في قلب المتحف المصري بالتحرير، حيث تتقاطع دهشة الزوّار مع عبق التاريخ، تقف واحدة من أكثر روائع الفن الجنائزي المصري سحراً وتفرداً، أنه قناع الملك بسوسنس الأول. هذا العمل الفذ، المصنع من الذهب الخالص والمرصع بالأحجار الكريمة، لا يعكس جماليات الفن الملكي فحسب، بل يروي قصة ملك منسي عاش في فترة حرجة من تاريخ مصر، وتمكّن رغم الصعاب من أن يترك خلفه كنزاً يضاهي كنوز الفراعنة العظام، وليس غريباً أن يجذب القناع ملايين العيون في كل زيارة؛ فمن يستطيع مقاومة ذلك البريق الذي يحمل بين طياته حكايات الأجداد. من هو بسوسنس الأول ينتمي الملك بسوسنس الأول إلى الأسرة الحادية والعشرين التي حكمت مصر خلال عصر الانتقال الثالث، ورغم أن هذه الفترة تُوصف بأنها مرحلة ضعف سياسي، فإن آثار الملك تكشف عن فخامة لا تقل عن عصر الدولة الحديثة. وقد حكم بسوسنس الأول من عاصمته في تانيس (صان الحجر حالياً)، حيث شيّد معبداً مدفوناً تحت الرمال طويلاً، وترك مجموعة من التوابيت والمقتنيات المذهلة التي أعادت الاعتبار لتلك الفترة. اكتشاف كنز تانيس في عام 1940، تمكّن عالم الآثار الفرنسي بيير مونتيه من تحقيق واحدة من أعظم الاكتشافات في تاريخ علم المصريات: مقبرة بسوسنس الأول، وقد وُجد القناع الذهبي بين مجموعة كاملة من الحلي الذهبية، والأساور، والصدريات، وأغطية التوابيت المصنوعة من الذهب والفضة. وكان هذا الاكتشاف بمثابة تعويض تاريخي عن فقدان كنوز توت عنخ آمون التي انتقلت لاحقاً إلى المتحف الكبير، إذ أصبح قناع بسوسنس الأول أحد أعظم ما يعرضه المتحف المصري بالتحرير اليوم. وصف فني للقناع يُعد قناع بسوسنس الأول عملاً استثنائياً يجمع بين المهارة التقنية والجمال الفني. من أهم خصائصه: مصنوع بالكامل من الذهب، مما يدل على مكانة الملك وثراء مقبرته. عيون مطعمة بالأسود والزجاج الأبيض، ما يمنحه ملامح واقعية آسرة. جبين مُزيّن بصل الكوبرا ونسر الحماية، وفق التقاليد الملكية المصرية. ملامح هادئة متوازنة تعكس شخصية الملك ورمزيته. القناع ليس مجرد قطعة جنائزية، بل هو شهادة على استمرار الفن الملكي الراقي حتى في الفترات التي كان يُظن فيها أن الإبداع المصري قد تراجع. القناع بين الدلالة الدينية والنفَس الفني حمل القناع في الثقافة المصرية القديمة عدة وظائف: 1- حماية وجه الملك في الحياة الأخرى 2- تجسيد صورته المثالية المقدّسة 3- ربطه بالإله أوزيريس، رمز البعث وبذلك أصبح القناع وسيلة لضمان تجدد حياة الملك بعد الموت، معبّراً عن علاقة المصري القديم المتجذّرة بالمعتقدات الجنائزية والخلود. القناع في المتحف المصري بالتحرير يحتل القناع موقعاً مميزاً في المتحف، حيث يُعرض داخل خزائن حديثة تبرز لمعانه الفريد وتفاصيله الدقيقة. ويتوقف الزوّار أمامه طويلاً، سواء من الباحثين المتخصصين الذين يدرسون فنون الذهب، أو من محبي التاريخ الذين ينجذبون إلى روعة الحرفية القديمة. ويسهم القناع في جعل المتحف وجهة مفضلة للزائرين، خاصة أنه أحد آخر الأقنعة الذهبية الملكية التي ما زالت معروضة في القاهرة بعد انتقال كنوز توت عنخ آمون إلى المتحف المصري الكبير. سادساً: لماذا يستمتع الزوّار بقصة هذا القناع؟ لا يزور أحد قاعة كنوز تانيس دون أن يشعر بأن الزمن يعود به آلاف السنين. ذلك لأن: القناع يحمل بريق الذهب الفرعوني الذي لا يُقاوم خلفه قصة اكتشاف مذهلة أمامه تفاصيل فنية آسرة حوله كنز ملكي كامل يمنح الزائر تجربة نادرة يظل قناع بسوسنس الأول إحدى أعظم الروائع التي يحتضنها المتحف المصري بالتحرير، وجسراً حياً يربط الحاضر بملوك الماضي. إنه ليس مجرد قطعة أثرية، بل نافذة على ملك عاش قبل ثلاثة آلاف عام، وترك ما يكفي ليدهش العالم حتى اليوم، إن زيارة هذا القناع ليست مجرد مشاهدة لقطعة ذهبية، بل هي رحلة قصيرة داخل زمنٍ امتزج فيه الفن بالعقيدة، والذهب بالحياة، والملك بالخلود. اقرأ أيضا| أحمد غنيم يستعرض في اليونسكو مراحل إنشاء المتحف المصري الكبير