إذا أردت غذاء للعقل فانظر إلى ما يتلقاه فإذا كان غثا فاعلم جيدا أن صاحبه سيكون خاويا لأن الحشو الذى اعتمد عليه لا يأتى بنتائج تبيح لصاحبه أن يكون شيئا ذا قيمة. وإذا تلقى الثمين فكلما زدته منه ينتظر أن تعطيه الكثير لتتسع مداركه ويصبح مرتب الأفكار ويكون صاحبه ذا باع إذا تحدث أو استشار وأحيانا يكون صمته كلاما.. لذلك تجد الثقافة غذاء للعقل والروح لأن فى تنوعها استقامة واعتدالا للنفس لأنها أمدتها بما تشتهيه فأطفأت به نار ظمئها. ولكى تستقى ثقافتك لابد أن تنهلها من منبعها حتى تضمن أن تصل إليك دون تشويه فكانت الدولة حريصة على شيئين متلازمين ترعاهما بعناية الكتاتيب وقصور الثقافة لانهما يعدان الرئة التى يتنفس منها أبناء المدن والقرى والشريان الذى يمدهم بالحياة. وهنا أدرك القائمون على هذه الصروح أن للعقول طاقة فمن يقرأها يستطيع أن ينميها ويصقل بها موهبة وضعها الله فى عباده فمن خلالها كان الأديب والفنان والعالم والإمام الكل على حسب ما يتلقى وما يحب، وبصراحة كانت الدولة حريصة أن يرى أبناء القرى والأقاليم كل فنون العاصمة حتى يرتبطوا بها ولا ينفصلوا عن الواقع فكانت تنقلها لهم من خلال الفرق والمسابقات التى تعد خصيصًا لاكتشاف المواهب. لذلكً كانت تلك الغرف البسيطة فى القرى والقصور فى المدن كانت تعد خلية نحل يعشقها أبناؤها ويحرص القائمون عليها أن يتناغموا مع أبنائها حتى لايصبح مجالا للسخرية أو الاستهزاء لأنه لم يقرأ عقل طفل يناطحه بالثقافة . وعندما أخذ يتقلص دور الدولة من خلال وزرائها القائمين على الثقافة وأصبحوا لا يعون أى اهتمام لتلك الصروح أصبحت خاوية وتفرغت من مضمونها وعزف عنها الجميع لأن أبناءها انفصلوا عن عاصمتهم فأصبحوا بعيدين عن دائرة الضوء ولا تعطيهم الدولة أى اهتمام وانتشرت كل الأمراض الفكرية . فليست الحلول بإغلاق هذه الصروح أو ردها لأصحابها أو بيعها وتقليص عدد العاملين عليها بالعكس نحن الآن فى أشد الحاجة لترى قصور الثقافة النور مرة أخرى وإذا كان هناك جرم اقترفه بعض العاملين بها فإهمالهم وعدم الرقابة عليهم وعدم تطوير تلك العقول كان أشد جرما من جرمهم . فيا سادة النهوض بالشعوب لا يتأتى من فراغ بل علمه كيف يقرأ وكيف يفرغ ما بداخله من طاقه إبداعية تجعله يرى النور ولا يكون عرضة للظلام.