انتشر في الآونة الأخيرة مصطلح «التربية الإيجابية» بين مختلف فئات المجتمع، بهدف تعزيز طرق تربوية تهتم بالحالة النفسية للطفل وتلبي احتياجاته، ليصبح شخصًا سويًا ومتزنًا. وبمرور الوقت، بدأ بعض الأهل يلاحظون أن هذه الأساليب قد تؤدى أحيانًا إلى تدليل مفرط، ما ينعكس سلبًا على سلوك الأطفال، ليزداد الأمر سوءًا. فى هذا التقرير تناقش «آخرساعة» القضية مع عدد من الأمهات والمختصين للوصول إلى حلول تلبى احتياجات الجميع وتوازن بين التربية السليمة وضبط السلوك. تقول سارة، أم لطفل يبلغ من العمر 7 سنوات، إنها بدأت بتطبيق التربية الإيجابية مع ابنها أحمد منذ ولادته، وكانت تسعى دائمًا للاستماع إلى احتياجاته ومنحه حرية التعبير عن مشاعره. فى البداية، لاحظت فوائد كبيرة، فقد أصبح أحمد أكثر ثقة بنفسه، يستطيع التعبير عن آرائه بشكل جيد، ويشعر بالراحة فى بيته وبين أصدقائه. ومع ذلك، بدأت تلاحظ تدريجيًا أنه يستغل هذه الحرية بشكل مفرط، حيث أصبح عنيدًا ولا يتقبل أى توجيه أو عقوبة، حتى أصبحت الأمور تخرج عن السيطرة، وأصبحت تشعر بأنها فقدت القدرة على توجيهه عندما يخطئ. فيما تقول منى، أم لطفلة تبلغ من العمر 5 سنوات، إنها تبنت نهج التربية الإيجابية منذ البداية، معتقدة أن هذا الأسلوب سيجعل ابنتها أكثر تفهمًا وتعاونًا، وبالفعل كانت تتجاوب معها بهدوء، وتتعلم بسرعة. لكن بمرور الوقت، اكتشفت أن ملك أصبحت تعتمد بشكل مفرط على الاستجابة الفورية لرغباتها، وأى محاولة لرفض طلبها كانت تقابل بنوبات غضب وصراخ، حتى شعرت بأنها ساهمت فى خلق طفلة مدللة بشكل زائد عن الحد. ◄ مفاهيم خاطئة من جانبها، تقول الدكتورة عائشة حسن، المستشارة السلوكية والتربوية، إن هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة المنتشرة حول التربية الإيجابية، حيث يعتقد البعض أنها تعنى التدليل المفرط للأطفال، وعدم معاقبتهم عند ارتكاب الأخطاء، مع تلبية كل رغباتهم، ما يجعل الأهل يظنون أنهم يقدمون أفضل تربية ممكنة، لكن الحقيقة أن التربية الإيجابية لا علاقة لها بالتدليل المفرط أو بالقسوة المفرطة، بل هى توجه متوازن يهدف إلى تربية أطفال أسوياء وملتزمين. وتشير إلى أن أول من تحدث عن التربية الإيجابية كان عالم النفس ألفريد أدلر، الذى كان تلميذًا لسيجموند فرويد، وقام بوضع مبدأ الاحترام المتبادل بين الأهل والأطفال كأساس للتربية الإيجابية. وتؤكد الدكتورة عائشة أهمية المعايير التى تقوم عليها التربية الإيجابية، ومنها ضرورة بناء علاقة صحية مع الطفل قبل تصحيح أخطائه، وذلك من خلال توفير رصيد من الحب والحنان فى قلب الطفل، فعندما يشعر الطفل بهذا الحب، يكون أكثر تقبلاً للنصائح والتوجيهات. ومن المعايير الأخرى أن يكون هناك توازن بين الحنان والحزم، بمعنى أن يتم التعامل مع الطفل بحب واحتضان يومى، مع توجيه تصحيح الأخطاء بأساليب راقية تحترم مشاعر الطفل، وأيضًا التشجيع على استخدام العواقب الطبيعية والمنطقية بدلاً من العقاب البدنى أو اللفظى. ◄ اقرأ أيضًا | خبير اجتماعي.. نصائح تساعدك على تعديل سلوك الطفل العنيد ◄ منارة للأمل فيما تقول الدكتورة منار حسن، الاستشارية النفسية والتربوية: فى ظل سعى الآباء لتزويد أطفالهم بالمهارات اللازمة للنجاح فى العالم الحديث، تنتشر بعض المفاهيم الخاطئة التى تحجب الطريق إلى الأبوة الفعالة، ومن أبرز هذه المفاهيم أن التربية الإيجابية تعزز الرضا عن النفس وتقلل من الانضباط، بينما فى الواقع، فهم الجوهر الحقيقى للتربية الإيجابية ضرورى لتوثيق ثقة الآباء فى اختيار هذا الأسلوب التربوى والتغلب على تعقيدات تربية أطفال مرنين ومنضبطين. وتضيف: فى العصر الحديث، تواجه الأجيال القادمة تحديات لا حصر لها، من ضغوط أكاديمية إلى التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعى، هذه الضغوط قد تؤدى إلى زيادة مستويات التوتر والقلق وحتى الاكتئاب بين الشباب، والتربية الإيجابية تعالج هذه القضايا بشكل مباشر من خلال تزويد الأطفال بمهارات حياتية مثل المرونة، التعاطف، التنظيم الذاتى، وضبط النفس، وعندما نولى الأولوية للصحة العقلية إلى جانب التحصيل الأكاديمى، فإننا نعد الأطفال للنجاح ليس فقط فى الاختبارات المدرسية ولكن أيضًا فى تعقيدات وصعوبات الحياة. ◄ الأساطير والموضة ومن الأساطير الشائعة أن التربية الإيجابية تهتم فقط بتدليل الأطفال وتلبية رغباتهم، وتتجاهل التحصيل الأكاديمى لصالح الرفاهية العاطفية، لكن الحقيقة أن هذين الجانبين مترابطان بعمق، فقد أظهرت الدراسات أن الأطفال الذين يشعرون بالدعم والتقدير يظهرون دوافع أقوى للمشاركة فى التعلم، ما يؤدى إلى نتائج أكاديمية أفضل.. ويعتقد البعض أيضًا أن التربية الإيجابية هى موضة عابرة، لكنها فى الواقع تستند إلى أبحاث نفسية واسعة وتزداد انتشارًا حول العالم، هذا النهج يعكس تحولًا كبيرًا فى الطريقة التى ننظر بها إلى التربية، حيث نركز على رعاية الطفل ككل وليس فقط على قدراته الأكاديمية. ويمكن للآباء أن يلعبوا دورًا حاسمًا فى تطوير مهارات أطفالهم الاجتماعية والعاطفية من خلال تعزيز التعاطف والامتنان وممارسة اليقظة الذهنية، المناقشات العائلية حول المشاعر، الاحتفال بالنجاحات الصغيرة، والمشاركة فى الأنشطة المجتمعية التى يمكن أن تساعد الأطفال على فهم أعمق لأنفسهم وللعالم من حولهم. ويجب العلم بأن التربية الإيجابية توفر للأبوين استراتيجيات لتشجيع أطفالهم على الحوار حول العواقب والقرارات الصحيحة، ما يساعد الأطفال على تطوير مهارات مثل المرونة وحل المشكلات. واختتمت بأن العائق الوحيد الذى يؤدى لفشل الأسلوب الإيجابى مع الأولاد هو التذبذب والتردد والتنقل ما بين أساليب تربوية مختلفة، ما يزيد مقاومة الأطفال وعدم تعاونهم مع الوالدين.