حسن رجب الفخرانى ننتظره بلهفة عارمة وشغف يفوق شوق المغرمين لحظة تهدئته على رصيف محطة قريتنا الصغيرة فيسارع كلانا لتسلق أى باب فى أية عربة من عرباته المتهالكة، لنرى من فينا يفوز بالولوج أسرع إليها وكلانا يحمل حلة من الألمونيوم مليئة بثمار البطاطا المسلوقة والشهية طغى عليها سواد وابور الجاز الذى يستعمله أهالينا فى إعداد الأطعمة وشتى الأغراض المنزلية التى تحتاج إلى التسخين. القطار كعادته دائما يعج بالركاب مختلفى الوجوه والنظرات والاتجاهات ولكن ما يغلب على سوادهم الأعظم ملامح الفقر والحاجة والشفاه الجافة وهو بالنسبة لنا السوق الرائج التى نوزع فيها منتجنا البائس والرخيص والكفيل بأن يشبع جوعهم حتى يصل كل منهم إلى ملاذه الأخير. لا تكف حركة البيع لدى كلينا برهة، لحظات قبل أن يتحرك القطار من وقفته الإجبارية. توشك سلعتنا أن تنفد وجيوبنا فى الجلابيب المهترئة أن تمتلئ بالنقود القليلة والكفيلة أن تبعث فى أوصالنا سعادة غامرة. بدأ صرير عجلاته المزعج ينساب إلى آذاننا معلنا الرحيل. نعاود السباق فيما بيننا فى القفز منه على عجل قبل أن يبتلعه المجهول ونحن معه. نجلس على الرصيف فوق مقعد حجرى ملتهب جراء السياط التى لا تكف الشمس عن جلده بها ولم تكن المظلة الخشبية التى أكلها السوس لتذود عنه، نخرج فى لهفة حصيلة البيع ونبدأ فى العد ولا زال الصراع فيما بيننا على أشده لنرى أى منا ظفر بغنيمة أكبر من الآخر، طقطقة القروش تعلو رويداً رويداً حتى تهدأ فجأة وينظر كلانا إلى الآخر لنرى مَن الأسرع فى إعلان حصيلته وما إن هممت فى الإعلان عن كنزى البسيط حتى كان هو أسرع من الريح العاتى وهو يقول فى سعادة وجل حسده الصغير يهتز فى نشوة النصر: «ثلاثة جنيهات كاملة حصلت عليها.. الحمد لله». هنيئاً لك يا صديقى والفارق بيننا هين فقد ظفرت بجنيهين وخمسة وسبعين قرشاً. طافت بنا على حين غرة الأحلام الوردية وتهيأت لنا الحياة الرغدة فى انتظار قدوم مركبنا إلى رحابها الواسع الفسيح. أيام قليلة وتقبل علينا المدارس فاتحة فيها لتلتهم نقودنا القليلة والتى جُمِعت ممتزجة بعرقنا الطفولى البكر وعذرنا هو الرغبة الجامحة فى أعماقنا لكى نكمل مراحلنا الدراسية بتقوق بعيداً عن التذرع بضيق أيدى أهالينا والفقر المدقع الذى يكسرنا. حالنا لا يختلف عن بعض فوالدى رجل كهل لا يستطيع العمل ووالدتى لا تترك ماكينة الخياطة التى تعمل عليها ليل نهار كى تستطيع أن تستر أخوتى البنات أما هو فيتيم الأب والأم ويعيش قهراً مع أخته الوحيدة فى منزل خالته. لا يكف زوجها عن إظهار تبرمه لوجوده كلما سنحت له بادرة لذلك وما أكثر البوادر. بالرغم من مشقة العمل وخطورته إلا أننا كنا نجد فيه لذة غريبة تدفعنا دوماً إلى التشبث به أكثر كأنه رفيقنا الثالث الذى لا يصيبه الضجر من مصاحبتنا بعكس الآخرين. تلاقت على حين غرة نظراتنا والتى نطقت برغبة مجنونة تموج فى أعماقنا وأصابنا الصمت هنيهة والذى قطعته بقولى: "ما رأيك؟ الجو ملتهب وبحاجة للاستحمام مع هؤلاء؟!" وأشرت بيدى صوب ثلة من الصغار يلهون على صفحة ماء ترعتنا الصغيرة. أجابنى بإيماءة من رأسه. ثم انطلق كلانا فى ركض محموم حتى وصلنا وخلع كل منا ملابسه فى سرعة ووضعها على ضفة الترعة وبجانبها أشياؤه ثم قفزنا إلى الماء ومن حولنا تطاير رذاذ الماء وكأنه يبارك فرحتنا. مر الوقت سريعاً والسعادة الغامرة تحتوينا حتى أننا لم ننتبه إلى تلك الأيدى التى امتدت خلسة لتسرق كل ما نملك، حتى ملابسنا لم تسلم منها، ولحظات وبدأ الأطفال فى الخروج من سباحتهم حتى فرغ المسبح ولم يتبق سواه وكأنه قد تلاشى. أصابنى الهلع وأنا أجوب بنظرتى الحائرة صفحة الماء التى أغلقت أبوابها وربما حاولت سبل أغوارها علنى أطالع فى صمتها ابتسامته ولكن الشمس فرت بآخر شعاع لها كان ملتصقاً بجسدى وأفلت. وكذلك هو.