فتحت مذابح مدينة الفاشر عاصمة أقليم دارفور غرب السودان الجرح الدامي للقضية السودانية التي تعاني من تجاهل دولي غير مبرر في ظل ماسأة قد تكون هي الأكبر في القرن الحادي والعشرين، حيث تمارس فيها كل أنواع الانتهاكات الحربية من تجويع وقتل وتعذيب واغتصاب، قليل منها ما تم توثيقه، لدرجة أن بقع الدماء في شوارع الفاشر تم رصدها بالأقمار الصناعية من ضخامتها.. فنانين السودان كانوا من أوائل من تفاعلوا مع الماسأة.. وفي السطور التالية يتحدثون عن تأثيرها عليهم حتى وهم خارج الوطن.. الفنانة السودانية إسلام مبارك، التي تعد أشهر ممثلة سودانية حاليا تتواجد على الأراضي المصرية بعد مشاركتها في أكثر من عمل تليفزيوني وسينمائي مؤخرا، قالت عن تصاعد الماسأة السودانية: "الحرب في السودان شيء محزن، حيث تسببت في خسائر كبيرة بالأرواح، ونزوح جماعي.. والوضع الإنساني هناك كارثي، وكثير من السكان يعانون من نقص في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، والآن إنسان بلادي يباد بقلب بارد وبلا ذنب غير أنه سوداني". وتضيف مبارك: "هذا الصراع أثر على اقتصاد السودان بشكل كبير، والتضخم زاد، والعملة المحلية تراجعت قيمتها، وكثير من البشر فقدوا منازلهم وهربوا إلى مخيمات.. والوضع هناك مؤلم جدا." واستطردت مبارك: "أنا فنانة سودانية، ومشاهد الدمار في الفاشر، وصور بكاء الأمهات على أبنائهن، وصراخ الأطفال من الجوع والخوف، دفنت روحي في ظلام ورعب وأرق، ولا أرى نهايه لكل هذه الماسأة، لذلك نحتاج إلى وقف الحرب لكي تعود الحياة بلادنا ويعود السلام والأمل إلى قلوبنا." واختتمت مبارك قائلة: "الفن قادر أن يلعب دور مهم في وقف الحرب، بداية من التوعية بأهمية السلام إلى التعبير عن ماسأة البشر في ظل الحرب". "نهاية المنطق" الرشيد أحمد عيسى، نقيب الدراميين السودانين، يقول عن الحرب: "الحرب هي نهاية المنطق وبداية الفوضى.. وما حدث في السودان شيء لايمكن أن يصدقه العقل، أمور تشبه عصور لم نعد نذكرها، هذه الحرب عبثية، شردت أكثر من 25 مليون إنسان، وقتلت حتى نصف مليون شخص، بجانب مئات حالات الاغتصاب المسجلة والغير مسجلة، أنا خسرت في تلك الحرب زوجتي، وكانت معلمة خدمت الوطن والأجيال منذ 30 عام". وأوضح عيسى: "قصص الحرب لا يمكن اختصارها في مقال، فهناك آلاف القصص التي تحتاج للسرد، وما جرى فوق ما يتخيل عقل بشري، لذلك يمكن للمسرح أن يكون له دور عظيم فى المقاومة وإعادة تأهيل الإنسان". واختتم عيسى كلامه بالقول: "أنا أعيش في السودان الآن، حيث لا كهرباء ولا ماء، واظل لفترات طويلة تحت (الناموسية) خوفا من لسعات البعوض والملاريا وحمى الضنك، وحينما استعين بالهاتف المحمول يتجمع كل البعوض حول إضاءة (الموبايل).. كل شيء في وطني بحالة انهيار مريع.. أي محاولة لتجميل المشهد درب من الكذب والنفاق". "مسيح دارفور" المخرج السوداني الشهير أمجد أبو العلا قال عن الحرب: "أقيم حاليا في مصر، منذ 5 سنوات، لكن أتابع بحزن ما يحدث في بلادي، وما استغربه هو كم الكره التي تحملها تلك الميليشيا لعنصار الشعب السوداني". ويرى أبو العلا أن ليس للفن دور في تلك الحرب، قائلا: "لا أعتقد أن للفن دور كبير في تلك الفترة، لأن أي عمل يحتاج لعامين حتى يخرج للنور، لكن هذا لا يعني أنني أقوم حاليا بالتحضير لعمل باسم (مسيح دارفور)، وهي مأخوذة عن رواية بنفس الاسم وتعد من أكثر الروايات كرها من قبل الميليشيات، لأن بها جملة تفتتح الرواية تقول (أهون للجمل أن يلج من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله).. فهم مرتزقة يحاربون من أجل المال فقط.. المشهد مرعب، وأكبر المخاوف أن نذهب لسيناريو الانفصال، لأن تلك الميليشيا ليس لديها دعم شعبي حتى في مناطق سيطرتها". "فترة عصيبة" لا يختلف في الرأي، طارق خندقاوي، الممثل والمخرج السوداني، الذي يقول: "نحن كشعب سوداني لا ناقة لنا ولا جمل في هذه الحرب، استيقظنا صباحا لنجد الحرب في الشوارع، ورغم أن الشعب توقع هذا الأمر، لكنه لم يتخيل أن تكون بهذا العنف". ويضيف: "عندما خرج الشعب السوداني في ثورة ديسمبر عام 2018، كانوا يهتفون بحل ميليشيا الجنجويد، لأنهم أرتكبوا مرات عدة مجازر في أقليم دارفور (عاصمة حفظة القرآن) في السودان، كانوا يقتلون الناس في المساجد ثم يهتفون (الله أكبر)!، وجرائمهم أصبحت الآن في كل بقاع السودان". ويستكمل حديثه بالقول: "كل ما تطأ قدم قوات ميليشيا الدعم السريع بقعة من الوطن الحبيب تحدث مجازر تقشعر لها الأبدان، وقبل ولايات دارفور كانت ولاية الجزيرة في مدينة رفاعة والهلالية وود النورة والسريحة وقرى لم نسمع بها من قبل.. والذي يحدث في السودان شيء غريب!، إبادة جماعية، لأنه غير مبرر أو منطقي أن تقتل إنسان لإنتمائه القبلي أو لإمتيازاته التاريخية، مع الإستعانة بمرتزقة من بعض دول الجوار الذين كانوا يأتون للسودان للعلم وللعيش الكريم في أرض النيلين، ورغم أن السودان مفتوح للجميع فهي أرض الخير وسلة غذاء العالم، لكن البعض أصبح يحقد عليها من الخارج ويسعى لخرابها ودمارها". وعن تقديم عمل فني يجسد تلك الماسأة يقول: "الفن لغة الشعوب، وبها تصل رسائل الدول لبعضها، وعلى الصعيد الشخصي قمت بتصوير فيلم سينمائي يحكي ما يحدث في السودان، ليعلم العالم ماذا يحدث، وكان بعنوان (إجتياح)، وهو مستوحى من أحداث حقيقية.. حيث تدور أحداثه مع بداية الحرب الدائرة الآن، حيث يصور اكتساح ميليشيا الدعم منازل الأهالي في العاصمة الخرطوم.. وشاركت في بطولة الفيلم بجانب الممثل الكبير أمير عبدالله والممثلة القديرة منى الصادق والممثلات حفصة برعي ورماز قاضي، والعمل كان إخراج وائل عبدالقادر.. والهدف من هذا العمل كان إيصال رسالة للعالم بما وصل له الوضع الإنساني في السودان". "ويلات الحرب" الإعلامية السودانية سلمى السيد، تحدثت أيضا عن الحرب السوداني بالقول: "لا أحد يعلم عن الحرب سوى الذي ذاق ويلاتها.. لقد فقدان الأوطان، وهو أمر قاسي، فنحن اعتدنا على هواء الوطن ويصعب تنفس غيره، حتى لو تلقينا الترحاب في بلاد أخرى، لذلك فالحرب الآن لتحرير الأرض فرض علينا لحفظ الكرامة". "عنصرية" بينما يقول الفنان غدير ميرغني، الممثل والمخرج المسرحي وأستاذ التمثيل العملي بالجامعات ومراكز الشباب السودانية،: "أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يعيش الحرب.. خاصة بالنسبة للفنان، فالفن لا يزهر ويزدهر إلا في السلام، والفن يدعو للحياة والجمال ويحارب القبح والموت." غدير وصف مراحل هروبه وتعامله مع الحرب بالقول: "واجهتنا الحرب في الخرطوم، ووجدنا أنفسنا في قلب الأحداث، وبما أننا دعاة سلام، نزحنا إلى مدينة مدني، وسكنا كمجموعة من الفنانين في دور الإيواء، وكان لابد أن نقدم شيء لشعبنا في هذه الحرب، لذلك قدمنا أعمالا فنيا للنازحين كنوع من الدعم النفسي لهم، خاصة الأطفال، حيث قدمنا مسرح للأطفال ومسرح عرائس، وكانت أعمال تحارب الكراهية والعنصريه.. وكان هناك تجاوب كبير من الجمهور، خاصة النساء والأطفال.. وقدمنا أعمال تدعوا للاهتمام بالبيئة والنظافة العامة، وكانت العروض في دور إيواء النازحين لها أثر كبير في الدعم النفسي لهم ومناقشة مشاكلهم". ويضيف ميرغني: "قمت أيضا بالكتابة والتمثيل في أعمال إذاعية تدعو للسلام ومناهضة خطاب العنصرية والكراهية، وقدمنا عدد من المسلسلات الإذاعية الهادفة في إذاعة مدني، والتي تناقش قضايا اجتماعية وتدعو للتعايش السلمي.. لكن انتقلت الحرب لمدينة ود مدني.. وتفرقنا، حيث سافرت إلى مدينة كسلا.. وقمنا هناك بتقديم أعمال عن العنف ومرض الكوليرا الذي تفشى بين النازحين.. كما قدمنا عروض في قرى ومدن كسلا وضواحيها عن تعليم البنات والنظافة والبيئة، وقدمت بعض المسلسلات الإذاعية حول التعايش السلمي بين القبائل.. كما صنعت ورش عمل لتدريب المواهب الصغيرة في مدينة كسلا.. وقدمنا عرضا بلغة (الهوسا) لسكان كسلا. واختتم ميرغني كلامه بالقول: "قناعتي أن الحل في الفن.. وأقصد الفن الذي يقدم أعمال تحترم ثقافة الآخر وتحارب العنصرية والكراهية.. فالسودان بلد متعدد الأعراق، ولن يقوم إلا بتقبل الكل لتواجد الآخرين معه شركاء في الوطن". "بوابة أفريقيا" على جانب آخر، يقول الكاتب المسرحي والسيناريست السوداني، أحمد عجيب: "مشكلة السودان قديمة، والحرب الآن هي نتيجة لتراكمات عقود طويلة من الصراع على المال والسلطة، وثنائية العرب والأفارقة في الدولة السودانية، فهذه الثنائية هي أساس المشكلة في السودان، رغم أن التنوع يميز الشعوب لا يدمرهم". يستطرد عجيب قائلا: "ثروات السودان بالتأكيد مطمع لدول كثيرة، خاصة أن السودان تعد بوابة أفريقيا، ومع ضعف الدولة أصبحت مطمع لكل الدول التي ترى أن لها نصيب في هذه الثروة، فنحن لم نستغل ثراوتنا وأهمها الشباب الذين يمثلون 70% من الشعب". وأكد عجيب أن دور الفنان في السودان صنع التعايش السلمي، لكن هذا لا يعني أن نتغافل عن الجرائم التي أرتكبتها ميليشيا الدعم السريع والتي تشبه ما كان يحدث في العصور الوسطى من مذابح في الحروب. "لا للعنف.. لا للقتل" نصر الدين دانو، ممثل ومخرج سوداني، بدأ كلامه برفض أي شكل من أشكال العنف والقتل والتشريد للمدنيين والأطفال والنساء، واستكمل حديثه بالقول: "أي صراع لابد أن يحل عن طريق الحوار حتى يتحقق السلام، والحرب الحالية في السودان تدار بواسطة منظومة عالمية تريد تقسيم السودان ونهب ثرواته، فلابد للشعب السوداني بجميع مكوناته وقبائله الممتدة نبذ خطاب الجهوية والعنصرية والوقوف صفا واحدا أمام هذا المخطط الكبير، وعليه تدارك الموقف قبل فوات الآوان، وأقول لدعاة الحرب أوقفوا القتل والدماء، ومعا نستطيع أن نحارب كل ماهو قبيح وننشر كل ماهو جميل حتى ينعم أبناءنا بمستقبل آمن ومعافى ويتجه نحو نهضة كبيرة مشرقة، فالحرب اقعدت البلاد كثيرا، ونحن نراهن على وعي الشعب". "وداعا جوليا" الفنانة الشابة السودانية علا علي، تقيم حاليا في مصر للدراسة والعمل بمجال الفن، لكنها تتذكر آخر زيارة للسودان بالقول: "كان منذ 6 سنوات، من أجل زيارة الأهل والأقارب، لكن الظروف هناك ضيقت الخناق، وكنت أعتقد إن الحرب الحالية ستستمر لفترة قصيرة، لكنها للآسف مستمرة منذ 6 سنوات، حرب قتل فيها الآلاف وشرد الملايين سواء داخل أو خارج الوطن، وكل البنية التحتية ومؤسسات الدولة دمرت". تضيف علا: "الفن يمكن أن يعبر عن ماسأة الوطن، سواء من غادروا هربا من الحرب، أو من بقى ليعيش الماسأة كل يوم، وهناك أفلام بالفعل قدمت عن حروب سابقة، مثل فيلم (وداعا جوليا) الذي يحكي عن انفصال الجنوب، وسر نجاحه هو مصدقيته في التناول، وأعتقد أن الحرب الحالية سيتم توثيقها في العديد من الأعمال الفنية في الفترة المقبلة، لكن الأهم أن تتوقف الحرب ويعود كل سوداني إلى منزله ووطنه". اقرأ أيضا: شعبان يوسف يكتب: مصريون فى السودان وسودانيون فى مصر