يظن البعض أن الكاتب الجيد متحدث لبق، فى حين أن الكتابة فن، والتحدث فن، والجمع بينهما فن ثالث. الكاتب الساخر الذى تزغزغك كلماته ولا تتوقف عن الضحك وأنت تقرأ مقالاته، فى أغلب الأحيان هو شخص ثقيل الظل حين تجلس إليه فى الواقع، والشاعرة التى تفيض نصوصها على صفحتها بالرقة والهشاشة، والوحدة، وتنادى على فارس يحطم الأسوار ويحررها من قبضة المعاناة، لا تجلس خلف باب «الماسينجر» فى انتظار ذكر غبى لا يفرق بين النص والشخص. الأديب ليس هو بطل روايته، بطل الرواية قد يكون «فلاتى مقطع السمكة وديلها»، بينما المؤلف يرتعد خجلًا من ظله.. بطل الرواية قد يكون حكيمًا يجتمع حوله الناس، وكل عبارة تخرج منه تصلح لأن تكون مصباحًا يقتل الظلام، والمؤلف مجرد طفل أخرق، يتصرف بتهور، وينفر منه الجميع. الكتابة نافذة للتخلص مما لا نرغب فيه، وبيت من خيال نجمع بداخله مقتنيات لا نملكها، وصرخة مروّعة ليست بالضرورة أن تكون ناتجة عن ألم يخصنا، وألم رهيب لا يحتمل يخصنا وغير مسموح لنا أن نصرخ منه، هى محرقة أسرارنا التى نلقى فيها بمفاتيح شخصياتنا حتى تذوبها النيران، والفاكهة المحرمة التى يمكنك أن تستمتع بلونها ورائحتها، دون أن تتذوقها. الكتابة ليست الرداء الذى نرتديه، ولكنه الرداء الذى نخلعه، ليست الرداء الذى نملكه، ولكنه الرداء الذى نستعيره.. هى حرية الاعتراف وسبيل الكتمان، ودليل الإدانة والبراءة معًا. لا تصدق كاتبًا، ولا تكذبه، لا تمض معه، ولا تحرم نفسك من صحبته، لا تتعامل معه على أنه رمز، ولا تبخسه التقدير والاحترام.