سميحة شتا فى تطور قضائى يحمل أبعادًا قانونية وسياسية عميقة، رفضت المحكمة الجنائية الدولية طلبًا إسرائيليًا بوقف التحقيقات الجارية بشأن الجرائم المرتكبة خلال الحرب على غزة، مؤكدة استمرار الإجراءات القضائية، بما يشمل التحقيقات ومذكرات التوقيف الصادرة بحق مسئولين إسرائيليين بارزين القرار، الذى أصدرته دائرة الاستئناف فى لاهاى، شكّل ضربة جديدة لمحاولات إسرائيل تعطيل المسار القضائى الدولى، وأعاد تسليط الضوء على المواجهة المفتوحة بينها وبين المحكمة منذ أكثر من عقد ونصف. وتقول رويترز أن حكم الاستئناف جاء ليؤيد قرارًا سابقًا صادرًا عن الدائرة التمهيدية، خلص إلى عدم وجود «وضع جديد» يستوجب إعادة إطلاق إجراءات الإخطار أو فتح مسار قانونى مغاير، كما كانت تطالب إسرائيل استنادًا إلى المادة 18 من نظام روما الأساسي. وبهذا القرار، أكدت المحكمة أن التحقيق الذى فتحه الادعاء عام 2021 لا يزال ساريًا، وأن نطاقه الزمنى الممتد منذ يونيو 2014 من دون تحديد تاريخ انتهاء، يسمح قانونيًا بتناول الوقائع التى أعقبت هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب الواسعة التى شنّتها إسرائيل على قطاع غزة. اقر أ أيضًا | مدعي الجنائية الدولية: بريطانيا هددت بقطع التمويل لمنع توقيف نتنياهو ويمثل تثبيت هذا الإطار القانونى تأكيدًا مباشرًا على استمرار مذكرات التوقيف التى أصدرتها المحكمة فى نوفمبر 2024 بحق رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما يعكس القرار رفضًا صريحًا لمحاولة إسرائيل الفصل بين الحروب السابقة فى غزة وبين العمليات العسكرية الأخيرة، أو اعتبار ما بعد السابع من أكتوبر سياقًا قانونيًا مختلفًا يُسقط أو يعلّق اختصاص المحكمة. الرد الإسرائيلى لم يتأخر، إذ سارعت وزارة الخارجية إلى رفض الحكم واعتباره صادرًا بأغلبية ضئيلة، متهمة المحكمة ب«التسييس المستمر» وتجاهل ما وصفته بالحقوق السيادية للدول غير الأعضاء فى نظام روما. وأكدت تل أبيب مجددًا موقفها التقليدى الرافض لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، مستندة إلى مبدأ «التكامل»، الذى يفترض أولوية القضاء الوطنى فى التحقيق، ولا سيما فى الدول التى تصف نفسها بأنها ديمقراطية وتمتلك نظامًا قضائيًا مستقلًا. غير أن المحكمة، وفق حيثيات الحكم، لم تجد فى هذه الحجج ما يكفى لتعليق التحقيق أو إعادة الإجراءات من نقطة الصفر، معتبرة أن إسرائيل لم تقدم ما يثبت وجود تحقيقات وطنية جدية وشاملة ترقى إلى مستوى تعطيل اختصاص المحكمة الدولية. ويعكس هذا الموقف تمسكًا واضحًا من قضاة الاستئناف بفكرة أن مبدأ التكامل لا يُفعل تلقائيًا بالادعاء السياسي، بل يتطلب أدلة ملموسة على مساءلة حقيقية تطال صانعى القرار، لا الجنود الميدانيين فحسب. ويأتى هذا الحكم فى سياق سياسى دولى معقد، إذ أشارت جيروزاليم بوست إلى أن إسرائيل كانت تعوّل على مجموعة من العوامل الخارجية، بما فى ذلك الضغوط الأمريكية والعقوبات التى فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على المحكمة، لدفع القضاة نحو مسار أكثر حذرًا أو أقل تصعيدًا إلا أن الحكم الأخير أظهر محدودية تأثير هذه الضغوط، وأكد أن المحكمة لا تزال ماضية فى نهجها، رغم الانقسامات الداخلية التى كشفت عنها نتيجة التصويت القريب. وتكمن أهمية هذا القرار أيضًا فى كونه واحدًا فقط من بين عدة طعون قانونية قدمتها إسرائيل، بعضها لا يزال قيد النظر، ولا يوجد جدول زمنى واضح للبت فيها. ومع ذلك، يرى مراقبون أن صدور حكم سلبى بهذا الوزن فى هذه المرحلة قد يشير إلى اتجاه عام داخل المحكمة، يجعل من الصعب على إسرائيل تحقيق اختراق قانونى كبير فى الطعون المتبقية، خصوصًا تلك المتعلقة بشرعية مذكرات التوقيف أو اختصاص المحكمة الإقليمى. فى المقابل، تتزامن هذه التطورات القضائية مع واقع إنسانى بالغ القسوة فى قطاع غزة، حيث خلّفت الحرب الإسرائيلية دمارًا واسعًا فى البنية التحتية، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم من النساء والأطفال، وفق بيانات وزارة الصحة فى غزة التى تستشهد بها الأممالمتحدة بشكل متكرر. ورغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ فى أكتوبر، فإن الظروف المعيشية لم تشهد تحسنًا ملموسًا، مع استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات والوقود. وتبرز أزمة غاز الطهى كأحد أكثر مظاهر الكارثة الإنسانية حدّة، إذ أفادت يورونيوز بأن قطاع غزة يحتاج يوميًا مئات الأطنان لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان والمستشفيات والمخابز، بينما لا يُسمح إلا بإدخال كميات محدودة لا تغطى سوى جزء يسير من الحد الأدنى المطلوب وقد أدى ذلك إلى شلل شبه كامل فى محطات التعبئة، واتساع السوق السوداء، وتعميق معاناة مئات آلاف العائلات التى تكافح من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة. وفى هذا السياق، لا ينفصل المسار القانونى فى لاهاى عن الواقع الميدانى فى غزة، إذ تشكّل الكارثة الإنسانية أحد العناصر الأساسية التى يستند إليها الادعاء فى توصيف طبيعة الجرائم المزعومة، ولا سيما ما يتعلق بالاستهداف الواسع للبنية المدنية وفرض ظروف معيشية قد ترقى، وفق توصيفات قانونية دولية، إلى أفعال محرّمة بموجب القانون الدولى الإنسانى. أما على الصعيد الإسرائيلى الداخلى، فيثير القرار تساؤلات متزايدة حول الخيارات القانونية والسياسية المتاحة أمام الحكومة، فى ظل تزايد العزلة القضائية واحتمال تقييد حركة كبار المسؤولين خارج البلاد. ويرى محللون إسرائيليون أن أحد المسارات القليلة المتبقية قد يتمثل فى فتح تحقيقات داخلية مستقلة تطال أعلى مستويات القيادة السياسية والعسكرية، فى محاولة لإعادة تفعيل مبدأ التكامل وتعطيل مسار المحكمة الدولية، وهو خيار لا يزال محفوفًا بتعقيدات سياسية داخلية كبيرة. فى المحصلة، لا يُنهى قرار المحكمة الجنائية الدولية المواجهة القانونية مع إسرائيل، لكنه يرسّخ واقعًا جديدًا يصعب تجاهله، عنوانه أن ملف غزة بات مفتوحًا على مسار قضائى طويل الأمد، تتداخل فيه السياسة بالقانون، والضغوط الدولية باستقلال القضاء، فيما تبقى الكلفة الإنسانية للحرب حاضرة بقوة فى خلفية كل قرار، شاهدة على صراع لم تنتهِ فصوله بعد، لا فى الميدان ولا فى قاعات المحاكم الدولية.