فى عام 1998 زار الأستاذ جمال الغيطانى رئيس تحرير أخبار الأدب - وقتها- كلية الآداب بقنا بدعوة من د. أبو الفضل بدران، استضافته الكلية فى أكبر مدرج، ازدحمت مقاعده بالطلاب الذين تسابقوا لرؤية الغيطانى قبل حضوره بساعات. كنت أجلس بين الحضور وأنا لا أصدق أن الرجل الذى أحلم بلقائه، وأعلق صوره على جدران غرفتى، ولا أتوقف عن رسم إسمه فى أجندة المحاضرات، أشاهده أمامى لحمًا ودمًا، تحتوينا قاعة واحدة، نستنشق نفس الهواء، وصوته ينطلق من فمه إلى أذنى مباشرة، دون أن يفصل بيننا شاشة تلفزيون، أرصد كل حركة تصدر منه، والدنيا لا تسعنى من الفرحة و«أشد ملابس اللحظات كى لا تجرى». حين فتح الغيطانى باب الحوار، لمن يريد أن يوجه له سؤالًا، لم أرفع يدى مثلما فعلوا، كان مجرد وجوده فى القاعة إجابات مكتملة لكل الأسئلة التى تدور بخلدى! وقفت طالبة تلومه: لماذا يعانى الجنوب من الإهمال فى «أخبار الأدب»؟.. ابتسم الغيطانى ورد عليها قائلًا: هل قرأتِ أحدث عدد من الجريدة؟.. ثم أشار إلى الأستاذ مصطفى عبد الله الذى يجلس بجواره وواصل كلامه قائلًا: مدير التحرير خصص مقاله هذا الأسبوع بالكامل للحديث عن موهبة أديب شاب من قنا. كنت أنا هذا الأديب الشاب.. وكان حديث الغيطانى عنى - قبل أن يعرفنى - من أعظم الهدايا التى حصلت عليها فى حياتى، كان بمثابة شهادة ميلادى. 10 سنوات مرت على ملهم الجيل.. رحم الله الأستاذ جمال الغيطانى. «أشد ملابس اللحظات كى لا تجرى» اقتباس من قصيدة للشاعر كرم الأبنودى يقول فيها «وأشد ملابس أيامى كى لا تجرى».