فى الأسبوع الماضى وجهت حديثى للآباء والأمهات بألا يتركوا أبناءهم فريسة لهذا اللعين الذى يسلب العقل والنظر، ولا تفرحوا بصمت أطفالكم بعد أن أصبحوا أسرى ضوء تليفوناتكم. حاولوا احتضانهم وإقامة الحوار والنقاش معهم، من خلال جلساتكم المثمرة معهم، يتخللها إلقاء الضوء على قصة أو كتاب تقرأونه.. أو تفسير آية أو شرح حديث، لا تتركوهم يعيشون فى عزلة مع أنفسهم من خلال هذا العالم الموازى الذى صنعوه بأيديهم. لا تجعلوهم كأبطال قصتى «الفرسان الثلاثة»، الذين ملأوا أركان البيت بصريخ أمهم بعد أن احتدمت المعارك بينهم فى أسبقية الجلوس على جهاز الكمبيوتر، مما جعلها تفصل الراوتر. الفارس الأول، ذكاء نادر اكُتشف مبكراً، رغم أنه يجد صعوبة فى مذاكرة دروسه، لأنه يعتبر أن نظرية التعليم نظرية فاشلة، لأنه يعتبر هذا العالم المهووس به بوابته لعالم البزنس. فقد يذهب قائل: من أوعز إليه بالفكرة، وكيف تركه حتى يصبح بهذا الهوس. معكم من تركوه يتحملون مسئوليتهم، وقبل أن نلقى اللوم عليهم ضعوا أنفسكم مكانهم، فستجدون قلوبكم ترقص فرحاً كلما اكتشف ابنكم سراً من أسرار التكنولوجيا، بل ربما تذهبون إلى ما ذهبوا إليه بصقل مهارته بالدورات، وهنا تنسون أوتتناسون أنه يجهل باقى علوم المعرفة. الفارس الثاني، يحاول جيداً ألا يكون صامتاً، بل يملأ البيت بعلو صوته ليثبت أنه مختلف عن الآخر، وأنه يحب النقاش والحوار، وأن يقرأ جيداً ويفهم كل ما يدور حوله، ولكى يصل إلى مبتغاه، فلابد من صقله بما يحب من خلال الكمبيوتر، لتكتشف فيما بعد إنه يسير على نفس خطى أخيه، وعندما يجد من يعترضه حتى لا تكرر نفس الكرة، يعلو صوته بأنه أصبح يدرك جيداً الصواب من الخطأ، وأنه لن يصبح أسيراً لهذا الجهاز لأنه يعرف قيمة الوقت وكيف يستخدمه. أما الفارس الأخير، لصغره فهو حائر بينهم، يترقب كل ما يدور حوله، ويحاول من خلال المحاكاة تقليد الفارسين، وينتظر الفرصة لانتزاع الجهاز من أنيابهما، وعندما يُلام على نظره، تجده يضع نظارته على عينيه، وما هى إلا دقائق معدودة، ويعلو صراخهم وتزداد معاركهم، وتتدخل الأم لتنهى الصراع بفصل الراوتر، ظناً منها أنها أنهت كل شىء وأراحت عقلها، بل صدمتها تزداد عندما تكتشف أنهم لجأوا إلى حيل لتشغيله، وأنهم اتحدوا فيما بينهم وهزموا فكرتها، وعادوا إلى ما كانوا عليه.