يشهد العالم اليوم ثورة في الطاقة النظيفة والكهرباء تقودها التطورات الهائلة في تكنولوجيا بطاريات الليثيوم، وقد أصبحت السيارات الكهربائية أحد مظاهر هذا التحول، إذ شهد عام 2023 وحده بيع ما يقارب 14 مليون سيارة كهربائية على مستوى العالم، بزيادة قدرها 35% مقارنة بالعام السابق، وبذلك ارتفع العدد الإجمالى للسيارات الكهربائية على الطرق إلى أكثر من 40 مليون مركبة بنهاية عام 2023، وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فقد شَكَّلت السيارات الكهربائية نحو 18% من مبيعات السيارات الجديدة عالميًا خلال عام 2023، أى أن واحدة من كل خمس سيارات جديدة كانت كهربائية، هذا تحول جذرى لا سيما عند مقارنته بنسبة لم تتجاوز 2% قبل خمس سنوات فقط، ويأتى هذا النمو السريع بدعم من السياسات الدولية التى تشجع على تصنيع واعتماد السيارات الكهربائية كجزء من الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ. ◄ إنشاء مصنع بطاقة 20 جيجاواط - ساعة يُحقق إيرادات 2 مليار دولار سنوياً هذا التوسع يعكس أمرين مهمين، أولهما النمو السريع لسوق البطاريات، والحاجة الملحة لدخول هذا المجال، وإلا ستفقد مصر فرص المنافسة، حيث إن سوق البطاريات أصبح من أسرع القطاعات نمواً فى العالم، وثانيهما أن التحرك السريع نحو التصنيع المحلي لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية، ومصر تملك مقومات قوية تؤهلها للمشاركة، مثل موقعها الجغرافى ومواردها المعدنية وسوقها المحلية، مما يمكّنها من الانضمام لسلسلة توريد بطاريات الليثيوم-أيون إذا بادرت الآن، ويدعم ذلك ماتملكه من مقومات بشرية وموقع جغرافى يمثل فرصة نادرة للانضمام إلى سلاسل توريد بطاريات الليثيوم-أيون العالمية إذا بدأت الآن بخطوات واضحة. وتتميز هذه البطاريات بقدرتها العالية على تخزين الطاقة، ما يجعلها مثالية للسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة لدعم شبكات الكهرباء، خاصة مع توسع الطاقة الشمسية والرياح، كما أن تكلفة هذه البطاريات انخفضت بأكثر من 80% خلال العقد الأخير، لتصل إلى أقل من 100 دولار لكل كيلوواط-ساعة، وهو ما قرّب السيارات الكهربائية أقرب من أى وقت مضى من تحقيق تنافسية حقيقية مع سيارات الوقود التقليدية من حيث التكلفة والأداء.. وتتوقع بلومبرج أن يبلغ الطلب على بطاريات الليثيوم-أيون 4700 جيجاواط-ساعة بحلول 2030، أى سبعة أضعاف حجم السوق فى 2022، ما يستدعى بناء عشرات المصانع الجديدة عالميًا لتلبية هذا النمو السريع. ◄ اقرأ أيضًا | تعرف على أبرز أعطال السيارة.. وكيفية إصلاحها ◄ فرصة ذهبية لمصر وتملك مصر فرصة استراتيجية لتصبح مركزاً إقليمياً لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية، مستفيدة من موقعها الجغرافى بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، واتفاقياتها التجارية التى تسهّل التصدير بشروط تنافسية. كما تمتلك سوقًا محلية كبيرة وموارد طبيعية مهمة مثل الفوسفات والحديد والمنجنيز، وبنية تحتية قوية ومشروعات طاقة متجددة، إلى جانب دعم حكومى واضح للطاقة النظيفة، ما يجعل الظروف مواتية لإطلاق صناعة وطنية متكاملة للبطاريات. ولتحقيق هذا الهدف، تحتاج مصر إلى إنشاء مصانع البطاريات العملاقة (جيجا فاكتوري)، لإنتاج بطاريات الليثيوم-أيون على نطاق واسع، أسوة بما تفعله دول عديدة، وهذه المصانع تعتبر العمود الفقرى لثورة السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، ولذلك يتسابق العالم كله لبناء هذه المصانع لما لها من أهمية اقتصادية كبيرة، خاصة مع توقعات بوصول الاستثمارات العالمية في هذا المجال إلى أكثر من 1.6 تريليون دولار بحلول 2040. وقد بدأت بعض الدول النامية بالفعل فى التحرك، مثل المغرب التى قطعت خطوة قوية، بعد توقيعها اتفاقًا مع شركة «جوشن هاى-تك» الصينية لإنشاء مصنع بطاريات بقدرة إنتاجية أولية 20 جيجاواط-ساعة سنويا، والتوسع لاحقا حتى 100 جيجاواط-ساعة، ما يُثبت أن الدول النامية قادرة على المنافسة، وهذا المثال يؤكد أن دخول هذا السوق ليس حكرًا على الدول المتقدمة، بل متاح لكل من يملك الرؤية والإرادة. وفي الحالة المصرية، يكفى أن نتصور أن إنشاء مصنع بطاقة 20 جيجاواط-ساعة فى المرحلة الأولى يمكن أن يُحقق إيرادات تقارب 2 مليار دولار سنوياً، ويخدم السوق المحلى والإقليمى. ومع توطين التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي، فإن مصنع ينتج بطاريات تكفى لتشغيل نحو 280 ألف سيارة كهربية كل عام، ستبلغ تكلفة إنشائه حوالى مليار دولار، ومن المتوقع أن يترك أثرًا كبيرًا على الاقتصاد المصري. ◄ توظيف الموارد المحلية وتمثل بطاريات فوسفات الحديد الليثيوم (LiFePO4) فرصة مناسبة لمصر، لأنها تعتمد على مواد متوفرة محلياً بكثرة مثل الفوسفات والحديد والفوسفات والمنجنيز، وتعتبر مصر من أغنى دول العالم فى الفوسفات فاحتياطى الفوسفات المصرى يُقدر ب2.8 مليار طن، ويمكن استثماره لإنتاج مواد البطاريات ذات القيمة المضافة العالية، مثل فوسفات الحديد الليثيوم، كما أن خامات الحديد والمنجنيز تدعم تصنيع بطاريات ذات كفاءة عالية، وتتيح هذه الصناعة إمكانية تطوير سلسلة تصنيع محلية تشمل مكونات البطارية الأخرى مثل النحاس، الألومنيوم، والجرافيت الصناعي. هذه البطاريات أكثر أماناً، وأقل عرضة للاشتعال، وتناسب المناخ الحار، ما يجعلها مثالية للسيارات الكهربائية الاقتصادية، الحافلات، وأنظمة تخزين الطاقة، وتستخدمها شركات عالمية مثل «تيسلا» و»بى واى دي»، ما يعكس التوجه العالمى نحو هذا النوع من البطاريات. ◄ أثر تصنيع البطاريات على الاقتصاد المصري ولن يكون تأسيس صناعة البطاريات فى مصر خطوة صناعية معزولة، بل سيمتد أثرها إلى قطاعات حيوية عديدة فى الاقتصاد الوطني، فزيادة الطلب على الخامات الأساسية مثل الفوسفات والحديد والمنجنيز ستؤدى إلى تنشيط أعمال التنقيب والاستخراج فى المناجم المصرية، وقد نشهد إعادة فتح وتطوير لمناجم خام كانت مهملة، وكذلك استثمارًا فى تقنيات جديدة لاستخراج المعادن من مصادر غير تقليدية، على سبيل المثال، إذا اتجهت مصر لإنتاج الليثيوم مستقبلاً، فقد يتم البحث فى استخلاص الليثيوم من المحلول الملحى فى بعض الآبار أو البحيرات المالحة كما تفعل دول مثل الصين وبوليفيا، هذا الحراك فى التعدين سيخلق وظائف فى المناطق النائية ويساهم فى تنمية محافظات الصعيد والصحراء الغربية وسيناء حيث تتواجد الموارد. والصناعات الكيميائية بدورها ستنتعش، نظراً لحاجة البطاريات إلى مركبات مثل حمض الفوسفوريك وأملاح الليثيوم، مما يشجع الشركات المحلية على إنشاء وحدات إنتاج متخصصة، كما سيساهم ذلك فى نمو الصناعات الإلكترونية المرتبطة بأنظمة إدارة البطارية ومكوناتها، والأهم من ذلك وجود بطاريات محلية الصنع سيشجع شركات السيارات على التوسع فى مصر، خاصة وأن البطارية تمثل النسبة الأكبر من تكلفة السيارة الكهربائية بنسبة تتراوح بين 30-40%، وتوافر البطاريات محلياً سيخفض تكلفة الإنتاج والنقل وسوف يساهم فى ظهور نظام صناعى متكامل للسيارات الكهربائية فى مصر، بما يشمل الصناعات المغذية مثل الزجاج والمعادن والمكونات الداخلية. إضافةً إلى ذلك، ستوفر صناعة البطاريات فرص عمل جديدة تتطلب مهارات تقنية عالية، وتدفع الجامعات والمعاهد لتطوير برامج تعليمية جديدة تتماشى مع احتياجات السوق، كما ستفتح المجال أمام الابتكار والبحث العلمى من خلال إنشاء مراكز أبحاث مشتركة بين الشركات والجامعات تركز على تحسين أداء البطاريات فى الظروف المناخية الحارة، أو تطوير طرق جديدة لإعادة تدوير البطاريات، كذلك سيتم البحث فى تطبيقات جديدة كتخزين الطاقة على مستوى المنازل أو الشبكات الصغيرة فى المناطق النائية بمصر باستخدام بطاريات محلية، وهو ما يشجع الشركات الناشئة ورواد الأعمال فى مجال التكنولوجيا النظيفة. وعلى المدى البعيد، من المتوقع أن تساهم البطاريات فى تعزيز أمن الطاقة فى مصر، فمع التوسع فى مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يصبح وجود أنظمة تخزين محلية الصنع وبتكلفة معقولة ضرورة للحفاظ على استقرار الشبكة الكهربائية وتفادى الانقطاعات، هذا التوازن سيساهم فى تقليل الاعتماد على البترول والغاز المستورد، ويجعل منظومة الطاقة فى مصر أكثر استدامة واستقلالية. ◄ فرصة التصدير الاستراتيجية إلى أوروبا والولايات المتحدة ويمثل تصدير البطاريات والسيارات الكهربائية من مصر فرصة استراتيجية، خاصة مع تغيّر خريطة سلاسل التوريد العالمية وتوجه أوروبا وأمريكا لتقليل الاعتماد على الصين، التى تهيمن على 77% من الإنتاج العالمى لبطاريات الليثيوم-أيون. وقد فرض الاتحاد الأوروبى رسوماً على السيارات الصينية بنسبة 18%، فى حين تشترط القوانين الأمريكية تصنيع البطاريات محليا أو لدى دول حليفة حتى تستفيد من الحوافز الضريبية. وهنا تظهر فرصة مصر وتمتلك مصر ميزة تنافسية عبر اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التى تتيح دخول المنتجات الصناعية دون رسوم جمركية بشرط تحقيق نسبة مكون محلى مرتفعة، ما يجعل المنتج المصرى أرخص من نظيره الصينى فى أوروبا. كما يوفّر الموقع الجغرافى لمصر ميزة لوجستية، إذ يستغرق الشحن لأوروبا نحو 10 أيام فقط، وهو ما يعزز فرص الاعتماد على مصر كمركز إنتاج قريب وفق مفهوم «القرب من السوق»، ويمكن لمصر أيضا تصدير البطاريات لأنظمة تخزين الطاقة، خاصة للسوق الإفريقية الناشئة، وقد أثبتت مصر كفاءتها فى تصدير منتجات صناعية مثل السيارات المجمعة والأسمدة، ما يعزز فرص نجاحها فى مجال البطاريات كمصدر إقليمى وعالمي، بشرط التحرك السريع قبل أن تسبقها دول أخرى. التوصيات والسياسات المقترحة لدخول عصر البطاريات وللانضمام إلى الثورة الصناعية فى مجال البطاريات، تحتاج مصر إلى حوافز مالية وضريبية لجذب المستثمرين، مثل إعفاءات ضريبية وجمركية، وتوفير أراضٍ صناعية بأسعار رمزية، وإلغاء رسوم استيراد المعدات، كما يجب دعم الكهرباء بأسعار تفضيلية فى هذه الصناعة التى تستهلك قدراً كبيراً من الطاقة لتقليل التكاليف وضمان التنافسية . ◄ مراحل التصنيع كثيفة الاستهلاك للطاقة ولأن الصناعة معقدة تقنياً، لا بد من نقل التكنولوجيا من خلال شراكات مع شركات عالمية مثل CATL، BYD، Samsung SDI، وغيرها، لتأسيس مصانع مشتركة وتأهيل الكوادر المصرية. من جهة أخرى، يجب تحفيز الطلب المحلى بدعم شراء الحافلات والسيارات الكهربائية بشرط احتوائها على مكونات مصرية، كما يمكن للحكومة تنشيط السوق عبر تركيب بطاريات فى محطات الطاقة الشمسية. وينبغى دعم البحث العلمى لتطوير البطاريات وإعادة التدوير واستكشاف مصادر الليثيوم، مع منح حوافز ضريبية للشركات التى تستثمر فى الابتكار. أخيراً، من المهم تطوير البنية التحتية مثل الموانئ والنقل البري، وتفعيل التعاون الدولى فى سلاسل الإمداد النظيفة، وفرض رسوم مؤقتة على المنتجات المستوردة غير المحلية لدعم الصناعة الوطنية، هذه التوصيات تشكل خارطة طريق أولية لبناء صناعة بطاريات قوية تتطلب تنسيقًا بين الحكومة، القطاع الخاص، والجامعات. ◄ نفط القرن الحادي والعشرين ختاماً، إن التحول العالمى نحو الطاقة النظيفة والكهرباء يفتح نافذة تاريخية لدولة كبيرة مثل مصر لإعادة التموضع على خريطة الاقتصاد العالمى وبناء اقتصاد أخضر متقدم يتماشى مع معطيات العصر الحالي، وفى قلب هذا التحول تكمن بطاريات الليثيوم-أيون التى أصبحت بمثابة «نفط القرن الحادى والعشرين»، ولعل مصر اليوم أمام خيارين استراتيجيين: إما اللحاق بركب الثورة الصناعية الجارية فى تخزين الطاقة والتنقل الكهربائي والمساهمة فيها بفعالية، أو البقاء فى موقع المستهلك المستورد للتكنولوجيا، المقومات التى تمتلكها مصر من موارد طبيعية وبشرية وموقع جغرافى استثنائى تمنحها فرصة حقيقية للدخول إلى هذا المجال من موقع قوة، ومع وجود خارطة طريق واضحة كالتى تم عرضها، يمكن لمصر أن تتحول إلى مركز إقليمى لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية فى غضون سنوات قليلة، وعندها لن تكون مصر مجرد مستهلك للتكنولوجيا الحديثة، بل شريكًا فاعلًا فى التحول العالمى نحو الطاقة المتجددة، تصنع بطارياتها ومحركاتها بيد أبنائها، وتصدر للعالم منتجات متقدمة تحمل ختم «صُنع فى مصر». د.ماهر القاضي أستاذ باحث مساعد في قسم الكيمياء والكيمياء الحيوية جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس