المنطقة العربية، ولا أقول الأمة العربية، ولا الشرق الأوسط، دعنا ننطلق من واقع حقيقى، بعيداً عن الأمانى والأحلام، كذلك باستبعاد تبنى مصطلح يعكس مفهوماً جغرافياً فرضه الاستعمار، نحن بصدد منطقة عربية بحكم الجغرافيا والتاريخ، والعديد من العناصر التى تشكل جوهر هذه المنطقة وتصبغها بلون العروبة الطاغى دون سواه. المنطقة العربية تواجه لحظة مصيرية حاسمة وفاصلة، مفعمة بالتهديدات والتحديات غير المسبوقة، وقوى متربصة تحاول استثمار اللحظة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، وفق مخططات بالضرورة تخصم من العرب تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، فهل يظل العرب فى موقع رد الفعل أو المتلقى فحسب، أم أن الأمر يتطلب يقظة، متبوعة بإرادة سياسية حقيقية، تعادل المخاطر المحدقة بالجميع دون استثناء؟ استدعاء مفهوم المشروع العربى يجب أن يتجاوز الأحلام والأمانى، فنحن لسنا بصدد لحظة كسابقاتها مما شهدته المنطقة خلال قرن كامل، منذ تم هندسة الخرائط بأياد لم تراع إلا مصالحها، دون النظر إلى مصالح العرب وآمالهم المشروعة، بل نحن نتعرض لتهديدات مصيرية تتطلب مواجهتها رؤية جلية، محددة وفق تحليل دقيق، وللأسف فإن الخيارات محدودة بل يكاد الأمر يكون مقتصراً على إجابة السؤال: نكون أو لا نكون؟ وأحسب أن أى أمة تملك ما يحوزه العرب، لا ترضى بغير أن «تكون» وأن تواجه التحدى الذى يتهددها، وبالقطع فإن ذلك لن يتحول إلى فعل مؤثر إلا عبر «مشروع عربى»، قادر على مواجهة مشروعات يحاول فرضها قوى إقليمية، بعضها مدعوم بقوى دولية وهنا لا يكفى الإحساس بالخطر، أو الرد عليه بالبيانات الحماسية أو عبارات الشجب، أو الرفض للمخططات والمشروعات الأخرى، فدون امتلاك بديل محدد، لن يجدى كل ذلك، مادام «الآخر» يتحرك فعلياً لفرض إرادته ورؤيته. إن انطلاق «مشروع عربى» فى هذه اللحظة يجب ألا يتوافر له شرط الإجماع، بل يكفى تبنى نواة كمصر والسعودية مدعومة بعدد من الأشقاء كبداية لمجمع عربى يتوسع عبر جهود حثيثة. وصولاً لأغلبية تلتف حول »المشروع العربى» المرجو، فالرهان على الإجماع لن يغنى سوى إهدار الوقت دون أى قدرة على الوقوف فى وجه الخطر. إنها صرخة عربى يحذر من استمرار الوضع الراهن دون أى مبادرة، فحين ذاك لن يكون بانتظارنا إلا »الانتحار القومى» والخروج من التاريخ.