«..السير على هذا الطريق وغيره، آلاف الكيلو مترات التى شيدت بأيادى المخلصين من أبناء هذا الوطن، يكشف لك عن شعلة جديدة تضاء لتسابق الزمن إلى «مصر الجديدة». لو كان الأمر بيدى لقدمت طلباً للتمديد لشهر أكتوبر- هذا العام - فترة أخرى، حتى نستمتع بما قدمه لنا من جديد، وبما حمله من ذكريات كشهر للانتصارات، لكن لابد للأيام أن تنقضى وتمر إلى أن ينتهى العام، ليأتى غيره من الأعوام، ومع إيمانى بأن طلبى من المستحيلات، فقد قررت أن أتحفظ على أكتوبر بمشتملاته على نفقتى الخاصة، لتنشيط ذاكرتى بتلك الأغانى الوطنية التى ألهبت الحماس وعززت الإنتماء والهوية الوطنية، حينما شدت مجموعة من العاملين فى مبنى الإذاعة والتليفزيون بماسبيرو بافتتاحية النصر للشاعر عبد الرحيم منصور، ولحن الموسيقار بليغ حمدى.. «بسم الله الله أكبر بسم الله، بسم الله أذن وكبر بسم الله، نصرة لبلدنا بسم الله، بأيدينا ولادنا وأدان ع المدنة بتحى جهادنا».. أعادنى أكتوبر إلى العصر الذهبى للأغنية الوطنية، حينما غنت نجاح سلام كلمات إسماعيل الحبروك، ولحن محمد الموجى، «يا أغلى اسم فى الوجود، يا اسم مخلوق للخلود، نعيش لمصر ونموت لمصر».. ليشدو عبد الحليم حافظ بكلمات عبد الرحمن الأبنودى، «يا بلدنا لا تنامى، دورى وسط الأسامى، واجمعى الصف الأمامى»، و»صورة صورة كلنا كدا عايزين صورة، تحت الراية المنصورة».. و»فدائى أهدى العروبة دمائى، أموت أعيش ميهمنيش»، و»بلدى بلدى يا بلدى، بكل حبى للحياة بلدى، وبكل بسمة فوق شفايف ولدى».. و»إبنك يقولك يا بطل هاتلى نهار، إبنك يقولك يا بطل هاتلى انتصار»، وكان لسيدة الغناء أم كلثوم الكثير الذى ذكرنى به أكتوبر.. فكانت «مصر تتحدث عن نفسها».. و»مصر التى فى خاطرى»، و»يا حبنا الكبير»، و»والله زمان يا سلاحى». ورائعة على باب مصر.. كنت أريد من أكتوبر أن يكمل معى مسيرة الأغانى الوطنية، لكن يبدو أنه شعر بالإرهاق من كثرة أسئلتى، فتركنى مسرعاً ليستعد لعام آخر. الاعتذار للجلالة رغم تحذيرات الأسرة بأن السيارة تقدمت فى العمر ولم تعد صالحة للسفر، وأيضاً سن السائق «العبد لله» لم يعد كما كان، هذه التحذيرات لم تثننى عن السفر بالسيارة الذى انقطع منذ سنوات، استخدمت فيها وسائل المواصلات الخاصة السياحية والعامة، إلا أن تلك التحذيرات تحطمت أمام «ركوب دماغى» الذى دفعنى إلى ركوب سيارتى المسنة فجراً، متجهاً إلى مدينة الغردقة السياحية الجميلة التى أتردد عليها بين الحين والآخر، لارتباطى بها منذ زمن بعيد. أسعدتنى ذاكرتى، فقد كانت أسرع من السيارة، حيث عادت بى إلى ما كان عليه طريق البحر الأحمر، وكيف أصبح الآن، من بدايته فى القطامية. السير على هذا الطريق وغيره، آلاف الكيلو مترات التى شيدت بأيادى المخلصين من أبناء هذا الوطن، يكشف لك عن شعلة جديدة تضاء لتسابق الزمن إلى «مصر الجديدة»، التى بدأت بشائرها تلوح فى الأفق، فلم يتبق سوى خمس شعلات. قطعت طريقى، وقبل وصولى إلى البوابة الثانية بأمتار قليلة، التفت يميناً لأقدم اعتذارى الشديد لطريق الجلالة، «الذى أعشقه كأعجوبة اخترقت الجبال»، لكن كان لا بد من الإعتذار له هذه المرة، لأسلك الطريق القديم، ربما أستعيد مهاراتى القديمة فى منحنيات السخنة، وهو طريق واحد يتوسط الجبال والبحر، أى ليس هناك مفر من الحذر، فالجبال عن اليمين والبحر عن الشمال، وتحذيرات بعدم التخطى، وتحذيرات أخرى من السرعة الزائدة، ورغم بطء السيارة إلا أنها تسير بمعدل معقول، حتى وجدت نفسى أنحنى يساراً إلى أحد الكافيهات الشهيرة فى الزعفرانة. انزوينا وإبنى عمر فى مكان هادئ لتناول طعام الإفطار، والساعة تشير إلى التاسعة صباحاً، ورغم سطوع الشمس وحرارتها - فلم تجد سحباً تحجبها - إلا أن نسمات هواء البحر لطفت من تلك الحرارة، وما أن مددت يدى لتناول «ساندوتش»، فإذا بأم كلثوم تشق هذا السكون.. «وليه نضيع عمرنا هجر وخصام، واحنا ممكن نخلق الدنيا الجميلة، بالوداد والقرب، تتجدد حياتنا بالحنان والحب». لكن يبدو أن مخرج إذاعة الكافيه تذكر المنافسة الفنية المشروعة لتقديم الأفضل بين أم كلثوم وعبد الوهاب، لنسمع.. «كل ده كان ليه لما شفت عنيه، حن قلبى إليه، وانشغلت عليه».. خشيت أن يتداركنى الوقت، نهضت مسرعاً ناحية السيارة لأجد «مساحاتها» مرفوعة لأعلى بطريقة لم أرها من قبل فى هذا المكان، إعتقدت أننى فى حلم، ومازلت فى شوارع الجيزة، لكننى أدركت أنها حقيقة، حينما وجدت من يأتى إلى مسرعاً، ووسط شد وجذب وإطلاق العبارة المشهورة..»يا بيه أنا باكل عيش».. أنهيت الموضوع، وواصلت طريقى الممهد لأصل الغردقة فى الثانية عشرة والنصف.. ولنا فيها لقاء آخر. رمانة الميزان كانت حركة الشراء زمان بين البائع والمشترى تتم فى يسر وسهولة، وكانت الثقة هى الميزان الأساسى فى التعامل فقد ظهرت فى هذه الآونة القدح والنصة والرفطاو والكيلة، ساعدهم فى ذلك الوقت الميزان «القبانى»، الذى اتخذناه مثلاً إلى الآن، فهو الذى يحمل الرمانة المتحركة التى نضرب بها المثل فى معظم أحاديثنا، حينما نتحدث عن شخصية أساسية تحافظ على توازن الأمور بأنها «رمانة الميزان»، قبل أن تظهر «السنجة» لكن يبدو أن هذه السنجة ترهلت بعد أن أصابتها عوامل التعرية لتنزل بالكفة على استحياء تحت حراسة صاحبها، الذى ينزل برقبته فى اتجاه الكفة، وكأنه يستخدم الريموت كنترول فى توجيهها فى حركة لا إرادية تعطيه الثقة، بأنها أصبحت من النوع الديجيتال للتعتيم على تلك السنجة التى طالتها الإتهامات بفعل الأيادى التى تعبث فى حجمها، فمنهم من يكتفى بنحتها لاستخراج القليل من الجرامات، ومنهم مازال يحفر طلباً فى المزيد، لم أسلم من الوقوع فى فخ الميزان وسنجته، لكن من حسن الحظ أن البائع كان على مسافة قريبة من منزلى، فعدت إليه بسلعته الناقصة مرة أخرى، فكان جزاؤه درساً قاسياً أمام المارة، ولكن عندما تغيرت لهجتى من القسوة إلى الوعظ بأن الله سبحانه وتعالى توعد المطففين بنار جهنم، كان رده أن المطافى فى الشارع الموازى لهذا الشارع. الشريط الفاضى فى التأمين الصحى التعامل مع دكتور التأمين يتم فى يسر وسهولة، ولا يستغرق وقتاً سوى أنه يحرر الروشتة بالدواء الشهرى المطلوب. تبقى المرحلة الأخيرة المتمثلة فى صرف الدواء من الصيدلية.. فى الشهور الماضية سارت الأمورعلى ما يرام رغم إجراءات التسجيل فى الدفاتر التى تستغرق وقتاً، ولأول مرة أكتشف أن «ورق الكربون» ما زال موجوداً وبقوة.. أخيراً سمعت اسمى فتوجهت للصيدلية، وأثناء إستلام الدواء فوجئت بتحذير شفهى، أنه لم يتم صرف الدواء الشهر القادم إذا لم تحضر معك هذه الشرايط فاضية... آه، لقد إنعدمت الثقة بين الصيدلية والمريض، وقامت الدكتورة بتحرير هذا الإنذار داخل بطاقتى العلاجية، قلت لها: «لقد تعودت يداى على إلقاء الشريط الفاضى عديم الفائدة فى سلة المهملات»، فقامت بتحذيرى مرة أخرى.. قلت مازحاً: «يا دكتورة، هل سيتم ملء الشريط القديم مرة أخرى؟»، ردت بالإيجاب، أخذت الدواء وانصرفت على أمل أن أستطيع منع يدى من إلقاء الشريط الفاضى.. هذا الموقف ذكرنى بزجاجة «الحاجة الساقعة» اللتر، التى كنا نستبدلها من البقال، وإلا دفعت ثمن الزجاجة الفارغة... يا ترى كم سعر الشريط الفاضى فى التأمين. الماسى وعين شمس كانت كلية آداب قنا - وتتبع فى ذلك الوقت جامعة أسيوط آخر المطاف فى رحلتى التعليمية، حيث مسقط رأسى فى محافظة قنا، كنت فى لجنة الرحلات والجوالة، وكنا ضيوفاً على لجنة الجوالة بجامعة عين شمس، أمضينا فيها لحظات لا تنسى، أحسسنا فيها بعراقة المكان وحسن الضيافة.. تذكرت هذه الأيام حينما قدر لى أن أحضر هذا العام احتفالات جامعة عين شمس - لنحل ضيوفاً على الجامعة، ورئيسها د.محمد ضياء زين العابدين، وعميد كلية الحقوق د.ياسين الشاذلى- للاحتفال بعيد الجامعة الماسى، الذى صادف الاحتفال بتخريج الدفعة 75من كلية الحقوق، حيث كانت إبنتى «آخر العنقود» ضمن هذه الدفعة، ولم تكتف الجامعة بتكريم أبنائها خريجى كلية الحقوق، لكنها أيضاً لم تنس خريجى الحقوق السابقين، فكان وزير الخارجية السابق سامح شكرى، والمستشار عبدالمجيد محمود النائب العام السابق، وأسرة الشهيد هشام بركات، والمستشار حسين مدكور رئيس هيئة قضايا الدولة، ولم تنس الجامعة تكريم عمداء الحقوق السابقين، ورموز الجامعة الذين حضروا هذه الإحتفالية الرائعة، وإلتقاط الصور التذكارية وسط أبنائهم الخريجين، كما شارك كورال الجامعة الأول الخريجين فرحتهم بتلك المناسبة، بأغانى التفوق والنجاح .