سوف أُنكل به وأجعله ضيفاً دائماً في المحاكم، بإذن الله سوف أحبسه، ها هي القائمة، كانت أمي تقول ... هذا الكلام لخالي وقد أحضرت عدة وريقات أصفرت بفعل الزمن وجلست بجواره وهي تقول له، انظر هنا هذا الأنتريه غير موجود لأنه غيره بآخر منذ ثلاث سنوات، عندما يعرض على الأثاث سوف أرفضه لأنه لا يطابق الوصف الوارد هنا في القائمة، وهذه الثلاجة أيضاً لقد اشترى بدلاً منها بعد أن تعطلت، لن يستطيع أن يحضر نفس الموديل لأنه لم يعد موجوداً في السوق هذا فضلاً عن أجهزة أخرى. لم يقصر خالي فقد قال لها أن تطالبه بالذهب، فضحكت ضحكة غريبة قائلة إن الأمر لم يفت عليها، لم أعرف ما هي القائمة ولماذا سيحبس أبي بسبب الثلاجة والأنتريه والذهب، كان حديثاً مدخراً كي أعيه في المستقبل، ورغم إن أبي خلال غيابه قد أرسل مصروف البيت المعتاد، لكن أمي قررت أن تطالبه بمبلغ النفقة، أحاديث تكفلت بكبري قبل الآوان وفتحت عيني عن وجه مظلم للحياة، كان أكثر ما أحزنني أن أبي لم يأت يوماً لزيارتنا، لقد كان صديقي ودائماً بيني وبينه حديث، هل حقاً نسينا أنا وأختي، هل حقاً أصبحنا في المنتصف ما بينه وبين أمي تصيبنا شظايا معركتهما. تراكمت المخاوف يوماً بعد يوم، وكانت شقيقتي ملتصقة بي طوال الوقت، في الليل تبكي حنيناً لأبي وتسألني أسئلة صعبة لن أرددها فلا أريد أن أبكي ولا أريد أن يبكي معي أحد، في العاشرة من عمري كان علي أن أحتضنها و أطمئنها و أنا الذي يرتعد خوفاً. بعد أسبوع من رحيل أبي استلمت أمي ورقة من شخص طرق باب بيتنا، عرفت فيما بعد أنه المحضر، لا أعرف لماذا فوجئت أمي بمضمون الورقة، لقد سبق أن قال لها أنها طالق، وها هو يوثق يمينه ويعلنها بالطلاق، أخذت الورقة منه ووقعت بالاستلام وصوتها يعلو بالدعاء عليه ألا يربح دنيا ولا آخرة، وبالطبع كانت خالتي أول من تلقت الأخبار. من هذه اللحظة بدأت رحلة جديدة، لقد رفعت أمي قضايا كثيرة رغم إن أبي لم ينازعها في حضانتنا ولا نفقتنا ولا حتى حقوقها من مؤخر وتفاصيل كثيرة لم أكن أعيها في حينها، يبدو أن أبي كان قد حسم أمره في التخلص من علاقته بها، لكن ألم تشتاق إلينا يا أبي كما نشتاق إليك، ألم تفكر فينا مرة أو نمر على خاطرك، ألم يكن لديك فضول لتعرف كيف أصبح حالنا أو كيف نشعر، أم أنك في خضم تخلصك من علاقتك بأمي قررت أن تتخلص منا أيضاً، ما أصعب أن يشعر طفل أنه لا قيمة له لدى أبويه، لا يشعر أنه عزيز عليهما، أن يشعر أنه ليس محل اهتمامهما، لقد شعرت حينها أنني لا شئ، لا أساوي شيئاً، كان شعوراً بائساً حقاً، ربما لم تشعر به شقيقتي لأنني كنت احتضنها و أهتم بها بينما لم أجد من يمنحني هذا الشعور، فقط هذا الشعور الذي يجعل لك قيمة بينك و بين نفسك. مضت ثلاثة أشهر، دارت عجلة النزاعات القضائية، لا جديد يسعد النفس، الحقيقة أن كل جديد كان يحمل هماً يضاف إلى همومي، حتى طرق عمي باب بيتنا مساء أحد الأيام، جاء كي يطلب من أمي أن تسمح لأبي أن يرانا، و رغم رفض أمي القاطع و معاملتها القاسية لعمي و انتهاء الزيارة بلا نتيجة إلا إنني استرديت بعض الأمل، ها أنت تأتي متأخراً جداً، أنت الذي كنت دائماً تقول لي إننا أصدقاء و إنني و شقيقتي أغلى ما لديك، استلزمك الأمر ثلاثة أشهر كي تشتاق إلينا، و لكن هل ابن العاشرة يستطيع أن يلوم أو يحاسب، لقد أصبحت و شقيقتي أسرى هذا النزاع الذي حل بالبيت بينما أنتما تمارسان حياتكما كما يحلو لكما. أصبح المحضر شخصاً مألوفاً في بيتنا، فكما رفعت أمي حزمة الدعاوى القضائية ضد أبي، رفع هو أيضاً قضية رؤية، خرجت أمي فور تسلمها الإعلان لمقابلة المحامي و هي تردد كلمات كثيرة و عبارات مريرة تبينت منها كلمة على جثتي، كلمة لم أفهمها و شغلت بالي حتى سألت مدرستي عنها ففهمتني معناها ثم قالت لي أنني يجب أن أقابل الإخصائية الإجتماعية لأن حالي يسوء يوماً عن الآخر، كما أخبرتني أنها ستتصل بولي أمري حتى يحضر، الحق إنني تمنيت أن يحضر. في مكتب الإخصائية دار الحديث و استطاعت أن تسحب مني الكلمات لكن لأول مرة أجد نفسي أتلعثم و لا أستطيع أن أجمع عبارة واحدة حتى شعرت أنني قد قاربت على التشنج، فقامت من فورها و أخذتني كي أغسل وجهي و أحضرت لي بعض العصير و قالت لي أن أقضي اليوم معها و رفضت أن أدخل الفصل و أنا في حالتي هذه ثم قالت لي بهدوء أنها تريد أن تفعل شيئاً يسعدني فقلت لها يا ليت أن تصر على حضور أبي، لم أكن أدري أن كلمتي هذه سوف تبكيها. يتبع