أكدت أمس أننى لم أسمع من الفنان القدير شكرى سرحان كلمة واحدة تطعن فى ثورة 23 يوليو وقائدها أو تعنى أنه انقلب عليها، وقال بصريح العبارة عندما استضافته الإعلامية نهال كمال فى برنامج «لسه فاكر»: «أعتز بفيلم «رد قلبى» لأن الله أكرمنى واختارنى لأجسد فيه شخصية شاب مصرى، ومن أسرة مصرية متواضعة وبسيطة، وترصد حياة هذه الأسرة، بالإضافة إلى الأسرة الأخرى الإقطاعية، وهما رمزان للحياة فى مصر فى هذا الوقت، وأعتز بأن الفيلم حصل على عدد كبير من الجوائز، وتقديرا للدور الذى جسدته منحنى الزعيم جمال عبد الناصر وسام الجمهورية فى عيد العلم عام 1965»، وروى لى شكرى سرحان اللحظة التى شد فيها جمال عبد الناصر على يديه وهو يصافحه بحرارة بعد مشاهدته للفيلم عام 1957 بسينما «كايرو» وكان برفقته كل أعضاء مجلس قيادة الثورة، وقال لى شكرى إن حضور الرئيس كان فى حد ذاته تكريما لصناع أول فيلم يتناول الأسباب التى أدت لقيام الثورة، وكان صاحب قصة الفيلم الضابط الأديب يوسف السباعى يقرأ ما يدور على وجه الرئيس أثناء مشاهدته للفيلم، وبعد انتهاء الفيلم طلب الرئيس أن يرى شكرى سرحان الذى اخترق زحام كبار المسئولين المحيطين به ليجد يد الرئيس ممدودة إليه وهو يصافحه بحرارة وهو يقول له «أهنئك يا شكرى على هذا العمل الرائع، كنت أكثر من ممتاز فى تجسيد دور الصاغ على عبد الواحد ابن الجناينى الفقير الذى يمثل جموع الشعب»، وبعدها بثمانى سنوات، أى فى عام 1965، التقى النجم شكرى سرحان للمرة الثانية مع الرئيس جمال عبد الناصر فى احتفال عيد العلم بجامعة القاهرة وهو يسلمه وسام الجمهورية ويقول له «يا شكرى أنا متابع كل ما تقدمه من أفلام وقد أثبت أنك دائما تعبر بصدق عن شخصية ابن مصر البار، ولن ننس لك أبدًا فيلم «رد قلبى». نال شكرى سرحان تقدير القيادة السياسية المتمثلة فى شخص الرئيس عبد الناصر، ونال تقدير القاعدة الشعبية التى ارتبطت به على مدى خمسة عقود ومنحته لقب «ابن النيل» المستمد من الفيلم الذى قام ببطولته وأخرجه يوسف شاهين، وصار نموذجًا لشباب الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى وتوجته الجماهير نجمًا يتربع فوق القمة، فيمثله الشباب فى تسريحة شعره ذات الخصلة التى تنسدل على جبهته وملابسه وطريقة كلامه، فأصبح «موضة» أو « تريند» بلغة اليوم. اقرأ أيضًَا | شخصيات لا تنسى| ابن النيل «1-2» ونال ثقة النقاد واحترام الكتاب، فجاءته الجوائز دون أن يسعى إليها، وازدحم بيته بالأوسمة وشهادات التقدير، وثمانى جوائز نالها كأفضل ممثل، وأتذكر أنه قال لى «لم أسع على الإطلاق إلى الفن الذى يهبط بذوق وحس ووجدان الجماهير إلى الدرج الأسفل، إنما كنت أتطلع دائمًا إلى الفن الذى يسمو بالروح والأجيال إلى الطريق القويم!»، وأوضح لى أنه كان يسير وراء شقيقه الأكبر صلاح كظله، تعلم منه تذوق الموسيقى التى يسمعها من الراديو عندما لا يوجد والده فى المنزل، وكان يذهب معه لمنزل كان تحت التشييد يطل على سينما «الهلال» الصيفية ليشاهدا الأفلام التى تعرضها، وعند عودتهما للمنزل كانا يحضران لمبة الجاز ويدخلان غرفتهما بهدوء لكى لا يشعر بهما الوالد ويصنعان أشكالًا من الورق المقوى على هيئة رؤوس أولاد وبنات وحيوانات ويقومان بتحريكها أمام لمبة الجاز لتنطبع الحركة على الحائط وهما فى حالة ارتجال لأصوات الشخصيات التى يحركانها، وقال لى إنه صنع مع شقيقه الأكبر سينما بدائية تشبع حاستهما الفنية التى كانت لا تزال فى طور التكوين، والتحق بعدها شقيقه بفريق التمثيل بالمدرسة وذهب شكرى لمشاهدة العرض الذى قدمته المدرسة على مسرح الأزبكية فبهر بهذا العالم الساحر وقرر أن ينضم لفريق التمثيل بالمدرسة الإبراهيمية التى كان يشرف على فريقها المخرج أحمد بدوى الذى تنبأ لشكرى بأنه سوف يحتل مكانة بارزة إذا واصل دراسته للفن، وتأكدت نبوءة البدوى عندما جاء وزير المعارف العمومية لمشاهدة المسابقة المسرحية السنوية التى كانت تقام بين مدارس المديريات وكان التلميذ شكرى يمثل مدرسته بالمسرحية العالمية «القضية المشهورة»، ومنحه الوزير فى نهاية العرض جائزة الوزارة التى تعنى استكمال تعليمه مجانًا على نفقة الوزارة وكانت أول جائزة ينالها من الدولة. فى عام 1944 افتتحت وزارة المعارف العمومية المعهد العالى للتمثيل الذى ناضل من أجله القدير زكى طليمات، اجتمع شكرى مع شقيقه الأكبر صلاح وقررا الالتحاق بالمعهد، ولكن والدهما رفض الفكرة وتأزم الموقف وأحس شكرى أن الفرصة سوف تضيع من يده، وأمام رفض والده ترك البيت واختفى، جن جنون والدته الريفية البسيطة فجمعت ملابسها وهددت بالذهاب لبيت والدها بالشرقية، ولم يقو الأب على مواجهة الضغوط فنزل للبحث عن ابنه المختفى إلى أن وجده نائما فى المسجد الزينبى الكبير، فأيقظه وهو يقول له: «يا شكرى يا ابنى إذا كنت شايف مستقبلك فى دراسة المسرح فأنا تارك لك حرية الاختيار وستكون أنت المسئول عن نتيجة اختيارك»، ذهب شكرى وشقيقه إلى المعهد فى اليوم التالى لتقديم أوراق الالتحاق فاكتشفا أن عدد المتقدمين أكثر من ثلاثة آلاف شخص والمطلوب اختيار اثنين وعشرين شخصًا فقط، لكن شكرى كما قال لى ترك الأمر على الله وتقدم للاختبارات أمام أساتذة المعهد، فكان شكرى وشقيقه فى مقدمة الدفعة التى تم اختيارها وضمت فريد شوقى وصلاح منصور وعمر الحريرى وعبد الرحيم الزرقانى ونبيل الألفى وحمدى غيث ونعيمة وصفى، وأصبح شكرى أثناء دراسته بالمعهد محط اهتمام زكى طليمات الذى تنبأ له بمستقبل كبير، وظل يسانده ويدفع به لكبار المنتجين بعد تخرجه وقام بضمه للفرقة القومية للتمثيل ليقف أمام يوسف وهبى وجورج أبيض وحسين رياض. قال لى شكرى إن الطريق لم يكن مفروشا بالورود، فقد عانى فى البداية عندما رشح لفيلم مهم ثم فوجئ بفنان كبير يمارس الضغط على مخرج الفيلم لكى يستبدله بممثل آخر سلب منه الدور وخرجت الصحف تقول «فشل الوجه الجديد شكرى سرحان فى تجسيد مشاهده الأولى فى الفيلم فاستبدله المخرج بالممثل المخضرم فاخر فاخر»، وقال لى إنه شعر بصدمة لأن ما نشرته الصحف غير صحيح ولم يدفعه الألم لكى يكشف حقيقة ما جرى لأنه لم يتعود الإساءة لأحد حتى ولو كان هناك ظلم قد وقع عليه، فتقوقع على نفسه مؤمنا بأن ما حدث قدر من الله ولابد أن تكون له حكمة فى ذلك، واستراحت نفسه عندما وقعت عينه على العبارة التى تقول «كل شىء يصيبك ولا يقتلك، لابد أن تخرج منه بنفع كبير»، ولم يكن لديه ما يفعله سوى القراءة والذهاب لمشاهدة العروض التى تقدمها الفرق المصرية والأجنبية بدار الأوبرا الملكية، وذات ليلة فوجئ بالصحفى صلاح ذهنى الذى يعمل بمجلة «آخر ساعة» يربت على كتفه من الخلف وطلب منه الحضور للمجلة ومعه صورة له، وعقب الزيارة المتفق عليها فوجئ شكرى بصورته منشورة على صفحة كاملة بالمجلة ومكتوب أسفلها عنوان «فتى أول ينقصه مخرج»، كانت الصورة أول الغيث إذ فوجئ بعدها بالمخرج حسين فوزى يطلبه لعمل اختبار أمام الكاميرا، وانتهى اللقاء بتوقيع عقد فيلم «لهاليبو» أمام الفنانة نعيمة عاكف، ونشرت له مجلة «الفن» مجموعة من الصور التعبيرية المختلفة، فتلقى بعدها اتصالًا من المخرج يوسف شاهين للقيام ببطولة فيلم «ابن النيل» الذى جسد فيه شخصية الفلاح الأسمر الذى يقف يوميا فى حقله متطلعا إلى القطار السريع الذى يمر بقريته حالما باليوم الذى ينقله فيه هذا القطار من الواقع القروى المحدود إلى المدينة الصاخبة المجهولة تمامًا بالنسبة له، ولد شكرى نجما بالنجاح الخرافى الذى حققه الفيلم، ولا ينسى أن يوسف شاهين قال له بعد تصوير مشهد المحاكمة «يا شكرى أنت أبدعت فى أداء المشهد مثل أعظم نجوم هوليوود ولو كان بيدى لمنحتك أوسكار على هذا المشهد»، وأداء شكرى سرحان جعل المخرج عز الدين ذو الفقار يختاره لبطولة فيلم «رد قلبى»، الناصريون أحبوا شكرى سرحان كنجم جسد أحلام الثورة الناصرية، والغريب أنه صارحنى بأنه تربى على مبادئ حزب الوفد قبل الثورة، وعشق الزعيم سعد زغلول والنحاس باشا وأحب الرئيس محمد نجيب وكان ضد التنكيل به بتحديد إقامته فى المرج ومنعه من الخروج لتشييع نجله، وكان شكرى. كما قال لى - يتمنى أن تكون هناك حياة ديموقراطية بأحزاب سياسية تتداول السلطة، واعترف لى بأنه آمن بالتغيرات الاجتماعية التى أحدثتها الثورة لكنه كان ضد بعض ما حدث بعدها وأدى بالتالى لهزيمة 67، فقبل أن يلعب بطولة فيلم «وراء الشمس» للمخرج محمد راضى الذى شهد مباراة رائعة فى الأداء بين رشدى أباظة وشكرى سرحان ومحمود المليجى، ولو أردنا أن نحلل الأبعاد السياسية فى «الزوجة الثانية» و«ليلة القبض على فاطمة» و «البوسطجى» و «اللص والكلاب» وغيرها من الأفلام الكبيرة فنحن فى حاجة لمجلدات، رحم الله الفنان الكبير شكرى سرحان الذى منحنا المتعة بأفلامه، وغدًا نلتقى مع شخصية أخرى.. لا تنسى.