صوت مميز في ليالي رمضان، ينشر البهجة، ويحيى تراثاً لا يغيب عن ذاكرة المصريين، صوت الطبلة ونداء المسحراتي، الذي يوقظ النائمين للسحور، في مشهد رمضاني أصيل يعكس تاريخًا طويلًا من التراث الشعبي. لطالما ارتبطت مهنة المسحراتي بالرجال، حيث يجوبون الشوارع والأزقة ليلًا، مرددين نداءهم الشهير: «اصحى يا نايم وحد الدايم»، بينما يركض الأطفال خلفهم فرحين، وينادونهم راجين أن يذكروا أسماءهم، لتصبح طبلتهم جزءًا من ذكريات رمضان التي لا تُنسى.. في شوارع حى المطرية، حيث تختلط رائحة الفول الساخن بأصوات الباعة وأحاديث الناس، يتردد صوت الطبلة بعد منتصف كل ليلة من ليالى رمضان، لكن المفاجأة أن من يحملها ليس رجلًا، بل سيدة تجاوزت الأربعين من عمرها، ترتدى جلبابًا واسعًا داكن اللون ووشاحًا يلف رأسها بإحكام، مع عباءة ثقيلة تحميها من برد الليل، تحمل طبلتها وتسير بها في الأزقة بحركات واثقة، تعرفها المنطقة باسم «أم رمضان»، مسحراتية من 15 سنة، تلك المرأة التى لم تتخلَّ عن المهنة التى توارثتها أبًا عن جد، فقد كان جدها مسحراتيًا، ومن بعده والدها، ثم زوجها الذى كان يعمل مسحراتيًا أيضًا لكنه أصيب بمرض منعه من العمل، فاضطرت لحمل الطبلة بكل حب وممارسة هذا العمل فى ليالى رمضان.. ◄ اقرأ أيضًا | «اصحى يا نايم وحد الدايم».. «المسحراتي» مهنة تاريخية لمدة شهر واحد تقول أم رمضان إنها منذ طفولتها، كانت ترافق والدها فى جولاته الليلية، تحفظ نداءاته، وتتعلم إيقاع الطبلة، وبعد وفاته، ومرض زوجها، لم تستطع التخلى عن هذا التقليد الذى أصبح جزءًا من روحها، رغم قسوة الطقس احيانا ومتاعب الحياة، تبدأ جولتها بعد منتصف الليل وتستمر حتى قبل الفجر بنصف ساعة، تقرع الطبل وتنادى على الأهالي، توقظهم بلهجة محببة وأصوات مألوفة تملأ الشوارع «يا فلان وحِّد الله».. صوتها المحبب للنفوس يتسلل إلى أذن النائمين، يوقظهم ويذكّرهم بالسحور. توقظ «أم رمضان» بطبلتها وصوتها مع الأهالى دفء الماضى الجميل والتراث الأصيل الذي تتناقله الأجيال، ورغم مشقة العمل ليلاً، إلا أن أم رمضان لا تكتفى بذلك، فهى تعمل نهارًا فى مصنع للسكر، وتتحمل مسؤولية إعالة أسرتها.. لدى أم رمضان سبعة أبناء، من بينهم ولدان، رمضان وعمر، و5 بنات، تعمل اثنتان منهن فى أحد المصانع بينما يدرس الباقون فى مراحل دراسية مختلفة.. وعلى الرغم من تطور التكنولوجيا، وتوفر المنبهات والهواتف الذكية، تبقى طبلتها ونداءاتها رمزًا لروح رمضان، وجزءًا من ذاكرة الناس التي لا تُنسى.