ليونارد إمَّرلينج المعاصرة المقلقة فى أعمال حنة أرندت معروفة على نطاق واسع، ولا تتجلى تلك الفكرة بوضوح فى أى من أعمالها كما تتجلى فى الأجزاء الثلاثة الصادرة عام 1951 تحت عنوان: «أصول الشمولية». لسنا بحاجة إلى أن نعدَّ حنة أرندت أعظم فيلسوفة فى القرن العشرين؛ بل ويمكننا أيضًا تناول فكرها بنبرة نقدية بين حين وآخر، فالعودة إلى بعض كتاباتها بين الفينة والأخرى تظل فكرة جديرة بالاهتمام، ويظهر ذلك – فى هذه المناسبة تحديدًا – فى مجلداتها الثلاثة «أصول الشمولية»، التى نُشرت لأول مرة عام 1951، ففيها تفحص أرندت بنظرة دقيقة كلًّا من معاداة السامية والإمبريالية والشمولية، ويكفينا التأمل فى المجلد الثالث حول الشمولية، كى تخطف القارئَ تلك المتوازيات المذهلة مع الحاضر (أنا أبالغ قليلًا، أو ربما لا أبالغ أيضًا). وتركز أرندت بكل اهتمام على أشكال الحكم الشمولى فى ظل حكم ستالين، وفى ظل النظام النازي، وتكشف عن استراتيجيات متماثلة تميز النظامين كليهما، أما حقيقة أن هاتين الديكتاتوريتين قد خاضتا حربًا ضروسًا حتى الموت، فلا وزن لها عند أرندت، لأنها اكتشفت تشابهات بينهما فيما يتعلق بالطريقة التى بُنيتا بها وترسختا فى السلطة، وهذا ما يفتح الباب بطبيعة الحال لإسقاط نتائج أرندت على واقع اليوم، على سبيل المثال، عندما يتعلق الأمر بتحديد المصطلح الأنسب لوصف أشكال الحكومات الغربية الراهنة بدقة، والتى يُستخف بها عادة بوصفها «شعبوية». استبدادي؟ سلطوي؟ نخبوي؟ فاشي؟ شمولي؟ بماذا نفكر عندما نقرأ أن دعاية القادة الشموليين تقوم على الجهر بأنهم يكذبون؟ وأن الكذب بدوره لا ينجح إلا إذا كان «هائلًا»، ومن خلال إشراك كل الوقائع فى سياق متماسك ينتجون عالمًا خياليًا متكاملًا؟ وهذا بدوره يؤدى إلى اعتياد الناس النظر إلى كل شيء على أنه جزء من مؤامرة، بغض النظر عن مدى سخفها. من الذى يخطر بذهنك عندما تكتب عن القادة الشموليين، الذين يتفاخرون بصراحة لا مثيل لها بسقطاتهم الماضية (أو لنقل: «جرائمهم»)؟ ويعلنون بلا مواربة أنهم ينوون فعل الشيء نفسه فى المستقبل أيضًا؟ وما الذى يخطر ببالك عندما تكتب أرندت أن الأنظمة الشمولية تعمل فى جوهرها بدون هدف سياسي، بل تثمل باندفاعاتها الذاتية؟ ويجرى التغطية على «تفريغ الخطاب من جوهره» و«التحرر من مضمون الأيديولوجيا» من خلال العمل حسيسًا فى حالة أشبه بحملة انتخابية دائمة، وإغراق الرأى العام بسيل من القوانين والقرارت، التى تدفعه إلى حالة من الصدمة والجنون، وتكمن الدهشة بحسب أرندت فى مدى تفاهة الموضوعات التى تختارها الأنظمة الشمولية من الناحية الموضوعية، ويمكننا أن نقول إنه «ليست الأقليات هى من تدفع المجتمع نحو الهاوية، لكنها ببساطة وسيلة ممتازة لتأسيس عدو داخلي، لكى تحشد أتباعًا متطرفين مرارًا وتكرارًا، وبما أن الحركة السياسية، بحسب أرندت، لا تملك هدفًا محددًا، فهى لا تصل إلى نهاية، ولذلك يجب عليها أن تبرر باستمرار وجودها من خلال إنتاج عدو جديد دائمًا يجب محاربته. فى دوامة الجنون اليومي إن قراءة من هذا النوع، كما أقدمها لكم هنا عبر إنشاء علاقات نقطة بنقطة، قد لا تكون أنيقة بشكل خاص، لكننى أرى أننا بمجرد أن نفعل ذلك لمرة واحدة، تتجلى حداثة أرندت بوضوح مدهش؛ لأن اتضاح مدى قابلية انتقال تحليلاتها - التى تنطبق على نظامين كانا عدوين لدودين انهارا لتوهما - إلى الحاضر، يصبح أمرًا مؤلمًا للغاية. فجأةً ندرك وظيفة الكذب؛ ونفهم المغزى الكامن وراء إبقاء الرأى العام فى حالة حركة دائمة عبر القصف المستمر بالأكاذيب الفاضحة، وتشويه الوقائع، والاتهامات الباطلة الموجهة إلى الخصوم السياسيين، وإرهاق الرأى العام بالادعاءات العبثية المتواصلة إلى حد تجريده من قدرته على الحكم، ونتذكر بعض القناعات الأساسية المهددة بالنسيان وسط دوامة الجنون اليومي: «إن الجمهورية تقوم فى جوهرها على حكومة دستورية تكون فيها السلطة بيد الشعب؛ ويُعمَل فيها وفق مبدأ الفضيلة، وهو المبدأ القائم على حب المساواة»، ونادرًا ما نجد قولًا أفضل من هذا عن العلاقة بين السياسة والفضيلة أو الأخلاق. وقد نبهنى أحد المعارف مؤخرًا إلى أن الفيدراليين قد ربطوا بين السلطات السياسية الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، كما ربطوا بين القدرات الإنسانية: الإرادة والعقل وملكة الحكم، فإذا كانت السلطة التشريعية تُشلّ عبر الحكم بالمراسيم، والسلطة القضائية تُحَيَّد عبر تجاهل أحكام المحاكم، فليس هناك مسيطر سوى إرادة السلطة التنفيذية؛ وعندها لا يبقى من العقل وملكة الحكم سوى القليل جدًا. وقد كان لدى حنة أرندت الكثير لتقوله بهذا الصدد، فقد خصصت للقدرة على تكوين الحكم كتابًا كاملًا ضمن فلسفتها السياسية، وكان عنوان المجلدات الثلاثة الخاصة بالتفكير والإرادة والحكم هو «حياة العقل»، ولا شك أن هذه الحياة بدورها بحاجة إلى رعاية.