د. محمد حلمى الرِيشة كيف يمكن لذاكرة لا تزال ذكريات الدهشة المتألقة بألوان الحدث المفاجئ تربك غرفها، التى تتسع وتضيق فى آن، أن ترتب سطورًا حتى بعد الهبوط على سطح المكان الأول/ الحالة الأولى؟! سأعتذر، سلفًا، عن ضيق العبارة إذ اتسع أفق اللقاء. أتذكر إصرارًا لم تكن للنهاية أن تصيبه فى مقتل. كانت النشوة المنتظرة التى جعلتها بطانة فى داخلي، هى الوقود السّحرى الذى كان يبقى إصرارى فى حالة اشتعال دائم، لذا عندما فشلت خطوتى الأولى، وعدت أدراجى مهزومًا لحين، هكذا طمأنت نفسي، زاد أوار الاشتعال لأن أهزم هزيمتي، وانتصرت أخيرًا، بعد قطع المسافة الفلسطينية الطويلة الأولى، على وهم الحدود المصطنعة التى طالما تحايلت عليها أثيريًّا. أعترف بأننى كنت أشعر بالطريق كأنها انحناء لا ينتهي، فلا يبدو خلاص ما. لكن بعد أن ابتسم فى وجهى الضابط المصرى الوسيم وهو يناولنى جواز سفرى قائلا: أهلا بك فى مصر. قلت له: حقًّا! وأردفت كلامى مذكرًا إياه بي، وبعودتى الأولى لعدم توفر التأشيرة (كانت بسبب عملية نصب من شركة سياحية): «كل تأخيرة فيها تأشيرة». حينها زاد فى سعة ابتسامته التى وسعتني، وحينها بدت لى الطريق مستقيمة من رفح إلى القاهرة. لم أستطع وأد دمعتى عندما شاهدت رمل سيناء الأخضر. نعم.. الأخضر، فلم تزل دماء الأبطال ناضرة وإلى الأبد. ودارت فى رأسى طوال المساحة الرملية الشاسعة، كلمات أغنية أوكتوبرية طالما سمعتها وغيرها عند العبور فى العام (1973)، وفى ذكراه السنوية المتجددة: «ونا على الربابة بغنى غنوة الحرية»؛ الحرية التى شعرتها لأول مرة فوق تراب تحرر، لأن الاحتلال الصهيوني، الذى استبد ببقية التراب الفلسطينى فى العامِ (1967)، ودخل منطقة وعيى منذ أن كنت فى السابعة من العمر، لم يدع لنا حرية ما، إلا ومرر آلاته العسكرية وجرافاته الاستيطانية فوق زغب أجنحتها. وصلت فندق «الإِمباسادور»، فى شارع 26 يوليو، فِى منتصفِ الليل. صعدت إلى غرفتى مبتهجًا أن كل ما حولى يبدو مصريًّا، كأنه يقرصنى بنعومة كى أصدق، حتى لهجتى الفلسطينية سرعان ما تغيرت، مع أخطاء طبعًا، إلى اللهجة المصرية. لم يطل وقوفى وأنا أتأمل القاهرة ليلًا من شرفة للفندق فى الدور العاشر، إذ شعرت، على الرغم من شدة الإرهاق بسبب سفر برى طويل، بنداء خفى أن أنزل إلى عناقها. همت فِى شوارع القاهرة لقرابة الساعة الثالثة صباحا كأنى أعرفها منذ زمن بعيد، فالقاهرة مدينة لا تنام، فكيف أنام أنا الذى أخرج من وطنى أول مرة (بعد بلوغى الأربعين)، وأنا الذى أرى القاهرة أول مرة؟ كل شيء فيها يتحَك بحيوية الحياة فيه؛ الناس بابتساماتهم الغامضة.. الأضواء المتلألئة المرتجفة.. سيل السيارات الذى لا ينقطع.. أصوات المقاهي.. رائحة المطاعم.. بريق المحلات التجارية.. صخب من على النيل الوديع؛ لذا لا عتمة فى القاهرة. عدت إلى الفندق كى أعود بعد ساعات قليلة إليها، فشمس صباحها تقترب من حضرتها. وحين فتح لى رفيقى فى الغرفة بابها مستغربًا، إذ كان غائصًا فى سبات عميق، وقبل أن يترجم استغرابه إلى كلمات، فينبس ببنت شفة، عاجلته قائلًا: أينام عاشق فى حضرة محبوبته وهو يلتقيها، أول مرة، بعد مدة شوق طويلة؟! تركت الفوج السياحى فى صباحى الأول فيها (هكذا فعلت طيلة أيام الرحلة) على الرغم من رغبة الفوج بأن أشاركهم رؤية بعض معالم مصر الحضارية/ السياحية، فلى سياحة مغايرة أدبية/ ثقافية وضعت لها شبه تخطيط مسبق. اتجهت إلى مكاتب جريدة «أخبار الأدب»؛ الجريدة التى منحتها عناية خاصة منذ عددها الأول، ومنحتنى حبًّا وكثيرًا من المساحات/ الأغصان كى تحط كثير من طيور كتابتي، فكان أول طائر كتابى لى خارج الوطن يجد غصنًا فى شجرة عددها السادس، حيث تحضنُ، بين أَوراقها، نضارة الإبداع أيًّا كانت هويته، فلا هوية للإبداع فى الأصل. وصلتها، وعرفت عن شخصى بداية، وتعرفت عن قرب حميم إلى البحر الهادئ الروائى محمود الورداني، وزملائه الآخرين، وعرفت منهم أن قائدها/ رئيس تحريرها الروائى جمال الغيطانى فى مهمة ثقافية خارج مصر، وسيعود منها بعد يومين. وعاجلنى الصديق (المطل على الساحة) مصطفى عبد الله بدعوة لحضور احتفال توزيع جوائز مسابقة القصة القصيرة، التى رعتها مجلة «النصر» وجريدة «أخبار الأدب»، فى دار المدرعات. تقرر موعد الانطلاق فى تمام الساعة السادسة والنصف، إلا أن الروائى إبراهيم عبد المجيد، الذى شدد على نقلنا بسيارته، لم يستطع أن يفتح البابين الخلفيين لسيارته القديمة، فكان علينا أن ندخل من الباب الأمامى من دون أن ندوس على مقعد الأديب بأحذيتنا؛ د. مجدى توفيق، الذى تعرفت إليه فى هذه المناسبة، ومصطفى عبد الله وأنا، ولولا أحجامنا الضئيلة، لكان الواحد منا كالجمل الذى يحاول الدخول من سمّ الخياط، وبعد صعوبة تمكنا من المقعد الخلفي، وجلست الكاتبة الجزائرية حبيبة محمدى فى المقعد الأماميّ، قرب السائق الأديب، لننطلق بعدها إلى غايتنا الاحتفالية. فِى مشوارنا الذى امتلأ بأحاديث شتى، علا استغراب على وجوه رفقائي/ أصدقائى عندما بحت لهم أن زيارتى هذه لمصر هى الأولى، على الرغم من مشوارى الشعرى الذى (كان حينها) يقترب من ربع قرن! قلت: أتدرون ما الذى كان يغيظنى منكم وأنا هناك فى وطني؟ إنه صوت المذيعة عبر الأثير: هنا القاهرة. فأدير وجهى إلى المذياع قائلا: وهنا أنا. أتمنى الآن أن أراها لأقول لها: وأنا هنا كذلك.. وقد زال الغيظ! شدد حينها د. مجدى توفيق برفق فوق يدى مع ابتسامة عذبةٍ، إذ كان الصمت، فى هذا الموقف، أبلغ الكلام. الغريب فيّ أننى كنت أَتحسسُ بأذنيّ شوارع القاهرة عبر البرنامج المباشر «على الناصية» أَكثر من رؤيتها فى الأفلام! هل كنت مريض القاهرة، أَم كنت مريض وطنى الذى لم أكن غادرته من قبل؟! كان احتفالا جميلا ومؤثرًا فى الذات؛ أن يعيش جيل/ أَجيال ما بعد «حرب أكتوبر 1973» ذاكرتها من خلال الكتابة عنها. لذا فإن فكرتها تعانق العسكرى مع الأدبى تشجيعًا للإبداع، وتنشيطًا للذاكرة من خلالِ تقديمِ أصوات جديدة للأدب المصرى العربي، هى فكرة إبداعية أيضًا، وفرصة لتواصل الأجيال وتلاقيها حول أحداث مهمة فى تاريخنا المعاصر. لم يأل الصديق (الديناميكي) مصطفى عبد الله جهدًا لتقديمى إلى كثير من المدعوين، أدباء وغيرهم، لدرجة شعرت فيها بالأسفِ من نفسي: كيف لم آت من قبل؟! وبحركة الذاكرة التى بدأت تتوهج شيئًا فشيئًا؛ صرت أسترجع فى مخيلتى شيئًا من إبداعات أدباء كنت قرأتها سابقًا؛ ربما لأن الصورة والصوت، الآن، فى لحظة نادرة من لحظات تجلياتِها. تعرفت إلى صاحب الدعوة اللواء سمير فرج مدير إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة ورئيس تحرير مجلة «النصر»، كما تعرفت إلى الناقد د. جابر عصفور، والناقد د. صلاح فضل، والروائى إدوار الخراط، والروائى صنع الله إبراهيم، والروائى محمد البساطي، والروائى إبراهيم أصلان، وآخرين ممن أعرف أسماءهم ولم أكن قرأت لهم مثل الكاتبة مى التلمساني، والشاعر شعبان يوسف. تحلق حولى الفائزون، الذين أَغلبهم من ريف مصر، وأصروا على أن أجلس بينهم، فى حين أن المكان خصص لهم، ففعلت، وتساءلت مازحًا: هل من يجلس هنا يحصل على جائزة؟ أنا لم أحصل على جائزة حتى الآن فى وطني! حينها شعرت بحجم الحب يكبر عندما أعلنوا جميعًا أنهم مستعدون لمنح جوائزهم لى ولفلسطين التى لا يعرفونها، ولكنهم يعرفون شيئًا ما عن معاناتها الكبيرة التى لا تنتهي؛ بدا لى هذا من خلالِ أسئلتهم الكثيرة عنها وبهم عطش للمعرفة لا ينتهي. الصديق الروائى الجميل جمال الغيطاني، كان عوضنى عن مشاهدة الأهرامات الثلاث، بمشاهدة (الهرم الرابع) نجيب محفوظ، بعد أن أهدانى دعوة شفوية جميلة وثريّة فى آن، لحضور جلسة الثلاثاء الأسبوعية التى يخصِصها الروائى نجيب محفوظ للقاء أصدقائه فوق ضفة من ضفاف النيل. هناك تعرفت إلى الروائى يوسف القعيد، وزكى سالم. شعرت من اللحظة الأولى لرؤيتى الروائى نجيب محفوظ برغبة فى قراءة تفاصيل جسده، الذى أرهقته الكتابة طوال سنوات كثيرة؛ عينيه الصغيرتين المتعبتين اللتين تطلعتا بعيدًا، ورأت حبر حروفه وهو ينزف من يراعه على الورق. يده اليمنى التى خطت رواياته، والتى لم يعد يقوى على تحريكها بسهولة. أَصابع يديه فوق بعضها، كأن فيها أسفًا له أنه لم يعد يستطيع الكتابة. أذنه اليسرى المحشوة بمُسمِعة. انكماش جسده بتواضع جمّ على المقعد. كل هذا جزء من تعب كبير، استطاع إخفاءه بابتسامته المعهودة، وبصوته المميز، وذاكرته المتقدة. فى تلك الجلسة الأثيرية، دارت بيننا حوارات ثقافية وسياسية مثيرة فوق وجه النيل، وكثيرًا ما كنت فى موقع الإِجابة على أسئلة طرحها الحضور، بخاصة فيما يتعلق بالوضع الفلسطينيّ ثقافيًّا وسياسيًّا. واحتل موضوع التطبيع مع الآخر النقيض، والحوار الذى أجرته صحافية إسرائيلية مع الشاعر محمود درويش، والفيلم التسجيلى الذى أخرجته مخرجة فرنسية من أصول يهودية عنه، حيزًا كبيرًا فى الجلسة. ولا أزال أتذكر استغراب صديقى الروائى جمال الغيطاني، وامتعاضه الشَديد، بسبب الحوار والفيلم، وقد أخبرنى أنه سيضع صورة درويش والمخرجة، الصورة الرئيسة لغلاف العدد من «أخبار الأدب» آنذاك، إضافة إلى أنه سينشر لقاء صحافيًّا أجرته صحافية إسرائيلية تعمل فى جريدة عبرية، وقد ترجمته دكتورة مصرية تُدرّس اللغة العبرية فى جامعة القاهرة. وكان قال لى حرفيًّا: «إن معظم المثقفين المصريين ملتزمون بعدم التطبيع مع العدو، فى حين أن هناك مثقفين فلسطينيين بارزين يُطبّعون.» بدا أن تفاعلات الأَحاديث لم تجعل أحدًا منا ينظر إلى ساعته التى تجاوزت العاشرة، حتى أن الروائى نجيب محفوظ لم يوجه سؤاله عن الساعة لأحد، ولو لمرة واحدة، كعادته، حين يحس بالوقت: «هل بلغت العاشرة؟» حيث موعد مغادرته، لأنه يهتم بتنظيم وقته كثيرًا. كان لا بد أن ألتقى بالمفكر الكبير د. أَحمد صدقى الدجانى (كان يقيم فى القاهرة آنذاك قبل رحيله عن الدنيا، وقد كان عضوًا فى مجمع اللغة العربية)، والذى ربطتنى فيه «أخبار الأدب» بصداقة ثقافية؛ كان هذا عندما قرأ فى «ضواحى الفضفضة» فى الجريدة نفسها مقالة لى بعنوان: «الأَزهار لا تليق بخروج الغزاة» بناءً على طلب من الصديق الروائى الكبير جمال الغيطاني، فكان أَن كتب د. الدجانى فى العدد التالي: «تحية للأزهار التى تقاوم». استقبلني، بحفاوة وحرارة، فى منزله، وقدَّرته أَكثر عندما علمت من زوجته أنه ألغى لقاء فى مجمع اللغة العربية، بصفته عضوًا فيه، لأتمكن من لقائه، وقد علم أننى سأغادر مصر فى اليوم التالي. وعلى مدار لقاء دام قرابة ساعتين، ملأ جزءًا منها بالأسئلة عن وضعنا الفلسطينيّ الراهن، وقد كان عضوًا فى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكان استقال منها بعد رفضه المفاوضات مع الآخر النقيض، والتى تمخضت عن اتفاقية «أُوسلو» فى العام 1993. غادرت القاهرة ولم أغادرها؛ هذه القصيدة العصماء العصية حبًّا، على التَّدوينِ! انتهت فرصة اللقاء سريعًا، كأنّ يدًا حفية لعبت بسرعة دوران الزمن. لكن: هل الأشياء التى تحمل فى رحمها بذرة نهايتها تكون أكثر جمالًا؟ ربما؛ لأنها، كما أعتقد، تُحَمِّلُ الذاكرة حنينًا لا ينتهى أبدًا.