكنني السيطرة على غضبهم، وغضب تابعيهم.. أين المفر بإيماني ومعتقدي". وترصد الجمل والعبارات المنقوشة بالجدران رغبة إخناتون في بناء عاصمة جديدة لثورته الدينية، إذ بدا أن دعوته إلى عبادة الرب الواحد "آتون" لم تلق قبولا لدي كهنة آمون، الذين أظهروا عداء شديد لها وله، وتطور الوضع ليصبح في غاية الخطورة، حتى بات مضطرا للهرب من طيبة، والبحث عن مكان جديد ينتقل إليه ويدعو إلى ربه. تل العمارنة التي حكمت البلاد تل العمارنة، تلك المدينة أضحت عاصمة للدولة المصرية خلفًا للعاصمة التاريخية ملكة الجنوب طيبة، وكانت مدينة مجهولة تمتد لخمسة أميال على طول الشاطئ الشرقي للنيل، اتخذها أخناتون عاصمة له وعندما انتهى من بنائها في العام الرابع من حكمه، انتقل إليها تاركا خلفه كلا من منف وطيبة، اللتان كانتا عاصمتي البلاد، مقررا أن يعيش فيها ليتمكن من عبادة "آتون"، لذلك أطلق عليها "أخت - آتون". وأصبحت المنطقة التي اختارها إخناتون وزوجته نفرتيتي لإقامة عاصمة مملكته، مدينة قوية في عصر الدولة الفرعونية الحديثة، وأعطى إخناتون فيها حرية كاملة للفنانين للتعبير عن أنفسهم وما يحيط بهم مكونا بذلك أول مدرسة للفن الواقعي المعروفة عالميا بفن العمارنة. تل العمارنة التي كانت تل خراب ويرجع سبب تسمية مدينة إخناتون بتل العمارنة إلى العصور الوسطى، بعدما غير توت عنخ آمون العاصمة بعد وفاة والده، فأتت قبيلة العمارنة وسكنت هناك مدة طويلة تخطت القرون وعمروها وبعد أن هجروها ورجعوا إلى مناطقهم سميت المنطقة باسم تل العمارنة، نسبة لقبيلة العمارنة التي أرجعت إليها الحياة بعد أن كانت تل خراب. تل العمارنة.. مدينة المعالم الأثرية الفريدة اليوم، تقع مدينة تل العمارنة على بُعد حوالي 60 كيلو مترا جنوب مدينة المنيا، و300 كيلو متر جنوبيالقاهرة، و400 كيلو متر شمالي الأقصر، و45 كيلو مترا جنوبي مقابر بني حسن، ولا تزال بقايا العاصمة القديمة موجودة حتى الآن. واكتسبت المدينة شهرتها من معالم وشواهد أثرية وكنوز فنية بقيت من عصر الملك إخناتون، إذ كانت "تل العمارنة" مقرا لإقامة الملكة نفرتيتي المعروفة بلقب "سيدة السعادة"، والفرعون الذهبي الملك توت عنخ آمون. وفي تل العمارنة.. خرجت العديد من القطع الأثرية الفريدة والمعالم التاريخية، فاكتشفت مجموعة من المقابر التي تعود لأهم الملوك الفراعنة، أهمها تقع إلى الشمال مثل مقابر مري رع، أحمس، بنتو، ومقبرة العائلة الملكية التي يعتقد أنها قد تم حفرها للملك إخناتون وعائلته، وبقايا القصر الشمالي ومعبد آتون الكبير وباقي مقابر الأمراء والوزراء.