الموسيقى المصرية تحتاج ليس إلى يوم واحد، ولكن لأسابيع وشهور للتعبير عنها بصدق. أحيى بشدة وبفخر القرار الرائع الذى اتخذه الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة، بتخصص يوم للموسيقى المصرية، القرار لم يأتِ من فراغ، ولكنه جاء تعبيراً وتقديراً عن روعة الفن والموسيقى المصرية ومبدعيها ممثلين فى اتخاذ ذكرى رحيل أحد أساطين الموسيقى المصرية الموسيقار الراحل الشيخ سيد درويش يوماً للاحتفال، وهو الذى لقب بأنه سابق لعصره، بما قدمه من ألحان وإبداعات، تلك الأسطورة التى تربعت على عرش الطرب الشرقى، بما قدم من أغان وأوبريتات وطقاطيق، رغم عمره القصير، ألحانه مازالت تعيش داخل وجدان الشعب، ويكفى أننا نرددها حتى الآن، ومنها النشيد الوطنى للبلاد، الذى قدمه فى ثورة 1919 «بلادى بلادى»، وهو النشيد الذى نقف له احتراماً وتقديراً وإجلالاً، ومازلنا نردده وسنظل. القرار جاء كما أوضحت الوزارة ليضاف إلى دفتر الأجندة الثقافية والفنية المصرية الزاخرة، وفى إطار حرص الدولة على تعزيز مكانة الموسيقى المصرية، باعتبارها أحد روافد الهوية الوطنية، وركيزة أساسية من ركائز القوة الناعمة لبلد اسمه مصر يتربع على التاريخ. اختيار اليوم، صحيح جاء بترشيح من المركز القومى للمسرح والفنون الشعبية، ولكنه حوى تقديراً لشخصية عظيمة بحجم سيد درويش، قلما يجود الزمان بمثله، فنان جَدَّد فى الموسيقى وأبدع، فعاشت ألحانه على مدى قرن كامل نرددها، وتعيش الزمان وأزمان أخرى قادمة، الهدف من ذلك ليس تحويل ذكرى الوفاة لاحتفالية بالموسيقى، ولكن بهدف أعطاء قيمة ومكانة للموسيقى المصرية فى الوجدان، ويبرز دورها المؤثر فى صياغة وعى المصريين على مدى الأجيال المتعاقبة، ويثبت أن الموسيقى كانت هى التعبير الواعى الصادق عن مشاعر المصريين طوال تلك الحقبة الكبيرة من زمن الشيخ سيد حتى الآن، هى التعبير الصادق عن حب المصريين لمصر، من منا ينسى «بلادى بلادى»، و»قوم يامصرى»، و»الحلوة قامت تعجن»، و«شط إسكندرية»، تراث فى عمر رائع فى حب بلدنا. الاستعداد للاحتفال بيوم الموسيقى المصرى، يجب أن يكون استعداداً يليق بمكانة مصر أولاً، وبتراثها الكبير الإبداعي، وبرموزها من أساطين الطرب والموسيقى، احتفالاً بالتاريخ بما يواكب العصر، وعلى مستوى كل أرجاء مصر، ويجب أن تكون الدعوة عامة للوصول إلى أفضل الصور التى يمكن أن يخرج بها اليوم هذا العام، باعتباره العام الأول، وتاريخ الميلاد، ولنتدارس ما نستفيد منه للأعوام القادمة طالما أنه وضع على خريطة وزارة الثقافة المصرية بكل هيئاتها. ما يستهدفه الاحتفال باليوم المصرى للموسيقى هو أن يكون رسالة ثقافية للمجتمع، فمصر تزخر بأن لديها من الرموز الموسيقية ما يجعلها تتربع على العرش الموسيقى بجدارة، بداية من القرن الماضى بإبداعات شيخنا سيد درويش، وحتى الآن، مروراً بأساطين لا يقلون فى الإبداع والتفرد: عبده الحامولى، ومحمد عبد الوهاب، ورياض السنباطى، والقصبجى، ومحمد الموجى، وبليغ حمدى، وغيرهم ممن أثروا الموسيقى والغناء، وتركوا بصماتهم خالدة تتناقلها الأجيال وترددها دون انقطاع. يوم الموسيقى المصرى سيكون علامة جميلة، هو فعلاً فرصة لتلاقى الأجيال وتبادل الثقافات، وتكريم الرموز والقامات التى أثرت وقدمت الإبداعات حتى يعطى كل ذى حق حقه، ويقدم للأجيال الجديدة القدوة. وكم أتمنى أن يتضمن اليوم فى الاحتفالية الأولى ما يحتويه التراث المصرى الرفيع، من تراث وإبداعات مازالت تحتاج إلى تنقيب، ومنها إبداعات لسيد درويش نفسه، كما أعلنت أسرته، وأعتقد أن الموسيقى المصرية تحتاج ليس إلى يوم واحد، ولكن لأسابيع وشهور للتعبير عنها بصدق.