إلى متى الصمت إزاء فرية النصر السياسى والهزيمة العسكرية؟ «العدوان الثلاثى» حلقة فى سلسلة الاستهداف الإمبريالى.. لا جولة فى الصراع العربى/ الصهيونى مطلوب ندوة لإنجاز «تحقيق تاريخى» يدحض السردية الصهيوغربية عبر سطور هذه الدراسة سوف نحاول الإجابة عن ثلاثة أسئلة إشكالية: ما حقيقة ما حدث فى العام 1956، وكان ذروته تعرض مصر لعدوان ثلاثى غادر، بينما لم ترتكب إثماً، اللهم إذا كان انتزاع الحق الأصيل من براثن مغتصبيه أمراً يستحق تعريض صاحبه للاعتداء بالقوة الغاشمة والتآمر الخسيس؟ ما النتيجة الحقيقية للعدوان، هل استطاع المتآمرون الذين دبروا بليل، ثم نفذوا بفظاظة بالغة، ما خططوا من أجل اغتصابه، هل استطاعوا بالفعل تحقيق أطماعهم، أم أن ما حدث كان وبالاً عليهم وثمة أثمان باهظة دفعوها جزاء حماقتهم؟ وباختصار: من الذى انتصر؟ هل كان مجرد مشاركة الكيان الصهيونى فى حبك خيوط المؤامرة، وشن العدوان، يترتب عليه تثمين مجمل ما حدث على أنه إحدى جولات الصراع العربى/ الصهيونى، كما يفضل ذلك معظم من أرخوا لفصول الصراع، أم أن الأمر يتجاوز تلك الرؤية، إلى حتمية وضح العدوان فى سياق أكثر اتساعاً وخطورة، كونه وقع فى إطار سلسلة الاستهداف الإمبريالى لمصر؟ وتبقى هذه السطور مجرد اجتهاد متواضع، يجب أن يرفده اجتهادات من مؤرخين وخبراء فى الاستراتيچية والسياسة والدبلوماسية، ولعل التخطيط من الآن لمؤتمر علمى/ تاريخى، أو ندوة موسعة، توافق الذكرى السبعين للعدوان الثلاثى، يواكب هذه المناسبة، يكون المحفل القادر على صياغة سردية مصرية تدحض الافتراءات والأكاذيب، وبالتالى تقديم تحقيق تاريخى يرفع الستار عن الحقائق الموثقة والرؤية التحليلية المستندة إلى منطق علمى، حفظاً للذاكرة الوطنية. يفصلنا عام عن سبعينية العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، الذى دحر فيه المصريون الغزاة، وبينما يرى البعض أنه نصر سياسى أحرزته مصر، مقابل هزيمة عسكرية، فان هناك من يثمنه نصراً بالمعنى الاستراتيچى لمصر، مقابل هزيمة استراتيچية لقوى العدوان، ويذهب آخرون إلى أنه «نصف نصر»، أو «شبه نصر»! استكملته مصر بإحراز مكاسب سياسية عبر تقدير موقف رشيد، وإدارة محسوبة للأزمة، حققت أكبر مكاسب ممكنة، وأقل خسائر يصعب تفاديها. رغم تباين التقديرات يعود لموقع من يقيم، فإن مصر الرسمية والشعبية على السواء، ثمنت 23 ديسمبر الذى وافق رحيل آخر جندى من الغزاة عيداً للنصر، ظل مناسبة للاحتفال سنوياً حتى وقوع «نكسة 67»، ثم جاء نصر أكتوبر 73، لتتوارى الذكرى. وبينما تسجل الأچندة «6 أكتوبر» باعتباره عيداً للقوات المسلحة، ظل «23 ديسمبر» يشار إليه باعتباره عيداً للنصر، غير أنه عام بعد عام يتعرض هذا التوصيف للتشكيك، إلا أن الاقتراب الموضوعى ارتقاءً لمستوى التحليل العلمى التاريخى، يقود إلى رد الاعتبار لهذا الحدث الفارق، ليس بالنسبة لمصر فحسب، وإنما فى سياق إعادة صياغة المشهدين الإقليمى والدولى. كيف نقرأ التاريخ؟ ثمة سؤال افتتاحى: لماذا لا تمتلك مصر سرديتها الوطنية المكتملة لما حدث عام 1956، ليس فقط بالنسبة للعدوان الثلاثى وملابساته ووقائعه، آثاره ونتائجه، وإنما أيضاً بالتدقيق فى احتسابه جولة من جولات الصراع العربى/ الصهيونى؟ ثم إن وصف الحدث على جسامته وضخامته بأنه «حرب» يجانب الصواب، إذ إنه فى حقيقته عدوان مكتمل الأركان، وليس مجرد حملة أو أزمة أو... أو.. غيرها من المسميات التى تتبناها السردية الصهيو غربية، وينقاد للأسف البعض منا خلفها، من ثم فإن مقاربة جديدة لما حدث عام 1956، من شأنها وضع الكثير من الأمور فى نصابها الحقيقى والدقيق، ولعل المسألة تتطلب ما هو أكثر من اجتهاد فردى، إذا كنا نسعى لتكوين رؤية تاريخية تترجم وعياً وطنياً، وتنعش الذاكرة القومية، تهدف للتمييز بين الواقعى والحقيقى، مقابل المختلق والزائف. حرب أم عدوان؟ ما حقيقة ما حدث فى العام 1956؟ هل كان حملة أم غزواً أم حرباً، أو عملية أو مؤامرة.. أو عدواناً؟ ولماذا كان لصيقاً بأى وصف كلمة «السويس»؟ هل لأن المستهدف يتمثل فى السيطرة على قناة السويس؟ التدقيق فى الأمر يقود إلى استبعاد أى مسمى أو وصف سوى العدوان، وتحديداً «العدوان الثلاثى»، ليس لأنه ما اعتمدته مصر على كافة الأصعدة، وإنما لأن الحرب تعنى أشياء أخرى بخلاف ما تعرضت له مصر آنذاك. جوهر الحرب يتمثل فى صراع بين طرفين، وصولاً إلى انسداد أى أفق سياسى أو دبلوماسى تفاوضى لحل المشكلات العالقة بينهما، فتنتج تناقضات حادة فى المصالح، من ثم فلا مناص من اللجوء للقوة الخشنة أو الصلبة، واستخدام الآلة العسكرية لحل ما بينهما من مشكلات. فى معظم الأحوال فإن الحرب تفترض نوعاً من التكافؤ الذى يفضى إلى ما يمكن وصفه بقواعد الاشتباك، وحين ينعدم التكافؤ، فالأمر قد يستحيل تراچيديا، فى ظل تفوق كاسح لأحد الطرفين. فى الحرب أيضاً من المفترض أن الهدف الأسمى هو تحقيق مآرب سياسية، ويستهدف المنتصر أن تحظى نتائجها باعتراف المجتمع الدولى، بل قد يأتى الاعتراف المتوخى قبل الحسم النهائى، كتجسيد للتفاعل بين معادلة: الحق والقوة. فهل كان لِما حدث عام 1956 تلك الملامح؟ الإجابة القطعية: لا.. لماذا؟ لأن حقيقة ما وقع أنه كان عدواناً مكتمل الأركان، رغم الترويج فى السرديات الصهيوغربية لمصطلح «حرب السويس»، بينما كانت قوى العدوان تستهدف بالأساس المجرى الملاحى للقناة، ومدينة بورسعيد، ثم سيناء كمطمع للكيان الصهيونى من جهة، واستخدام الموقع لتحقيق غرضين، أولهما إيقاع القوات المصرية بين فكى كماشة، وثانيهما توجيه ضربة قاسمة لمصر. فى العدوان ثمة استقواء وتوحش وتغييب لأى وازع أخلاقى، ولو ادعاءً، ليتسيد مفهوم القوة المطلقة، ويسيطر على المشهد، بغض النظر عن مدى أحقية المعتدى فى تحصيل ما يصبوا إليه، مقابل حق الطرف المستهدف بالاعتداء فى الحفاظ أو الاحتفاظ بما يتم الصراع حوله أو عليه. فى العدوان أيضاً ظلم يتجاوز فيه المعتدى كل الحدود والأسقف، والحد الأدنى من القيم الأخلاقية، وفى اللغة فإن أصل الكلمة يعود إلى الجذر «عدا» عليه عدواً وعداءً وعدواً وعدواناً، وتعدى واعتدى، وكلها تصب فى خانة الظلم وتجاوز الحد، والسبع العادى أى الذى يفترس الناس، والاعتداء والتعدى والعدوان لا تعنى سوى الظلم والجور من اللغة إلى القانون فى نهاية ستينيات القرن المنصرم، شكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة أوكلت إليها مهمة تعريف العدوان، باعتبار العدوان المسلح أخطر الجرائم التى ترتكب فى حق السلام، إلا أن التعريف لا يجب أن يقف حائلاً بين الدول والشعوب، وبين استعمال القوة المسلحة كدفاع مشروع عن النفس، مكفول لها طبقاً للمواثيق الدولية. بعد قُرابة سبع سنوات من عمل متواصل، خلصت اللجنة من مهمتها بتعريف العدوان، ووافقت الجمعية العامة بالإجماع على الصيغة المقترحة. فى نهاية 1974، وكان أبرز ما نصت عليه: ان العدوان استخدام القوة المسلحة بوساطة دولة ضد السيادة الوطنية لدولة أخرى، وفى أى صورة لا تتفق مع ما حواه ميثاق الأممالمتحدة من مبادئ. فضلاً عن كون المبادأة باستخدام القوة المسلحة، من جانب إحدى الدول، بما يتناقض مع أهداف ومبادئ الميثاق، يوفر الدليل على وقوع عمل من أعمال العدوان، وتماشياً مع ذلك فان ثمة أفعال تصدر عن الدول، حتى وان لم يسبقها إعلان الحرب، تكفى لأن تشكل عملاً من أعمال العدوان، تتمثل فى الغزو أو الهجوم الذى تشنه القوات المسلحة لإحدى الدول، ضد إقليم دولة أخرى، وكذلك الاحتلال العسكرى الناجم عن ذلك، حتى وإن تصف بطابع مؤقت. فى ذات السياق، فإن القصف الذى تقوم به القوت المسلحة لدولة ضد إقليم دولة أخرى، أو استخدام أى نوع من السلاح فى الاعتداء على إقليم دولة ثانية، يعد فعلاً من أفعال العدوان المؤثمة، وينضوى تحت ذلك أيضاً سماح إحدى الدول لدولة أخرى بان تستخدم إقليمها لممارسة العدوان ضد دولة ثالثة. كذا أكدت توصية اللجنة الأممية، على أنه لا يجوز الالتجاء لأى أعذار سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، أو غيرها لتبرير العدوان، والتأكيد كذلك على أن الحرب العدوانية جريمة ضد السلام الدولى، وأن العدوان لا بد وأن يقترن به تحديد المسئولية الدولية، كما أن التوسع الإقليمى أو ما شابهه من النتائج التى تتحدد باقتراف العدوان لا يمكن أن يُعترف بشرعيتها. .. والعدوان غير المباشر وجه آخر لا يقل قبحاً لمفهوم العدوان، يتمثل فى العدوان غير المباشر، الذى تأتى أدوات الدعاية الموجهة لتحتل مركز الصدارة عند تطبيقه، باعتبارها أكثر مقدرة على التغلغل، والامتداد بتأثيراتها إلى مختلف ركائز المجتمع المستهدف، عبر شن حرب نفسية ودعائية، إذ تُعد واحدة من أكثر الأسلحة عدوانية، باعتمادها على بث الشائعات المغرضة، والدعاية الهدامة، التى تشجع على التمرد، وقلب نظام الحكم، والتحريض السياسى، والتحريب المعنوى، والاستثمار الانتهازى للظروف، والسعى لترسيخ الشعور بالإحباط، ومجمل هذه الآليات يمثل انتهاكاً سافراً لكل معايير السلوك الدولى المشروع. إن إمعان النظر فيما حدث عام 1956 ضد مصر، عبر المؤامرة الثلاثية من جانب بريطانياوفرنسا والكيان الصهيونى، بشن عدوانها الغادر والغاشم على مصر، وفق أى تقييم موضوعى للحدث، فإنه يمثل تطبيقاً مثالياً ونموذجياً لمفهوم العدوان المباشر، والعدوان غير المباشر، طبقاً لرؤية المنظمة الدولية وأدبياتها المستقرة منذ عقود. وإن كان ولابد من استخدام مصطلح الحرب لوصف ما حدث، فلا بد أن يلحقها لتحرى الدقة فى وصف العدوان، لتكون: «الحرب العدوانية». هكذا، يمكن أن نستخلص حقيقة ما حدث عام 1956، وكان فحوى السؤال الأول الذى صدرنا به هذه الدراسة، ومن ثم فان القراءة التاريخية المنصفة، والمنحازة للحقيقة فحسب تقود إلى اعتماد مصطلح «العدوان الثلاثى»، والإصرار على تداوله عند التعرض لهذا الحدث، إنما ينبع من كونه التوصيف الأدق. تحديات واستجابات قبل الولوج إلى معالجة الحاصل النهائى، أو النتيجة الحقيقية لِما حدث عام 1956، فإن ثمة مقدمات قادت إلى صيغة الناتج على نحو ما تم. كان هناك دائماً تحدٍ واجهته استجابة. بل إنها تحديات، أو تحدٍ مركب، بداية من رفض الغرب تسليح الجيش المصرى، ثم رفض الولاياتالمتحدةالأمريكية والبنك الدولى تمويل مشروع السد، وأخيراً اتخاذ قرار تأميم قناة السويس، ومن ثم عودة الحق لأصحابه. وعلى نحو ما يمكن أيضاً الإشارة إلى الاعتداءات الصهيونية التى استهدفت قطاع غزة، فضلاً عن إطلاق التهديدات المستفزة فى كل اتجاه! إن مجمل الاستجابات لكل تحدٍ شكلت ملامح لحظة تاريخية نادرة، فالعالم قبل المؤامرة الثلاثية، غيره بعد شن العدوان الثلاثى، والمقدمات التى دفعت نحو ذروة الأزمة، أفرزت نتائج غاية فى الخطورة، لا سيما أن ثمة قراءة استراتيچية دقيقة كانت وراء صياغة قرارات مصر، التى جاءت فى موقع الفعل بحساب النتيجة الختامية لا من موقع رد الفعل. لقد شهدت أرض مصر ملحمة وطنية رائعة، فالقرارات التى سبقت ذروة الأزمة، كانت فى جوهرها، تعبيراً عن خيار وطنى مجتمعى، لا رغبة قائد انفرد بها مع مجموعة من الساسة الثوار، فكان ترجمة لضمير مصر بكامل حمولتها التاريخية، هكذا ساند الشعب بجميع فئاته وتياراته قيادته، فى استخلاص حقوقه، لاسيما التى تعرضت تاريخياً للسلب والنهب، وبالمثل حقه فى مستقبل أفضل، حين خاض مفاوضات شاقة لتحقيق الجلاء، متزامناً مع ارتفاع وتيرة حرب فدائية جريئة، ثم ممارسة الحق الذى لا فصال فيه باستعادة قناة السويس. كان من الواضح لجمال عبدالناصر أن مجرد تحديد الأهداف لا يكفى، ولكن ثمة استراتيچية لابد أن ينتظم فى إطارها الهدف البعيد، والأهداف الرئيسية خلال هذه المرحلة المبكرة فى أعقاب قيام ثورة يوليو 52، وأن ثمة فارقاً بين المصلحة والرغبة والقدرة تتطلب تجسيراً بينهما، كما يتحتم قراءة المشهد بدقة على كل الأصعدة: وطنياً، عربياً، دولياً، لصياغة التحالفات، وتحديد القوى الحليفة، والأخرى المناوئة، وتلك التى تقف أو تراوح فى الوسط، وبناء على ذلك تحديد الأشكال التنظيمية للعمل، ورسم مهامها وأساليب عملها. نُذر المواجهة تتجمع فى المحصلة، فإن العدوان الثلاثى لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة لعوامل وملابسات بدأت بثورة يوليو ذاتها، وقد جمعت بين التوجه الاجتماعى التقدمى، واستهداف التحرر الوطنى، وكانت البداية بمفاوضات الجلاء، ورحيل القوات البريطانية بعد احتلال دام أكثر من سبعة عقود، كثمرة مبكرة لسياسة العداء للاستعمار، ومن ثم كان التأييد لثورة الجزائر مما أزعج فرنسا، بالتوازى مع المطالبة بالحق العربى فى فلسطين، وتشجيع الهجمات الفدائية ضد الصهاينة، ثم قرار تسليح الجيش بالعتاد الحديث من الكتلة الشرقية، وبلغ ذروة استفزاز الغرب (لا سيما بريطانياوفرنسا) بإعلان تأميم القناة. كان من الطبيعى أن تتجمع فى سماء مصر نذر مواجهة متوقعة لتحطيم الإرادة المصرية، وإعاقة تقدمها فى إنجاز مشروع وطنى تحررى طموح. فى البداية، ورداً على قرار التأميم، تم وضع خطط ثنائية إنجلوفرنسية للعدوان على مصر، دون إشراك الكيان الصهيونى، ثم كان قرار استخدام هذا الكيان فى تنفيذ عدوان محدود قرب القناة، يمكن اعتباره تهديداً للملاحة، أى توفير الذريعة التى تسمح للشريكين الأصليين بالتدخل لحماية القناة كممر دولى، فإذا لم تقبل مصر يكون عدم قبولها غطاء للتدخل العسكرى الثنائى، واحتلال قناة السويس! ولم يكن ثمة وجه للمقارنة بين حجم القوات المصرية وما حشدته قوى العدوان الثلاثى، بل إن الكيان الصهيونى وحده، حشد ما يفوق كماً وكيفاً حجم القوات المصرية، ويكفى نظرة على الجدول المقارن لميزان القوى بين مصر، ومعسكر العدوان، لكشف الاختلال الرهيب لصالح الثانية. وسرعان ما تنبهت القيادة المصرية لخيوط المؤامرة المحبوكة، وكان هدفها وضع القوات المصرية بين فكى كماشة: القوات الصهيونية من أمامها، والقوت الإنجلوفرنسية من ورائها، فكان قرار سحب القوات المصرية من سيناء. وفى بورسعيد دارت معارك رهيبة بين جنود الجيش مدعومين بأبطال المقاومة الشعبية ضد قوات الإنزال الإنجلوفرنسية، وشهد 5 نوفمبر 56 إبادة موجات كاملة من المظليين، وفى اليوم التالى تكررت المحاولة وتمكن المعتدون من احتلال بورسعيد، لكن الجهد الأسطورى لأبطال المقاومة تواصل، فتكبد المعتدون خسائر باهظة. ثم إن البيئة الدولية كانت تقف إلى جانب مصر، الولاياتالمتحدة ترنو إلى ملء فراغ الإمبراطوريتين العجوزتين (بريطانياوفرنسا) فمارست ضغوطها عليهما، وكان أن وجه الاتحاد السوفيتى إنذاره الشهير لقوى العدوان، فضلاً عن دعم عربى لا محدود خاصة على المستوى الشعبى. فى ذات السياق، اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة على هيئة «الاتحاد من أجل السلام»، بعد إخفاق مجلس الأمن فى وضع حد للعدوان، وكانت السابقة الأولى للمنظمة الدولية، رداً على استخدام كل من فرنساوبريطانيا حق الفيتو، لعرقلة دور مجلس الأمن فى وضع حد للعدوان على مصر، فتم اللجوء لهذه الآلية البديلة، ليصدر قرار بإدانة المعتدين وإلزامهم بالانسحاب. لعل فى ذلك ما يؤكد صواب قراءة المشهد الدولى من جانب القيادة المصرية. من الذى انتصر؟ عود على بدء، ما هى النتيجة الحقيقية للعدوان؟ بصيغة أخرى: من الذى انتصر؟ وما معنى النصر؟ ثمة اتفاق يشبه الاجماع بين خبراء الاستراتيچية، مفاده أن النصر يعنى فرض إرادة طرف كاملة على طرف آخر، فهل استطاعت قوى العدوان أن تنجح فى فرض إرادتها على مصر؟ هل تمكنت قوى العدوان من تدمير القوات المصرية فى سيناء؟ هل كان سحب القوات المصرية من سيناء يمثل تخاذلاً أم أنه قرار صائب، وخيار حكيم، بل وعمل عسكرى ناجح أثر على سير العمليات لصالح مصر، وسبب رئيسى فى تغيير خطة الغزو وإعادة النظر فى أدوار المعتدين؟ هل النجاح التكتيكى المحدود الذى حصدته قوات العدوان المتفوقة بصورة ساحقة من خصم متواضع الإمكانات يعد نصراً عسكرياً، لاسيما أنه لم يحقق سوى الاستيلاء على قطعة محدودة من الأرض، ولفترة وجيزة من الزمن، بعد أن لعبت الدبلوماسية دورها فى إتمام الجلاء الكامل؟ وأخيراً، هل استعادت فرنساوبريطانيا السيطرة على قناة السويس؟ لا.. لا.. لا. إنها الإجابة المختصرة الحاسمة على كل هذه الأسلحة. وقولاً واحداً: مصر لم تُهزم عام 1956. مصر دحرت قوى العدوان الضخمة المدججة بترسانات أسلحة هائلة، وعلى أرضها كان مخاض نظام دولى جديد، فهل يصنع ذلك مهزوم؟ نعم كان للتضامن الدولى، والدعم العربى الشعبى دورهما، لكن المقاومة الباسلة والوحدة الوطنية، وصلابة الجبهة الداخلية، وحصافة القيادة السياسية فى استثمار كل ما يمكن من عوامل إقليمية ودولية، جميعها عوامل تضافرت فى صنع نصر غير مزعوم، وما كان لتلك العوامل أن تفعل فعلها، إلا إذا كان أصحاب القضية قد صمدوا وقاوموا منذ البداية حتى النهاية. ماذا يعنى النصر؟ من المعلوم أن الاستراتيچية تبحث قبل أى شىء آخر، عن النصر السياسى، لا مجرد نصر عسكرى محدود، إذ إن هذا الأخير قد يفضى إلى هزيمة سياسية، لها طعم الحنظل، وهو ما ذاقته بالفعل قوى العدوان الثلاثى، وبالمقابل عززت النتائج الختامية لعدوان 56 دور مصر، وثورتها وقيادتها، على كافة الأصعدة وطنياً وعربياً ودولياً، وأحقيتها فى ممارسة دورها التاريخى، فى مواجهة القوى الساعية لكسر إرادتها، واقتناص ما تطمع لاختطافه عنوة. ويمكن إحالة أصحاب قرية النصر السياسى والهزيمة العسكرية، إلى مقولة الاستراتيچى الفرنسى الكبير أندريه بوفر: «إن النصر هو إما أن تحطم عدوك، أو تجعله فى موقف يقبل ما تمليه عليه من شروط الاستسلام». مصر لم تتحطم، ولم تستسلم، فكيف يمكن إلصاق الهزيمة بها؟ وانطلاقاً من مقولة بوفر، فإن تعريف النصر والهزيمة يرتبط بالضرورة بقدرات كل طرف فى الصراع المسلح وطاقاته وإمكاناته، والهدف الذى يسعى لتحقيقه، والخسائر التى يمكنه تحملها، والأرباح التى يتطلع لجنيها، فى حدود ما يتوافر له من إمكانات. وضع ذلك كله محل الاعتبار، يدفع باتجاه مراجعة من يتبنون فكرة سقيمة، وكأنها من المسلمات التى لا تقبل نقاشاً أو مراجعة. حدود المشاركة الصهيونية يبقى سؤال ينتظر إجابة غير تقليدية: هل كان مجرد مشاركة الكيان الصهيونى فى العدوان، داعياً إلى تصنيف ما حدث باعتباره إحدى جولات الصراع العربى/ الصهيونى، أم أن سياق العدوان يتطلب تصنيفه استهدافاً امبريالياً لمصر؟ آنفا، كان من الواضح أن الكيان الصهيونى لم يتجاوز دوره أن يكون ذريعة لشن العدوان، والقراءة المدققة لسياق الحدث، تؤكد بالوقائع التى كشفت عنها الوثائق التاريخية أن الكيان الصهيونى لم يكن حتى قبل أسبوعين من شن العدوان، قد ظهر فى المشهد، كطرف فى الأزمة المحتدمة كتابع لتأميم القناة، لكنه برز فجأة حين تقدم مندوبه إلى مجلس الأمن بمذكرة يتهم فيها مصر بخرق أحكام اتفاقية القسطنطينية لعام 1888، ولم يكن لهذا الكيان أى وجود آنذاك.! كان إشراك الكيان الصهيونى بهدف محدد، ومحدود، وفق سيناريو صاغته لندن وباريس بتوجيه إنذار للكيان الصهيونى ومصر، بوجوب الانسحاب من على ضفتى القناة بعد 24 ساعة من بدء الهجوم الصهيونى على سيناء! هكذا، كان قرار الحرب بريطانيا/ فرنسيا، ولم يكن للكيان من دور سوى أن يكون غطاءً، أو بدقة أداة بيد من يخططون للعدوان، ولا يزيد عن كونه أقرب ما يكون إلى مخلب قط، وتقبل هذا الدور تحت إغراء أى مكسب من سقط متاع الكبار! تصور قادة الكيان، وفى المقدمة بن جوريون أن ثمة لحظة تاريخية يجب اغتنامها، قد تسفر عن تغيير نظام الحكم فى مصر، ومجئ آخر يتماشى مع السياسات الاستعمارية الساعية لإرغام مصر على التصالح مع الكيان، بل وحماية مصالحه! وبعد 72 ساعة من الهجوم الصهيونى يومى 1 و2 نوفمبر 56، صدر قرار سحب القوات المصرية الرئيسية من سيناء، عندئذ استأنف جيش الصهاينة تحركاته بعد تأكده من خلو المواقع التى كان الجيش المصرى يتمركز فيها، واستطاع الانتشار فى سيناء لفترة محدودة، تم إجباره على الانسحاب منها، وفق قرارات الشرعية الدولية. مجرد حدث جانبى يمكن إيجاز المشاركة الصهيونية فى جملة واحدة، بأن القتال بين مصر والكيان الصهيونى لم يكن سوى حدث جانبى، قياساً بالصدام الأوسع الذى شمل مصر، وكلا من بريطانياوفرنسا. وما يعزز صوابية هذه الرؤية، أن أى إنجاز صهيونى فى سيناء، كان عائداً لسحب القوات المصرية من سيناء، كما لم يتحرك الصهاينة بحرية، إلا فى ظل الدعم الإنجلوفرنسى، سوء بالغطاء الجوى، أو تأمين الأسطول الفرنسى لسواحله. لذا فإنه حتى المشايعون للكيان الصهيونى عندما تحروا قليلاً من الموضوعية، فإنهم وصفوا الادعاء الإسرائيلى بتحقيق «نصر ما»، بأنه ليس سوى نصر على الورق ليس إلا، وكان مسرح ذلك صحافة الغرب وبرلماناته التى خلقت أسطورة النصر الإسرائيلى المستقل، ولم تكن هذه الأسطورة إلا واحدة من الأساطير العديدة التي ظل الصهاينة يروجونها فى الغرب طيلة عقود، وقد ضمن روبرت ارسكين تشايلدرز رؤيته تلك فى كتابه «الطريق إلى السويس»، ويجب تثمينه لأنه لم يكن يخفى إعجابه بالكيان الصهيونى! وحين مد تشايلدرز الخط على استقامته تساءل: إذا افترضنا عدم وجود تدخل بريطانى فرنسى، هل كان فى الإمكان أن يقع هجوم إسرائيلى؟ ويجيب: أن ثمة مبررات تدعو إلى الاعتقاد بأن مثل هذا الهجوم ما كان ليقع، ولو وقع لما وقع فى اتجاه سيناء أبدا. إن حجم الدور الذى لعبه الكيان الصهيونى خلال العدوان الثلاثى، يدعو للتأكيد على أنه ليس لمجرد مشاركة الجيش الصهيونى فى الحرب وفق ما عرضنا يجب اعتبارها جولة من جولات الصراع العربى/ الصهيونى، بل يجب النظر إلى كون ما حدث حلقة فى سلسلة الاستهداف الامبريالى لمصر. وإذا كان الواقع حتى يومنا هذا يؤكد عدم استطاعة الكيان الصهيونى الاعتماد الذاتى على قوته، إذ المهام الموكلة إليه تتجاوز كثيراً طاقته الذاتية، فإن القوى الامبريالية تاريخيا تعتبره رصيداً استراتيجيا لها. ولا يعنى ذلك انه لا أجندة خاصة للكيان، ولكن تحت مظلة الغرب وعباءته، وقراءة مسار الصراع العربى/ الصهيونى يشى بصواب هذا الطرح، إلا انه إذا جاز التعاطى مع جولات الصراع وفق هذا المنظور، فإن ثمة خصوصية للعدوان الثلاثى تحديداً، الذى يقزم فعليا دور الكيان ويهمشه. فهل يمكن بعد كل ما أشرنا إليه، اعتبار عدوان 1956 جولة من جولات الصراع العربى الصهيونى؟