3- و كأنها عدنا إلى منزل جدي بعدما دوّن ضابط الشرطة الذي حضر إلى المستوصف محضراً أثبت فيه التقرير الطبي والإصابات التي لحقت بأمي والتي لحقت بي أيضاً، تمنعت أمي كثيراً عن إثبات الواقعة ولكنها تحت ضغط خالي وضغط الطبيب أدلت بأقوالها ووقعت عليها. في بيت جدي استقبلتنا خالتي وشقيقة أمي الوحيدة، خالتي كانت في السنة النهائية بكلية الآداب وبينها وبين والدتي اثنتي عشر عاماً، وتصغر خالي بسبع سنوات، تتولى خالتي رعاية جدي بعد وفاة جدتي، رأيت على وجهها علامات الفزع عندما استقبلتنا وتلقت أمي من يد جدي وساعدتها على الدخول إلى غرفة خالي الخالية بعد زواجه وانتقاله من البيت. ألقى جدي جسده على أحد المقاعد وأغمض عينيه واستند بوجهه على كفيه قليلاً ثم رفع كفيه عنهما وأشار إلىّ أن أقترب منه، فلما اقتربت أخذني في حضنه وربت على ظهري وأبعدني قليلاً وقبل رأسي وطلب مني أن أدخل الحمام كي أغسل وجهي. غسلت وجهي وبينما كنت أرفع رأسي رأيت وجهي في المرآة، كدت أصرخ فزعاً من الكدمة التي أصابتني وأحسست أن ملامحي متغيرة، جففت وجهي وخرجت فلما رآني جدي أدرك ما بي وأخبرني أن هذه الكدمة لن تدوم وأنها ستزول خلال مدة وجيزة. كان الوقت قد تأخر، فاستأذن خالي في الذهاب وأذن له جدي، وبعدها خرجت خالتي وأخذتني إلى أمي، كانت أمي راقدة على السرير وطلبت مني أن أقترب منها، فاقتربت وأحاطتني بذراعها وقبلتني وطلبت مني ألا أهلع فهززت رأسي ولم أتكلم، لم أجد كلمات أقولها، لم أعرف ماذا يجب علي أن أقول، كل ما أشعر به هو الذنب، نعم شعرت بالذنب فلولاي ما حدث هذا، لما أهينت أمي وصفعت وأصيبت هكذا. وكما لو كانت تقرأ ما أفكر فيه وجدتها تقول أن لا ذنب لي فيما حدث، قادرة هي على قراءة أفكاري وما يجول في خاطري، شعرت حينها برغبة شديدة في البكاء ولكن الدموع كانت غائبة مستترة خلف صدمتي رافضة أن تستجيب لدعوات نفسي وروحي. حاولت خالتي أن تطعم أمي ولكنها رفضت أي طعام وطلبت من خالتي أن تعد لي العشاء، رفضت وكنت حقاً لا أريد أي طعام ولكن أمي وخالتي أصرتا فأخذت ساندوتش جبنة بيضاء وأكلته غصباً حتى أرضي أمي. رتبت خالتي أمر النوم وقالت لي أنني سوف أنام بجوارها، لكن أمي رفضت وصممت أن أبيت معها، لقد أسقط في أيدينا أننا لم نحضر أية ملابس، أحضرت خالتي ملابس نوم تخصها من أجل أمي، وبالنسبة لي فقد كان الأمر مشكلة فلا يوجد أحد في عمري كي يعيرني ملابسه، خرجت خالتي من الغرفة وعادت بعد قليل وقد أحضرت بنطالاً خفيفاً وفانلة ملونة وطلبت مني أن أقيسهما، كان القياس كبيراً إلى حد ما ولكنه أوفى بالغرض، عرفت حينها أن هذه ملابس خالتي فشعرت بالخجل، لكن خالتي هونت علي الأمر وقالت لي أن جدي سوف يشتري لي ملابس في الصباح. نمت بجوار أمي، في الحقيقة أدعيت أنني قد خلدت للنوم كما حاولت هي أن تدعي هذا، ولكن كلانا لم تغمض له عين حتى الصباح الباكر حين نهض كل من في البيت مفزوعاً على صوت طرق الباب بعنف، لقد كان أبي على الباب، خرج جدي من غرفته وطلب منا جميعاً أن نبقى في غرفة أمي، وفتح الباب وطلب من أبي أن يدخل وأن يخفض صوته، جدي على قدر طيبة قلبه وبساطته لكنه رجل حازم له حضور وهيبة، انصاع أبي وإن كان قد رفض الجلوس وقال لجدي أنه يريدني، جادله جدي وعاتبه على فعلته لكن أبي أصم أذنيه وقال له إنه غير مهتم بالمحضر ولا بما سيحدث ولكنه سيأخذني، طلبت أمي مني أن أبقى في الغرفة وخرجت لأبي وهي تمشي بصعوبة بالغة وخالتي تسندها وسمعتها من خلف الباب تقول له أنه من المستحيل أن يأخذني وإنها لن تسمح له بذلك، فقال أبي صارخاً في وجهها، هل صدقت أنه ابنك، أنت لا تمتي له بصلة، وتعرفين جيداً أنك لن تأخذي حضانته، فصرخت في وجهه طالبة منه الصمت حتى لا أسمع، دارت بي الدنيا وشعرت بجسدي ينتفض وخرجت من الغرفة وسألت أمي عما يقوله أبي وقبل أن أكمل كلامي شعرت بيد تتلقفني وأنا أسقط على الأرض. يتبع 4- و كأنها استفقت على يد جدي الجالس بي على الأرض بعدما قربت خالتي زجاجة عطر إلى أنفي، كنت أتمنى ألا أستفيق، حتى هذه اللحظة كنت أفضل الموت على أن أفتح عيناي مرة أخرى وأرى جدي يمسح على رأسي ويقرأ آيات القرآن وهو يبكي ويتوقف قليلاً ويقول لأبي المتحفز أنه مجرد من الشعور والإنسانية والرحمة، وأبي مصمم على موقفه، حتى طلبت منه أمي أن يخرج خارج البيت وإلا فإنها ستستمر في ملاحقته جنائياً حتى تدخله السجن. لم يتخل أبي عن صلفه وعناده، بل تمادى في التحدي وقال لأمي، أمي؟!!، قال لهذه السيدة التي لا أعرف لي أماً غيرها أنني طفل مشؤوم، فصرخت فيه قائلة له أنها سوف ترتكب جريمة لو نطق كلمة واحدة، ونظر له جدي وهو يشير إليه بسبابته وقال له أن هناك حد إذا تجاوزه فلن يسلم أبدا. نفخ أبي وزفر وغادر البيت وهو يتوعد ويرغي ويزبد، بينما ساعدتني خالتي أن أقف واقتربت مني أمي، أمي ولا أعرف ماذا أناديها سوى أمي، احتضنتني وهي مستندة على الحائط وسألتها باكياً إن كان ما قاله أبي حقيقةً أم كابوساً يعتريني، فقالت لي أنت ابني وحبيبي ولا تستمع لترهات أبيك المختل، ثم رفعت رأسي والتقت عيناها الدامعة بعيني وقالت لي أن لا أهتم بما قاله أبي ولا ألتفت إليه مهما ردده على مسامعي. لم تطمئنني كلمات أمي، لقد زادت في قلبي الخوف والوجل، شعرت أنني بلا قيمة، لماذا يصفني أبي بأنني مشؤوم، أي شؤم جلبته معي، منذ فتحت عيناي على الدنيا وأنا منزوي قليل الحركة والكلام مختبيء خلف أمي، من المشؤوم في حياتنا، هل حقاً أنا، لقد كنت أنت يا أبي الشؤم ذاته، جعلتني أعيش منبوذاً لا أعرف لنفسي ذنب ولا جريرة. هل حقاً هذا الرجل الباكي أمامي ليس جدي، وهذه المحبة الحنونة ليست خالتي، وكلمات خالي التي كانت تتردد في أذني وهو يطلب من أمي أن تتركني لأبي، هذا الرجل ليس خالي، لقد قادتني تساؤلاتي إلى شعور لم أعرفه من قبل، شعرت أنني مجرد شئ يتقاذفه الهواء، لا رابط لي بأحد، حتى أبي لا يربطني به سوى الاسم، ربما هناك طريقة كي أتخلص من اسمه الذي يذكرني به، ربما يجب أن أهجر كل شيء، نعم في عمري هذا كبرت جداً، كبرت حتى شاخت روحي وباتت خاوية جوفاء، للحظة تمنيت أن أختفي من هذه الدنيا ومن الوجود، تباً لك، تباً لك، يالك من مسخ في صورة أب. لم أكن أشعر حينها أنني لازلت في أحضانها، لم أكن أشعر حينها بأن جسدي يرتج وينتفض، لم أنتبه إلا وهي تطلب من جدي أن يحملني إلى السرير، ورقدت وأنا لا أتكلم، حاولت أن أتكلم، كنت أظن أنني أتكلم، كنت أعتقد أنني أصرخ وأقول كلاماً كثيراً لكنني في الحقيقة قد فقدت النطق. اتصل جدي بخالي وطلب منه أن يجد طبيباً يحضر إلى المنزل بأي شكل ومهما كان المبلغ الذي يريده، بعد ساعة حضر طبيب شاب، تحدث معه جدي على انفراد، وكشف الطبيب علي وطلب من خالي أن يشتري حقنة مهدئة من الصيدلية وحقنني بها ورحت بعدها في سبات عميق وقال لهم أنني سوف أتحسن بعدها. لا أعرف كم ساعة غبتها عن الوعي، ربما أكثر من عشر ساعات، فتحت عيناي بصعوبة لأجد عمتي الكبرى جالسة إلى جواري من جانب وأمي وخالتي من جانب آخر، اندهشت من وجود عمتي فقد كانت في العجمي في انتظارنا، لاحقاً أدركت أنها اتصلت بأمي تستعلم عن موعد وصولنا وأخبرتها أمي بكل ما جرى، حاولت أن أتكلم فربتت أمي على كتفي وطلبت مني أن أستريح، نظرت إلى عمتي ورأيت في عينيها علامات الصدمة والحزن، وعلى قوتها وكلمتها المسموعة لدى أشقائها وشقيقاتها، إلا إنها كانت سيدة عاقلة وعطوفة، طلبت مني ألا أتحدث وألا أرد على كلامها وقالت لي أن لا أستمع إلى كلام هذا المجنون الذي فقد عقله، كانت تقصد هذا المشؤوم أبي. الجميع يطالبني ألا أستمع لكلماته ولكن لا أحد يؤكد أو ينفي، كنت أريد كلمة واحدة أسمعها تحمل يقيناً وتأكيدا، كلمة واحدة تقول لي فيها أن هذه السيدة هي أمي فعلاً، ولكن لم يفعل أحد. استجمعت قوتي وتحدثت وقلت لهم جميعاً إنني لن أهدء ولن أرتاح إلا إذا صارحوني بالحقيقة، نظرت إلى أمي وسألتها وإلى عمتي وجدي وخالتي، سألتهم جميعاً من أنا ومن هم وإن كانت هذه التي تبكي وتحتضنني ملهوفة ملتاعة علي هي أمي أم لا. تحدثت عمتي بهدوئها المعهود وقالت لي إن الأم هي التي ربت وحنت وعطفت ورعت، وأنها أمي بكل هذه المعاني، وطلبت مني أن أتفهم ما سوف تقوله، قاطعتها أمي طالبة منها ألا تخبرني، لكن عمتي قالت لها إن ما حدث قد حدث، وإن أفضل وقت كي أعرف هو الآن وننتهي من هذا الموضوع، ثم نظرت إلي و قالت إن أمي قد توفت خلال ولادتي بعملية قيصرية، وقبل أن أتكلم قالت أن لا ذنب لي فقد كانت أمي مريضة بالقلب ولم تتحمل العملية وإن ما يقوله أبي من أنني مشؤوم هو عار عليه ومحاولة منه أن يخفي جريمته، فقد صمم على الحمل رغم علمه بمخاطر العملية وتحذير الأطباء له، والآن هذه هي أمك، شاء من شاء وأبى من أبى وسوف تظل معها وسوف تعيش في بيتك ولي كلام آخر مع هذا المعتوه، ثم نظرت إلى أمي وقالت لها، هيا معي نأخذ حقائبكم من المنزل ونذهب إلى العجمي.