يحتفل الأقباط بعيد الغطاس يوم 11 طوبة الموافق 19 يناير من كل عام، وهذا العيد هو تذكار معمودية السيد المسيح على يد «يوحنا المعمدان» فى نهر الأردن. وتقيم الكنيسة احتفالاً بهذه المناسبة فى ليلة العيد، حيث تُقام صلوات القداس الإلهي. ومن العادات الشعبية التى درج عليها الشعب وما زالت حتى الآن فى عيد الغطاس صناعة «فانوس الغطاس» من الخشب على هيئة صليب، وفى جوانبه الأربعة توضع شموع مضيئة. وكانوا قديمًا فى مدينة «أخميم» يضعون بدلاً من الشموع خشب الصنوبر الذى يضيء وتفوح منه رائحة جميلة. ويطوف الأطفال بالفوانيس فى الحوارى والمنازل ويغنون: «ليلتنا صيصة. بقرتنا ولدت عجيلة.. وفى وشَّها نوَّارة.. تنور فى كل حارة.. مسلمين ونصارى». ولكن اندثرت مثل هذه الأغانى، إلا أن صناعة فانوس الغطاس ما زالت مستمرة. ومن العادات الطريفة أيضًا فى الغطاس، وما زالت، أن الأطفال يفرغون ثمرات «اليوسفي» أو البرتقال من فصوصها عبر فتحة صغيرة، ويحافظون على قشرتها الخارجية سليمة، ويضعون الشموع المضيئة بداخلها لتكون كالفانوس يُشعُّ ضوءًا برتقاليًا جميلاً. ومع أعداد كبيرة منها فى الشوارع، تشيع البهجة فى النفوس. كذلك اعتاد الأقباط، وما زالوا، على شراء القصب، حيث يكون فى عز موسمه، ويمصون أعواده باستمتاع كبير. ويعطى الأقباط تأويلاً أن القصب قلبه أبيض وحلو الطعم، كما يجب على الناس أن تكون قلوبها نقية مثله. بالإضافة إلى ارتباطه بالماء الذى يشير إلى المعمودية. وفى الغطاس يتصدر القلقاس المائدة، ويقول المثل الشعبي: «اللِّى ما ياكلش قلقاس فى الغطاس يصبح من غير راس» وهذه العادة ضمن اعتياد المصريين جميعهم على تناول فواكه وخضار الموسم فى احتفالهم بالأعياد. وقد صبغ الأقباط أكل القلقاس بصبغة روحية، حيث رمزوا للقلقاس بالمعمودية، إذ إن القلقاس نبات درنى يكون مدفونًا فى باطن الأرض. كما إنّه يُسلق فى الماء بعد إزالة القشرة الخارجية، وهو ما يحدث فى المعمودية إذ يُغطَّس المعمد فى الماء. كما أنّ لون القلقاس الأبيض يرمز للطهر والنقاء الذى يكون عليه الشخص المعمد. وهناك أمثال شعبية ترتبط بالغطاس، ومنها: «فى الغطاس مصّ القصب وأكل قلقاس»، و«يغطس النصرانى ويطلع البرد الحقاني»، و«يغطس النصرانى ويصيف المسلم بعد أربعين». وتبين الأمثال الشعبية هذه مدى ارتباط الغطاس كعيد وتوقيت بالظروف الطبيعية والمناخية. والأهم هو ارتباط المسلم والمسيحى فى طقس واحد، ومثل شعبى واحد، ووجدان متصل. وهذا يثبت أن التاريخ الحقيقى هو الذى ينتجه عامة الشعب، ويصوغه فى فنونه الفطرية بحكمة وبراعة تفوق وعى النخبة فى كثير من التجليات. وقد اعتاد المسلمون مشاركة الأقباط منذ القدم والذهاب إلى نهر النيل، والغطس فيه احتفالاً بعماد السيد المسيح، ولاعتقادهم جميعًا أن الغطس فى هذا اليوم يقيهم من الأمراض طوال العام. وقد تضاءلت هذه العادة فى يومنا هذا. كما ارتبطت الذكرى فى فلسطين بالغطس فى نهر الأردنّ، ارتبطت فى مِصر بمياه النيل، نبع الحياة للمصريين، وسر استقرارهم، ورمز التطهر والبركة، مما يضفى على العيد الدينى بُعدًا وطنيًا مبهجًا. ومن وحدة الموروث الشعبى الذى تأثر به أهالى قنا وحفظوه عندما كانوا يجتمعون ويغنون، ويقومون بترقيص عيدان القصب وهى تحمل (البكارة) التى تحمل الشموع والبرتقال، يغنون هذه الأغنية التراثية التى تحمل التراث القبطى والإسلامي: «يا بَلَابِيصَا... بَلْبِص الجَلْبَة... يا عَلِى يا بْنِي... قوم بنا بَدْرِي... نَقْبِض القُمَرِي... والسنة فاتت... والمرة ماتت... والجمل برطع... كسر المدفع». والبلابيصا عند أهالى قنا تعنى الرقص. «بلبص الجلبة»: رقص الجلابية، «نقبض القمري»: نمسك القمرى (والقمرى نوع من أنواع الطيور شبه الحمام). وتأكيدًا أن بلابيصا تعنى الرقص أو بلبص يعنى رقص، جاء فى المثل الشعبي: «من سوء بختي.. ما حبنى إلا الكلب.. بلبص (رقص) بديله.. ضحك عليا الخلق». وربما أتت كلمة بلابيصا من (بلبوص). ونرى البعض يقول بالعامية: «شوف الواد قالع بلبوص إزاي!». وأصل الكلمة هو الكلمة القبطية «بالبوش» وتعنى عريان وأعتقد أنها الكلمة المناسبة لعيد الغطاس، حيث فى هذا العيد يغطس الجميع فى النيل. وكان الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودى قد تحدث عن ذكرياته فى ليلة الغطاس بقريته «أبنود» بمحافظة قنا، بقوله: كان كل أطفال القرية، نصارى ومسلمين، يرفعون صلبانهم المضيئة بالشموع والمغروسة فى أعواد القصب. تخيل نفسك تطل من فوق سطح البيت وترى الصلبان المضيئة تمر تحت دارك بالمئات، وأمهاتنا يرششن الفشار وقطع السكر والحمص ويزغردن، ويمر الموكب من درب إلى درب، بشموعه المتلألئة والزغاريد، ويرددون أغنية البلابيصا. بالإضافة إلى أنه قديمًا منذ عشرين عامًا مضت، كان هناك فى الكنائس والأديرة مغطس يغطس فيه الأقباط فى عيد الغطاس بعد الصلاة على المياه الموجودة فيه. وقد اختفت هذه العادة فى الوقت الحالي. وذكر المؤرخون أن طقوس احتفال المسيحيِّين فى مِصر بعيد الغطاس كانت تُقام على ضفاف النيل بحمل المشاعل، ثم يُغطَّسون فى النهر بعد إتمام الصلوات وإلقاء الصليب المقدس فيه، ثم يعودون إلى الكنائس لإتمام بقية طقوس الاحتفال. واستقر إجراء طقس تقديس المياه فى عيد «الغطاس» داخل مبنى الكنيسة، حيث تُقام صلاة «اللَّقّان» ليلة العيد. وذكر «المسعودي» أنه حضر سنة 930م ليلة الغطاس بمصر، وكان «محمد بن طغج الإخشيدي» فى داره المعروفة «بالمختارة» فى الجزيرة. وقد أمر فأُسرجت المشاعل على شاطئ الجزيرة ومصر. وفيه يخرج الناس إلى الشاطئ، وحضر هذا الاحتفال مائة ألف شخص من المسلمين والنصارى. بعضهم كان فى النيل، وبعضهم فى الدور أو على الشاطئ. وكلهم أتى بما يمكنه من المآكل والمشارب وآلات الذهب والفضة والجواهر. ووصفها «المسعودي» بأنها أحسن ليلة فى مصر وأشملها سرورًا، ولا تغلق فيها الدروب، ويغطس أكثرهم فى النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض والداء. ويقول «ابن المأمون»: «كان من رسوم الدولة أن يُفرَّق على سائر الدولة فى ليلة الغطاس النارنج والليمون وأطنان القصب والسمك البورى برسوم مقررة لكل واحد من أرباب السيوف والأقلام». وقد أُبطل هذا الحفل فى عهد المماليك الشراكسة. ومن هنا نرى كيف أن التاريخ حفظ الفولكلور وسجَّله فى ذاكرته ووجدان الأجيال وعاطفة الشعب وبالمقابل صنع الفولكلور تاريخًا، فأعطى للأحداث أبعادًا شعبية، وضمن استمراريتها عبر الحكايات الشعبية والسير. وتجدر الإشارة إلى أن المصريين القدماء كان لديهم عيد يسمى «الانقلاب الشتوي» وكانوا يغطسون خلاله فى مياه النيل محتفلين بحرث الأرض ونثر البذور، وكان فى ذات توقيت عيد الغطاس. ختامًا، يمكن القول إن عيد الغطاس يعكس بوضوح التداخل بين الطقوس الدينية والموروثات الشعبية المصرية، حيث تتجلى رمزية الماء والطهارة من خلال طقوس المعمودية، التى امتزجت بتقاليد مثل استخدام القصب والقلقاس، وصناعة الفوانيس المضيئة. ويظهر بوضوح فى هذا العيد تجسيد للوحدة الوطنية والمشاركة بين المسلمين والأقباط فى الاحتفالات الشعبية، مما يعكس روح المحبة والتعايش التى ميزت المجتمع المصرى عبر العصور.