إسلام وهبان يرى الكثيرون أن الكتابة ستظل أسيرة التناقض الأبدي.. ورغم غزارة الإنتاج الأدبى العربى فى السنوات الأخيرة إلا أننا لا نزال فى حيرة حول ماهية الكتابة الإبداعية.. هل هى تتويج روحى يهبط من السماء على قلة مختارة، أم أنها صناعة معرفية يمكن تفكيك آلياتها وتعلم قواعدها، وقد أدى إفراطنا فى تمجيد «قدسية الموهبة» إلى تعليق الإبداع فى فضاء اللغز، مما شجع على التكاسل الفكرى وقاد الثقافة إلى مسارين مأزومين: إما الانتظار السلبى للإلهام الزائف، أو الانزلاق إلى حرفية مفرغة تُنتج أعمالاً مكررة بلا عمق، وأصبحت هناك حالة من تراجع «السيادة الإبداعية» لصالح ضغط النمطية والاستهلاك السريع فلم تعد الكتابة مجرد فن، بل أصبحت محطة اختبار حقيقية لقدرة العقل على مقاومة الإلغاء،؛ حيث يقف المبدع بين مطرقة «الأسطورة الرومانسية» التى تُعلى من شأن الوحى غير المنهجى، وسندان «الرأسمالية المعرفية» التى تُحوّل العلاقة بين القراءة والإبداع إلى استهلاك سطحى يغيب عنه الإطار الناظم. يأتى كتاب «لغز السيد س.. فن اقتناص الخيال فى الكتابة» للكاتب والفنان التشكيلى وليد علاء الدين، الصادر حديثا عن دار الشروق، لا بوصفه دليلاً إرشادياً لكيفية كتابة العمل الأدبى، بل بوصفه مشروعا نقديا يحاول تفكيك المفاهيم المغلوطة، بهدف تحرير عقل المبدع من قيوده الموهومة، وذلك من خلال 32 فصلا يحاول الكاتب فيهم تقديم ما يشبه دليل لاقتناص اللحظة التى تسبق الكتابة، لتحويل القلق إلى رحلة استثنائية لفك شفرة الإبداع واستكشاف سبل تحول الصور الذهنية إلى نصوص أدبية، وكيف نتعامل مع القراءة كمنهج تفكير لا كمهمة روتينية، ويجمع الكتاب بين الحكايات الفلسفية والأمثلة العملية مستلهما تجارب عمالقة الأدب والعلم، للتأكيد على أن الخيال ليس ترفا بل ضرورة لصناعة عالم أكثر إنسانية وجمالا. يرفض الكتاب الفصل بين العمل الإبداعى وبين جذوره البيولوجية والمنهجية؛ فهو يفكك أسطورة «الموهبة» ليُثبت أن الخيال «وظيفة حسية» يمكن تدريبها وتخصيبها. وبذلك، يُعيد «لغز السيد س» تأسيس العلاقة بين الكتابة (كفعل اقتناص واعٍ)، والقراءة (كمنهج تفكير عميق يُغذّى تلك الوظيفة)، مما يبرر ضرورة وجود ورش الكتابة كمختبرات للوعى، تدفع بالمبدع نحو العمل المنهجى بدلاً من الانتظار السلبى للحظات الإلهام. الخيال بوصفه وظيفه بيولوجية يحاول الكتاب التأسيس لمفهوم الحكاية كونها أصل كل إبداع، من خلال حكاية «الأسعد بن المحظوظ» الذى ولد فى قرية من الصم والبكم، ومحظور بها الكلام أو البيان وتفنن أهلها فى إفقاد الأجيال المتعاقبة القدرة على الكلام والتربص بكل ذى سمع ولسان، إلا أنه نجا بحيلة ذكية حينما وجد سبيله الوحيد هو الكتابة، ليضعنا الكاتب أمام أهمية وخطورة الكلمة، ويفتح لنا الباب على مصرعيه للتأويل ومحاولة اقتناص المعنى. ثم ينتقل بنا من خلال شخصية «السيد س» كنموذج إجرائى يُصارع حدود خياله. حيث يصل السيد «س» إلى حقيقة جوهرية مفادها أن الخيال لا يقل تفرداً عن البصمة، فهو لا يتطابق بين شخصين. هذا التأكيد ينقل الخيال من الحيز العام إلى «الميثاق الفردى»، مُعلناً أن الإبداع الحقيقى لا يُولد إلا من فرادة التجربة الحسّية. يُقدّم الكتاب إطاراً نظرياً يتجاوز الوصف السيكولوجى للخيال، ليُضفى عليه بعدا بيوجماليا فالخيال كالعقل؛ ليس جزءًا من تكوين الجسد، ولكنه عملية أو وظيفة تعمل لصالحها أجزاء من الجسد هذه الوظيفة أو ما يطلق عليها «الفلسفة العصبية»، والتى تعتمد بشكل مباشر على تغذية الحواس عبر مصادر معرفية عديدة من أبرزها القراءة، فذاكرة الحواس تقوم بجمع شذراتها، سواء بوعى أو من دون وعى، لتحويلها إلى جزيئات مادية داخل الخلايا العصبية بالدماغ. إن عملية الكتابة إذن، وفق هذا التحليل، ليست سوى اقتناصا واعيا لهذه الجزيئات المُخزّنة، وإعادة تفعيل لمسارات عصبية، ليصبح الإبداع عملية هندسة متقنة وليست مجرد إلهام مُفاجئ ويتحول الخيال من صندوق سحرى مبهم إلى وسيط يصلح للمشاركة مع الآخرين. نحو هندسة العقل الناقد لم يكن فعل القراءة بمعزل عن عملية النقد وإعادة التأسيس التى انخرط فيها الكتاب، بل اعتبره المؤلف الشق الموازى والأكثر أهمية فى معادلة الإبداع لقد استهل «علاء الدين» طرحه بضرورة تحرير هذا المفهوم من قيد التابوت المصطلحى الذى طالما اختزل القراءة فقط فى المُطالعة السطحية للنصوص المدونة، بغض النظر عن وسيطها. يرفض الكاتب النظرة التى تحصر القراءة فى كونها سبيل لجمع المعلومات ومصدر من مصادر المعرفة، ليُعيد الإحالة إلى الأصل الاشتقاقى للفعل اللغوى، مؤكداً وظيفته الجوهرية بوصفه مشروعاً لصناعة عقل قارئ. وتتأسس هذه الصناعة على ثلاثية معرفية لا تقبل التجزئة: تبدأ ب التتبع والتدقيق بحثاً عن المعنى الكامن والمُضْمَر، تليها عملية الجمع والضم لشتات المعرفة فى إطار تأليفى موحد، وتنتهى بالانتقال إلى المنهجية الفكرية، حيث تُصبح المعرفة آليات إجرائية تُمارس كطريقة حياة لهذا، يعلن الكتاب أن النجاة من فخ السطحية تكمن فى التعامل مع القراءة على أنها «منهج تفكير» بحد ذاته، حيث لا يُقاس النجاح بكمية المستهلك من الكلمات، بل بمدى القدرة على تخصيب الخيال وصنع عقل قارئ يمتلك آلياته النقدية. هذا المنظور يذيب الثنائية التقليدية بين الكاتب والمتلقى، ليُصبح كلاهما شريكاً فاعلاً فى «العملية المعرفية» التى هدفها الأسمى هو إثراء الذات بالخيال والفكر والمعرفة، كما يضع تصور أكثر واقعية لدور القراءة فى خلق وتكوين الخيال ومحاولة فهم ما وصلنا إليه من غزارة فى الإنتاج الأدبى يصاحبه قصور فى الوعى نتيجة الخلل فى فهم ماهية القراءة ودور المثقف فى المجتمع. «القراءة الضريرة» وصناعة التطرف لا يتوقف الكتاب فى نقده عند قصور المفهوم التقليدى للقراءة، بل يمتد ليشمل واحدة من الظواهر التى يعانى منها المشهد الثقافى خلال السنوات الأخيرة، وهى «القراءة الضريرة» والتى يعتبرها الكاتب أخطر أشكال التلقى فهذه القراءة هى التى يمارسها البعض فقط لتعزيز وجهة نظرهم، وهى قراءة تُحوّل النص إلى سجنا ذاتيا. يُنبّه الكتاب إلى الأثر السلبى لهذه الممارسة، مُعلناً أنها نوع من القراءة جيد لصنع الإرهابيين والمتطرفين والمتغطرسين، فهذه القراءة الإنغلاقية، ترفض مبدأ التأويل المفتوح، وتُحيل النص من ساحة للحوار إلى آلة لتثبيت الجمود العقائدى. الكتاب يتعامل مع القراءة فى مسعاها التأسيسى، باعتبارها عملية تحرّر من الخضوع لرغبة القارئ، فى تأكيد ما يؤمن به سلفاً، والبحث عن فهم الأمر المُضْمَر، أو محاولة الوصول إلى ما لم يكن معلوم أو غائب عن الفكر، أو ما لا يتضح إلا عبر التعامل مع النص بوصفه «منهجاً» لا مُجرّد وسيلة تعزيز للمعلومة أو تأكيد لوجهة نظر. ورش الكتابة.. بين الموضة وإعادة تفكيك المفاهيم المغلوطة رغم انتشار ورش الكتابة فى السنوات الأخيرة وتحول الأمر فى بعض الأحيان إلى موضة أو «سبوبة»، إلا أن الكتاب يرى أن انتشار ورش الكتابة الإبداعية هى ظاهرة صحية، تنم عن زيادة وعى بدور الكلمة المكتوبة، حتى لو كان الأمر نتيجة لطلب متزايد على كتابة أنواع أدبية بعينها طلبًا للشهرة لما تحظى به من اهتمام إعلامى، أو كنوع من الوجاهة، لرواجها اجتماعيًا أو أملًا فى الحصول على ما يُرصد لها من جوائز مغرية، ومهما كان الدافع ففى النهاية الفرز متروك للزمن. ولا مشكلة إذا زاد الكمُّ وتراجع الكيف مؤقتًا، لأن هذا الكم يشكل بيئة ثرية ووسطًا مفيدًا يسمح بظهور إنتاج نوعى مميز. فبما أن الخيال وظيفة بيولوجية تُغذّى ب «منهج تفكير» هو القراءة، تصبح ورش الكتابة ودوراتها ليست مجرد تدريبات شكلية على الأسلوب، بل هى آليات لتدريب الحواس، على الاقتناص الواعى، وإجبار العقل على الخروج قليلاً عن منطق التلقى السلبى، ليدرك أن مساحة الكتابة أوسع وأعمق من مجرد التدوين أو السرد. لا يكتفى «لغز السيد س» بتقديم إطار معرفى جديد، بل يخوض معركة حقيقية فى جبهة تقويض الأساطير حول الكتابة، التى شوهت الممارسة الإبداعية. وذلك من خلال تفكيك للعديد من المفاهيم المغلوطة وإعادة تعريفها، والتى من بينها اعتبار القراءة شكلا من أشكال التسلية، أو عدم النظر للكتابة باعتبارها لعبة. فبينما يُشير إلى أن القراءة قد تكون وسيلة للتسلية، يُصعّد الكتاب من وظيفتها الجوهرية لتبلغ مرتبة «الصناعة»؛ صناعة العقل، وصناعة المنهج، وصناعة الإنسان. وعليه، فإن القراءة والكتابة لا تهدفان إلى تضييع الوقت أو قتل الفراغ، بل إلى تخصيب الخيال وصنع عقل ناقد، وهنا تنتقل القراءة بوظيفة الأدب من الترفيه المُستهلك إلى التحفيز العقلى المُنتج.