انطلقت أول أمس الدورة الثامنة لمهرجان الجونة السينمائي، والذى يبدو بوضوح هذا العام أنه تجاوزمرحلة التأسيس والبريق نحو مرحلة النضج والتأثير، فنجد الدورة لا تكتفى بعرض أفلام ومنافسات، وتكريمات، بل تكرّس نفسها كمختبر حقيقى للأفكار والمواهب والتقنيات،عبر برنامج ثرى من الفعاليات الموازية التى تمسّ جوهر الصناعة السينمائية. تأتى مسابقة «سينماتك» فى نسختها الخامسة كإحدى العلامات البارزة هذا العام، إذ تتيح للشركات الناشئة وروّاد الأعمال تقديم حلول تكنولوجية مبتكرة تدعم كل مراحل العمل السينمائي، فى إشارة إلى وعى المهرجان بتحولات العصر الرقمي، وفى الاتجاه نفسه، يسلط نقاش»الإنتاج المشترك للأفلام العربية» الضوء على فرص التعاون العابر للحدود، بينما تبحث جلسة «أعمال التوزيع السينمائي»فى سبل وصول الفيلم العربى إلى جمهوره وسط تغيرات السوق والمنصات الرقمية، كلا الجلستين تعكسان وعيًا متزايدًا بأهمية البنية التحتية الاقتصادية لصناعة السينما، وليس الاكتفاء بالجانب الفنى وحده وفى موازاة الاهتمام بالصناعة، يخصّص المهرجان جلسة بعنوان «رحلة مع المعلّم - يوسف شاهين»، تجمع تلاميذ شاهين الأبرز، لاستعادة إرثه الإبداعى وتأثيره على أجيال المخرجين العرب، وفى محورآخر، يطرح المهرجان نقاشًا فكريًا بعنوان «النقد السينمائى بعد مئة عام»، احتفاءً بمرور قرن على تأسيس الاتحاد الدولى للنقاد «فيبريسي»، هنا يصبح المهرجان ساحة للتفكير فى التحولات الثقافية لا مجرد منصة للعرض. تحضر رؤية التجديد بقوة فى جلسات مثل «جيل جديد من المنتجين يصنعون الفرق» و«نجوم صاعدة:أصوات سينى جونة الناشئة»،اللتين تبرزان دور الشباب فى إعادة رسم ملامح الصناعة بروح مختلفة، بينما تفتح جلسة «هيئات الأفلام فى العالم العربي» نقاشًا حول الدور المؤسسى فى دعم الصناعة، أما جلسة «ليس روائى طويل»، فتمنح الوثائقيات والأفلام القصيرة والأنيميشن مساحة مستحقة، باعتبارها أشكالًا سينمائية تملك قوة فنية موازية. أما الورش المهنية فتمنح البرنامج بُعداً عملياً واضحاً، من بينها ورشة «إيفر آفتر» بالتعاون مع نتفليكس لتطوير مسلسل درامي، وورشة «من المحلى إلى العالمي» للممثلين حول مهارات الكاستنج، إضافة إلى «فيلم قصير لصناع السينما المستقبليين» و»تصوير الحكاية: فن بوستر الأفلام» بالتعاون مع فوجى فيلم، التى تدمج بين الصورة والإحساس الدرامى فى تصميم الملصق السينمائي. ما يميز دورة الجونة الثامنة أن فعالياتها الموازية لم تعد مجرد «إطار ثقافى» بل تحوّلت إلى مختبر حيّ للسينما العربية، يجمع الخبرة بالتجريب، والتاريخ بالتكنولوجيا، والمحلى بالعالمى فالمهرجان، بهذا المعنى، لم يعد يكتفى بتكريم الماضى أو عرض الحاضر، بل يشارك بوعى فى صناعة المستقبل.