فى وقت تتزاحم فيه البيانات الرسمية الباردة وتتصارع فيه المصالح السياسية بين العواصم الأوروبية، جاءت أصوات نسائية لتعيد للسياسة بُعدها الإنساني. ففى هولندا، لم تحتج النائبة إستر أويهاند إلى خطابات مطولة أو بيانات سياسية، بل اختارت أن ترتدى ما يعبر عن جرح عميق فى ضميرها الإنساني: ألوان العلم الفلسطيني.. بين أروقة المجلس، أثارت بلوزتها التى تحمل الأخضر والأحمر والأسود والأبيض همسًا وضيقًا بين بعض النواب. رئيس البرلمان طلب منها أن تخلع ألوانها، بحجة أن قاعة البرلمان مكان للحياد لا للرموز. لكنها لم تكن تراها مجرد ألوان، بل كانت تراها دمًا مسفوكًا على رمال غزة، وأمًا تبحث عن أطفالها تحت الركام، وصوتًا مبحوحًا يصرخ فى صمت العالم.. حين طُلب منها المغادرة، لم تغادر بروح مكسورة، بل عادت بعدها وهى ترتدى نقشة البطيخ، الرمز الشعبى الفلسطينى الذى يزهر بالأمل فى وجه القمع، وكأنها تقول: إن كان العلم محظورًا، فالرمز لا يُمنع، والذاكرة لا تُمحى.. وفى إسبانيا، وقفت الوزيرة سيرا ريجو، ذات الجذور الفلسطينية، فى وجه رئيسة حكومة مدريد، إيزابيل دياز أيّوسو، بعدما قررت الأخيرة منع رفع الرموز المؤيدة لفلسطين داخل المدارس. لم تكتف ريجو بالاعتراض السياسي، بل قدمت موقفًا أخلاقيًا حين وصفت القرار بأنه «انتهاك صارخ لحرية التعبير»، ودعت خصومها إلى زيارة الضفة الغربية ليدركوا معنى الاحتلال بعيدًا عن خطاباتهم.. هاتان السيدتان، رغم اختلاف السياقات، قدمتا نموذجًا لدور المرأة فى السياسة حين تختار أن تنحاز للعدالة لا للمواءمات. فبينما ينشغل كثير من الساسة فى حسابات النفوذ والمصالح، امتلكت هاتان السياسيتان الجرأة لتقفا أمام التيار السائد وتعلنا تضامنهما مع شعب تُرتكب بحقه جرائم يومية.. القاسم المشترك بين التجربتين أن المرأة هنا لم تكن مجرد «فاعل ثانوى» فى المشهد السياسي، بل كانت ضميرًا حيًا يعبر عن وجع الشعوب، وصوتًا يكشف التناقض بين شعارات الحرية التى ترفعها أوروبا وبين ممارسات تكميم التضامن مع فلسطين. إن مواقف مثل هذه تعيد التأكيد على أن السياسة ليست حكرًا على لغة المصالح، بل يمكن أن تكون مساحة للموقف الأخلاقى والإنساني، خاصة حين تأتى من نساء يرفضن أن يقفن صامتات أمام العدوان.. إن المواقف التى جسّدتها كل من إستر أويهاند وسيرا ريجو ليست مجرد لقطات رمزية، بل هى تذكير بأن صوت المرأة حين يعلو ضد الظلم يصبح أقدر على اختراق جدار الصمت الدولي. فى زمنٍ تُقايَض فيه القيم بالصفقات وتُختزل فيه القضايا فى لغة المصالح، تظهر النساء كصوت أخلاقى لا يساوم، يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها، ويعيد للسياسة معناها الإنساني.. لقد أثبتت هاتان السيدتان أن مواجهة العدوان الإسرائيلى لا تتطلب امتلاك الجيوش ولا السيطرة على القرار العالمى، بل تحتاج إلى ضمير حى يرفض الصمت.