في قلب الصحراء الغربية، وعلى بُعد 5 كيلومترات فقط من مدينة القصر التاريخية بواحة الداخلة، يقف أحد أروع الشواهد على عظمة الفن المصري القديم في عصور ما بعد الفراعنة. إنها مقبرة "المزوقة"، التي سُمّيت بهذا الاسم نظرًا لبديع ألوانها وزخارفها، والتي ما زالت تنبض بالحياة رغم مرور نحو ألفي عام على إنشائها. من يراها لأول مرة، يظنها قد رُسمت بالأمس القريب، لما فيها من حيوية في التفاصيل وبهاء في الألوان، ما يجعلها من أكثر المقابر الفرعونية ظلمًا في التناول الإعلامي والأثري رغم روعتها الأخّاذة. ◄ جوهرة أثرية مخفية في قلب الداخلة تقع مقبرة المزوقة في منطقة تُعرف باسم "تبة المزوقة"، وهي واحدة من أهم المواقع الأثرية التي تضم عدة مقابر، إلا أن المزوقة تتميز عنها جميعًا بسبب ثراء رسوماتها وألوانها التي تقاوم الزمن. اقرأ أيضا| كشف أثري جديد| مقبرة «باكن حوري».. أسرار التحنيط في قلب الصخر ما أن تطأ قدمك أرض المقبرة، حتى تشعر أنك سافرت عبر الزمن إلى قلب الريف المصري القديم. على الجدران، تنتشر مشاهد آسرة لأشجار النخيل والعنب والقمح، وطيور تحلّق بحرية، وحياة يومية نابضة لأهل الوادي في تلك العصور. هذه الرسومات لا توثق حياة سكان المنطقة فحسب، بل تقدم تصورًا فنيًا فريدًا عن علاقتهم بالطبيعة والزراعة والمعبودات. ◄ زودياك سماوي على الجدران من أبرز ما يلفت النظر في مقبرة المزوقة، وجود زودياك مصور بدقة لافتة، يتضمن الأبراج الفلكية المعروفة، في انعكاس لمدى اهتمام المصريين القدامى بعلم الفلك، وعلاقتهم بالمجرات والكواكب. ويُعد هذا الزودياك من أندر الأمثلة على التصوير الفلكي في مقابر العصر المتأخر، ما يجعل من المقبرة مركزًا فريدًا لدراسة علم الفلك المصري القديم. ما يجعل المقبرة استثنائية بحق هو جودة الألوان المستخدمة في الرسومات، والتي حافظت على بريقها رغم مرور أكثر من 2000 عام. الأحمر، الأزرق، الأصفر، الأخضر.. كلها تطل من بين النقوش وكأنها رُسمت منذ أيام. وتدل هذه الألوان على تقنيات متطورة في استخدام المعادن والأصباغ التي كانت تُعرف في ذلك الوقت. ◄ رموز ومعبودات الرسومات داخل المقبرة لا تقتصر على الطبيعة أو الزودياك، بل تشمل العديد من الرموز الهيروغليفية والمعبودات المصرية مثل أوزوريس، إيزيس، حتحور، وأنوبيس، بما يعكس العقائد الدينية في فترة ما بعد العصر الفرعوني وبدايات التأثيرات الرومانية واليونانية. ورغم كل هذه الروعة، فإن مقبرة المزوقة لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، سواء من الإعلام أو من القطاع السياحي. فهي بعيدة عن الدوائر السياحية التقليدية، ما جعلها كنزًا أثريًا لا يعرفه سوى القليل من الباحثين والمغامرين. يمكن زيارة المقبرة من خلال الاتجاه إلى واحة الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، ومن هناك السير نحو مدينة القصر التاريخية، ثم التوجه لمسافة 5 كيلومترات إلى منطقة "تبة المزوقة". الرحلة تستحق عناء الطريق، خاصة لمحبي الآثار والفن والتاريخ. ◄ هل سمعتَ عن مقبرة المزوقة من قبل؟ إن لم تكن كذلك، فقد فاتك الكثير. إنها ليست مجرد مقبرة، بل معرض فني حيّ من عصور مصر القديمة.. لا يزال ينتظر من يُعيد إليه الضوء، ويمنحه ما يستحق من اهتمام وحماية وتوثيق.