اختُتمت مساء الجمعة، فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد تسعة أيام من الزخم الفني، شهدت عروضًا من ثقافات متعددة وجلسات نقاشية وورش عمل وندوات وصناديق دعم لمشروعات أفلام جديدة، هذه الدورة، بدت كأنها استعادة للاتزان، ومصالحة بين المهرجان وهويته التى تأسس عليها منذ البداية: أن تكون السينما حوارًا مفتوحًا مع العالم، لا عرضًا للصور فحسب. منذ لحظة الافتتاح، بدا واضحًا أن إدارة المهرجان تسعى لإعادة تعريف معادلة النجاح، لم تعد الفعالية محصورة فى المظاهر البصرية، بل فى المحتوى السينمائى ذاته، إذ شاركت أفلام من أكثر من 35 دولة، قَدَّمت تنوعًا فى اللغة والرؤية والأسلوب، والأفلام العربية المشاركة أعادت التأكيد على أن السينما العربية قادرة على التعبير عن الإنسان العربى بواقعيته وحساسيته المعاصرة. أثبتت الجلسات الحوارية، أن المهرجان لا يكتفى بعرض الأفلام، بل يخلق بيئة للنقاش والتبادل المعرفي.. الجلسة التى حَلَّ عليها المخرج شريف عرفة حملت بصمة من التجربة والخبرة، حيث فتح النقاش حول علاقة السينما بالتحولات الاجتماعية فى مصر والعالم العربي، فى المقابل، وقَدَّمت منة شلبى فى ندوتها، صورة فنانة تتأمل مسيرتها بشجاعة وصدق، متحدثة عن مسئولية الفنان تجاه جمهوره وفنه، أما منصة الجونة، فقد أثبتت حضورها كمختبر لإنتاج الأفكار والمشروعات الجديدة، تواصل ما بدأته من دورات سابقة فى دعم الأصوات العربية الشابة. وخَفَّ هذا العام، بريق السجادة الحمراء لصالح وهج الشاشة والحوار، الموضوعات التى شغلت رواد المهرجان كانت أكثر عمقًا من سابقاتها، تتناول قضايا السينما كقوة ناعمة ومسئولية اجتماعية، وحتى الجدل الذى دار حول بعض الأفلام أو تصريحات النجوم لم يخرج عن إطار النقاش الثقافى الصحي، مما يعكس نُضجًا فى وعى الجمهور والمشاركين على حدٍ سواء. بعد ثمانى دورات، يبدو أن مهرجان الجونة بدأ يرسم ملامحه الخاصة كمهرجان يحمل روحًا عربية وإنسانية، فهو يجمع بين جمالية المكان الذى يحتضنه، وسعيه الدؤوب لتأسيس حوار بين السينما والمجتمع، بين الجمال والوعي، وبين الفن والإنسان، وإذا كانت الدورات الأولى سعت إلى إثبات الوجود، فإن الدورة الثامنة أكدت القدرة على الاستمرار والنُضج. تُحسب للدورة الثامنة جُرأتها فى الانتقال من مرحلة الاحتفال إلى مرحلة الفعل الثقافى الحقيقي، لقد أصبح المهرجان منصة لاكتشاف ودعم، وتأمل السينما، بعيدًا عن النمطية والمظاهر، لكن يبقى التحدى القادم هو الاستمرارية فى هذا النهج الواعي، بحيث يحافظ المهرجان على توازنه بين السوق والفكر، بين الجاذبية البصرية والجوهر الإنساني، ليظل عنوانًا حقيقيًا لشعاره الأصيل: سينما من أجل الإنسانية.