محافظ أسوان يؤكد على أهمية التلاحم والتماسك بين الجهود التنفيذية الجارية    وزير الدفاع يوصي رجال القوات المسلحة بالحفاظ على أعلى درجات الاستعداد القتالي لتنفيذ جميع المهام    رئيس جامعة كفر الشيخ يفتتح مهرجان الأنشطة الطلابية الرمضانية بجامعة كفر الشيخ الأهلية    السيسي يستقبل رئيس مجلس إدارة شركة GCL الصينية    تراجع سعر اليورو اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026 أمام الجنيه بالبنوك    النائب مصطفى سالم: الدولة تحتاج موارد والمواطن يجب أن يطمئن أن سكنه ليس عبئا    وزير الاتصالات يشهد توقيع عدد من الاتفاقيات لتعزيز الاستثمار وتحسين جودة الخدمات    جلسة الأربعاء توسع نزيف الخسائر في البورصة    وزير الخارجية يؤكد دعم مصر الكامل لجهود تحقيق الأمن والاستقرار في جنوب السودان    مسيرات روسيا تستهدف البنية التحتية الأوكرانية.. وكييف تشن هجوما مضادا (فيديو)    صراع الصدارة، مباريات بيراميدز المتبقية في الدوري المصري    الإسماعيلي ينعى اللواء إبراهيم إمام مدير النادي السابق    الناس كلها حزينة.. انهيار وبكاء أثناء تشييع جثمان فتاة بورسعيد المتوفية بمنزل خطيبها    المشدد 10 سنوات للمتهم بتزوير المحررات الرسمية في روض الفرج    دفاع فرد أمن «كومباوند التجمع» يطالب بأقصى عقوبة للمتهم وتعويض 10 ملايين جنيه في واقعة اعتداء    سفارة مصر باليونان تكشف أسماء الناجين من حادث غرق مركب الهجرة غير الشرعية    حقيقة ادعاء سائق بدفع «فلوس» لعناصر تأمين الطريق لتحميل أجانب بالأقصر    «لفقولي قضية في المرور».. الداخلية تكشف حقيقة ادعاءات مواطن بالفيوم    شيري عادل تخطف الأنظار بأداء مذهل في الحلقة السابعة من «فن الحرب»    الليلة.. "مسيرة الحصري" في أمسية رمضانية بقصر الإبداع الفني    أمين البحوث الإسلاميَّة: امتداد السند وصولًا إلى الإمام الطيِّب شاهد على رسوخ الأزهر    نائب رئيس حزب المؤتمر: «صحاب الأرض» نموذج للدراما الوطنية الداعمة لقضية فلسطين    مي عمر تفقد والدها في الواقع بعد ساعات من مشهد رحيله في "الست موناليزا"    وزيرة الإسكان تبحث إجراءات تشغيل "حديقة تلال الفسطاط"    محافظ القليوبية: نشهد طفرة في القطاع الصحي غير مسبوقة    أردوغان يعلن بدء التحقيق بسقوط مقاتلة إف-16    الصيام المتوازن للمرأة العاملة، نموذج غذائي يمنع الإرهاق في العمل    السيطرة على حريق بمنزل دون إصابات بشرية في طما بسوهاج    الخارجية تتابع بشكل مستمر احتياجات وشئون المصريين بالخارج    سبورت: تحركات من برشلونة للإبقاء على راشفورد    الرعاية الصحية تطلق حملة لحماية مرضى السكري من مضاعفات القدم السكري بجنوب سيناء    محافظ القاهرة يطلق فعاليات «أبواب الخير» بالأسمرات لتوزيع 40 ألف كرتونة    25 فبراير 2026.. الذهب يرتفع 40 جنيها وعيار21 يسجل 7000 جنيه    موجة برد تضرب الشرقية.. ورفع درجة الاستعداد لمواجهة التقلبات الجوية    «مديرة المبادرات الصحية»: «المقبلين على الزواج» تطلق حزمة فحوصات لضمان صحة الأجيال| فيديو    اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ووزيرة خارجية الفلبين    بمقولة الوطن باق والأشخاص زائلون، علاء مبارك يحيي ذكرى وفاة والده بكلمات مؤثرة    الطفولة والأمومة: خطة متكاملة لحماية الأطفال من المحتوى الضار إلكترونيا    كله هيصرف.. وكيل تموينية قنا يطمئن مستحقي منحة رمضان    جوتيريش يعلن تعيين مبعوث جديد للأمم المتحدة إلى السودان    وزير التعليم العالي: الدولة تدعم تطوير الجامعات التكنولوجية    رئيس وزراء باكستان يجري محادثات مع أمير قطر في الدوحة    بث مباشر مباراة النصر والنجمة اليوم في الدوري السعودي.. الموعد والقنوات الناقلة والمعلق وتشكيل العالمي    الجناح الناعم ل«تنظيم الدم».. كيف كشف «رأس الأفعى» استغلال الجماعة الإرهابية للنساء؟    عدوى وجفاف.. القصر الملكى النرويجى يعلن أخر تطورات الحالة الصحية للملك    وزير الصحة يبحث تفعيل تقنية الروبوت الجراحي لتعزيز المنظومة الطبية..والبداية من «معهد ناصر»    بشرى: المرأة قوية ولا تنتظر رجلًا ليقرر استقرارها    تصريح صادم من «ترامب» حول العاصمة الأمريكية: «خالية من الجريمة»    يارا السكري: مشهد "موت أيمن" في "علي كلاي" الأصعب بالنسبة لي    إدارة الأهلي تتحرك مبكرًا لصفقات الموسم الجديد قبل انطلاق الميركاتو الصيفي    رغيف واحد أفضل من عبادة سبعين عامًا.. قصة من أسرار الصدقة    حكم إلزام الطفل بصيام رمضان.. وما السن الواجبة لأداء الفرض؟    مع سابع أيام رمضان.. موعد أذان الفجر اليوم الأربعاء 25فبراير 2026 في المنيا    أمين البحوث الإسلامية يهنئ أحمد الطيب بالموافقة على إنشاء كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بالقاهرة    ماروتا: غير صحيح اتفاق إنتر مع سيميوني    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون سابع ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية عطرة    الزمالك يوضح سبب استبدال عمر جابر في مباراة زد بالدوري    حرس الحدود يفوز علي إنبي بالدوري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وقائع حياة هاربة
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 14 - 11 - 2021

مستندا إلى ظهر سريره وممددا ساقيه تحت غطاء رقيق كان يرى فى المساءات أشياء جميلة حكايات تتشكل وتنساب أمام عينيه
وهو مستغرق فى حالة من الاسترخاء والسكينة كانت يد فنان خفي هادئ النفس ذو سمت وقور هى التى تلتقط الفرشاة وتقوم بشق مسارات لها فوق الجدار المواجه له، بالرسم والخطوط البديعة. من الجانب اليمين تكون البدايات
يكتب: باسم الله قبل كل شيء، ثم يظهر عنوانًا موحيا لحكاية شائقة تتفوق على سابقتها وعلى كل حكايات العالم تجيء التصاوير معبرة لا تحتاج غير كلمات قليلة تعرب عن نفسها بالدلالات والرموز والإيحاءات البليغة يستشعر معانيها يتآلف مع مفرداتها لا تستغرق الحكاية وقتا ساعة أو أكثر، أو أقل قليلا، لكنها تجيء فى النهاية مكتملة العناصر
ومحكمة بشكل دقيق تفاصيل لا يمكن نسيانها، حتى لو مرت عليها سنين، أحيانًا تكون قطعة فريدة يصاحبها سرد شفيف بالغ النقاء مزيج مدهش من لغة منمقة وأنيقة
ومصفاة على نحو شعرى كثيف كان نهرا عذبًا صغيرا يجرى فى بيته متدفقا بالحكايات والأساطير. فى بعض الليالى كانت الدموع تنسال من عينيه عندما تكون الحكاية مشحونة بطاقة من الشجن والأحزان الجليلة يحترق ويتألم يشف بعدها يصبح طائرا رشيقا يحلق فى الأجواء يتهادى فوق فراش لين ووثير؛ يجلب نوما هادئًا وأحلاما لا تعرف الضغينة.
فى الأيام الأولى كان يعود مسرعا إلى بيته يقف تحت رشاش الماء يزيل الغبار العالق
وإجهاد النهار الثقيل يدخل فى إغفاءة سريعة يتلقى بعدها حكاية قصيرة تنطبع تفاصيلها فى ذهنه بعد الأثر الشاق للمذاكرة ومراجعة المحاضرات كان يرغب فى التفوق خصوصا
وهو فى مقتبل الحياة ولا يريد أن يمضى العمر سدى لقد تجاوز العشرين دون انفجارات مدوية لم يفقد براءته الأولى. متحاشيا كل ما يؤدى إلى الإطاحة بتوازنه النفسى وهدوئه العميق ما زال على الفطرة كل الأشياء فى أماكنها لم تحركها دوافع الشر والتطلعات المجنونة بدا ذلك واضحا فى وجهه المضيء
والهالة المشعة التى لا يلحظها سوى الناس الطيبين وهم يرمقونه بحذر ثم يقومون بالدعاء له بظاهر الغيب أن يظل كيانًا بهيا محافظا على هذه الطاقة النورانية الجليلة
وأن يذوب فى هذا الورع ولا يفارقه نقاء الطفولة يبتهلون إلى المولى من أجله، ثم يمضون إلى حال سبيلهم، دون أن يشعر بهم، إنهم أهل الباطن الذين لا يتعاملون مع ظواهر الأشياء
ويعرفون أن كل محبوب جميل، ولا يلزم العكس، وأن أمر الدنيا لا يتيسر دون معاناة وكذلك أمر الآخرة لا يُدرك دون معاناة هؤلاء الذين تدور بين روحه وأرواحهم حوارات خفية داخل عالم نورانى مستور تحكمه قوانين غير مدركة تحدد كثيرا من قواعد وتفاصيل هذا الجزء اللامرئى من الوجود. لم يكن الطريق معبدا على الدوام كانت هناك بعض الكمائن التى يقوم بها البعض عن عمد وسوء نية
وكان ينجو ويفر هاربًا آخر هذه المحاولات كانت عن طريق أحد زملائه فى الكلية لقد دعاه إلى منزله بحجة مراجعة بعض المحاضرات التى لم يستطع استيعابها ويعلم تفوقه فيها كان يلح عليه بشكل متواصل حتى استجاب له متحرجا من عدم تلبية دعوته.
عند ذهابه استقبله بابتسامة عريضة؛ فهو لم يكن يتوقع حدوث هذه الزيارة إنها أقرب إلى المستحيل.
- دقيقة واحدة وأعود إليك.
قالها بلهجة مرحة ثم تركه وحيدا فى غرفة الاستقبال. لم يكن أمامه سوى تأمل الغرفة مع مرور الوقت بدأ يشعر بالضيق وخطر له أن يهم واقفا ويقوم بالمناداة على صديقه يخبره برغبته فى الانصراف لأن ذلك يتنافى مع حسن الضيافة والذوق السليم.
ولكن قبل أن يتحرك من مكانه ويقوم بتحويل هذه الفكرة إلى واقع قابل للتنفيذ؛ وجد جسدين فائرين يسدان عليه باب الغرفة يطلان عليه مع ضحكات ماجنة.
وجهين مألوفين رآهما كثيرا. إنهما زميلتان ويعلم أنهما لا تمتان بصلة قرابة لمضيفه. ثم ما هذا؟ إنهما كعاريتين لايغطى جسديهما سوى قطع صغيرة لاتُخفى شيئًا. قبل أن يفيق من هذه الصدمة ويقوم بتركيز أفكاره والسيطرة على الانفعالات المربكة التى طرأت عليه وشوشت أفكاره ظهر
الشاب أخيرا تصاحبه ضحكة مجلجلة كان يقف وراءهما بسروال قصير لبث برهة على هذا الوضع. ثم أحاطهما بذراعيه قائلا:
- ما رأيك فى هذه المفاجأة؟
ثم أضاف متوددا:
- اِختر.
انعقد لسانه وبدا ذاهلا وهو يواجه اللحم العارى للمرة الأولى فى حياته لم يكن يتصور أن تجرى الأمور بهذه السهولة.
- أُرشح لك هذه المجنونة؛ فهى صاحبة الفكرة وتريد التمكن منك بأية وسيلة.
كان يواصل حديثه المرح ببساطة متناهية.
- أريد الذهاب.
نطق بها بعد أن هب غاضبا.
تجاهل الشاب مطلبه ودفع إليه بالفتاة المعنية.
- إنها ساعة زمن لا أكثر.
اقتربت الفتاة منه بخطوات رشيقة، ثم قالت وهى تتلوى كنمرة مدربة على اصطياد فرائسها:
- هل أنا دميمة إلى هذا الحد؛ حتى تتحاشى النظر إلى؟
- أرجو ِك. لا تقتربى.
قال بنبرة حادة.
لم تعبأ بتحذيراته، بل راحت تقترب منه على نحو لعوب. عند هذه النقطة، أخذت تصدر عنه تصرفات غريبة وغير مترابطة، تراجع إلى الوراء منزعجا، فاصطدم بالمقعد الذى نهض عنه منذ لحظات، سقط عليه مرة أخرى بوجل شديد، ثم دفن وجهه بين كفيه وأخذ يبكى بصورة محمومة، بكاء عاصفا أثار فى نفوسهم ألًما شديدا، تلاشت معه تفاصيل المزحة المعدة سلفا، ودار فى أذهانهم شيء واحد: كيفية الخروج من هذا المأزق، بعد أن تحول الأمر برمته إلى ورطة سخيفة تحتاج إلى حل سريع. نظر الصديق إلى الفتاتين نظرة توحى إليهما بالانصراف، ثم شرع فى محاولة يائسة لتهدئته
والاعتذار إليه عن هذه المؤامرة التى انجر إليها دون ترو. قال بصوت متردد يحمل كل معانى التحرج:
-كنت وغدا معك.. ظننت أنك تتظاهر بالعفة والنقاء، ولكنى الآن أثق فى هذه الصفات بمقدار ثقتى فى وقاحتى.
لقد لاحظ فعلا أنه لم يحاول النظر إلى الفتاتين والتهامهما بعينين نهمتين أو اختلاس النظر من طَرف خفى، خصوصا وهو يعلم صعوبة تجاوزهن، أو عبورهن بهذا التجاهل الطبيعى
وراعه تكدر ملامحه وإظلام وجهه من شدة الغضب؛ فقد كان يتوقع انهياره السريع، سقوطه أسيرا فى قبضة إحداهن. اعتذرت البنتان أيضا وهما فى غاية الخجل، بدا عليهما شعور بالإثم ظل ملاز ًما لهما كلما رأتاه بعدها فى قاعة المحاضرات، أو فى أروقة الجامعة، كانت العينان تنخفضان وتنظران إلى الأرض منكسرتين بشيء من الندم رغم عدم اكتراث أيهما بالأقاويل التى تلاحقهما أو تنال من قيمتهما، فهما منطلقتان كمهرتين جامحتين إلى أبعد مدى.
كانت هناك محاولات أخرى ولكنها أقل خطورة، تفاصيل صغيرة وعابرة، أما هذا الاقتحام الجريء فقد صدعه بألألم وأسلمه أياما عديدة للمرض.
كثيرا ما كانت تطل عليه صورة الأنثى، تلح عليه إلحاحا شديدا بأطيافها الثرية، لكنه يقوم بتسكين هذا الهجوم المباغت واللحوح، بالصوم واللجوء إلى كتاب الله، قارئًا بصوته بعض السور، مجوًدا لها كمقرئ كبير. يلجأ إلى أوراد الصالحين، يستغرق فى مزيد من المذاكرة، والرياضة البدنية المرهقة، مرددا فى نفسه: لن يفتح هذا القلب إلا عن طريق الزواج
ولن تشاركنى إحداهن الفراش إلا بعقد موثق. معتبرا أن القدرة على احتمال هذه الضغوط وتمريرها يعد ادخارا جيدا ليوم الحساب، وما عدا ذلك إعاقة للروح والجسد، إهانة خالصة الأنثى وكينونتها. كان التزامه يعضده، يخفف عنه ضغط هذه الغرائز القاتلة، يطرد أى فكرة تدفعه للإنزلاق إلى عالم الخطيئة.
لم يكن المسكن بالغ الاتساع ولكنه كان نظيفا جدا، مرتبا، يبدو كاستراحة صغيرة أعدت خصيصاً لتأوى إليها الملائكة، بعد طوافها السرمدى فى أرجاء الكون، ثم تعاود طيرانها. لقد حضر من قريته عند التحاقه بالجامعة
وسكنه فى هذه المدينة الصاخبة، آخذا مفاتيحه من شقيق والده الذى عاد إلى القرية منذ سنوات بعد أن أحيل إلى التقاعد وانتهى من تزويج أبنائه. عاد وفى يديه مكافأة مالية كبيرة أنشأ بها مزرعة لتربية العجول نجح فى ذلك على نحو أذهل كل أقاربه. هل رأى عمه أو أحد أبنائه ما رآه؟ كان يتساءل. فمن غير المعقول ترك هذه الجنة اليانعة
والسرود المستحيلة وتفضيل الحياة بين الماشية بديلا عن هذا العالم. غالبا لا أحد رأى ما رآه أو شعر بتلك المشاعر وعاين مثل هذه اللحظات طافيا فوق الواقع
ومستغرقًا فى المعنى الحقيقى للدهشة، فهذا كنزه الحقيقى، ومنحة الرب له. كان يمارس حياة عادية تقاس بكم الأشياء التى يستغنى عنها، وتلك الأشياء القليلة التى يحتاج إليها، يسير وفق منهاج بسيط فى الحياة، بخطوات جد مختصرة، لكنها صنعت منه إنسانًا آخر، موجودا بين الجموع، لكن داخل حصن منيع، يمنع عنه امتصاص الشرور المتطايرة، محبا لكل البشر، لا يمتعض من أكثرهم سواء، فهو يعلم أن الحياة محنة حقيقية واختبار ثقيل، وأن عدد الناجين منها قليل، أما الجوهر الحقيقى للمشكلة فيكمن فى عدد الذين لا يعلمون. لم يكن انعكاسا لصورة المتصوف النمطى، أو الزاهد التقليدى القادم من بطون الكتب، كان إنسانًا سويًّا يعيش بين الناس، لكنه يتجنب الوقوع فى خطاياهم. مزايا قليلة ولكنها مكرسة بصرامة وإصرار لا يعرفان التنازل. يعتقد أن من لم يطلع على مثل هذه الأسرار فهو شقى، لم يعرف طعم السعادة، ويشعر فى دخيلة نفسه أن ما لديه يفوق التصور. لذا راحت تراوده بين حين وآخر فكرة ما، وتلح عليه إلحاحا كبيرا، منخرطا فى تفاصيلها وقتا طويلا: لماذا يستأثر بهذا
الكنز وحده؟
كان قلقا من احتمالات الأنانية والاستحواذ، معذبًا بهما، ما دفع هذه الخواطر إلى التصاعد بقوة وجعلها تسيطر عليه. كان يختلس نظرات خجلة وسريعة إلى إحدى الزميلات، فتاة رقيقة، يظلل الحياء ملامحها، ويسدل عليها بساطًا جميلا، كانت تمشى وحيدة، منطوية على ذاتها، لا تذوب فى هذا الصخب الجامعى، لا صداقات من أى نوع، لا تلكؤ فى الأروقة، خطواتها هادئة، مستريحة واحتشامها بادى الوضوح. انشغل بها كثيرا. إنه الآن أمام نموذجه المفضل وأنثاه المستحيلة، التى قد تجذبه وتستهويه، تجعله يفكر بجدية. كان يبدو أن هناك قوة غامضة تبقيها ماثلة فى ذهنه. حتى صارت هاجساً لا ينمحى. بدأ يعرف معه الأرق، وخفقان القلب ويمضى مستسلما لهذه العواطف، مذعناً لطرقها المتواصل.
بمجهود فردى وبسرية تامة، شرع فى مراقبة الفتاة عن بعد، وعلى نحو حذر. كان يريد التأكد من استقامتها، ومن هذا المنحى الجاد: هل هذه الصفات تلازمها فى الجامعة فقط، أم أن هناك حياة أخرى تحياها بطريقة مختلفة؟ حياة مغايرة لا تنتمى إلى هذه الصورة الماثلة أمامه؟
بعد مجهود كبير وصبر يفوق صبر قُفاة الأثر، وبعد رحلات تتبع متكررة يو ًما بعد يوم، استطاع التأكد من الجانب الآخر لحياتها وتكوين صورة شاملة، واضعاً لها درجة الصفر فى عدد الأخطاء التى كان يتوقع حدوثها، وجدها تطابق المثال الرابض فى ذهنه. إذن، لم يعد غير خطوة واحدة، وهى محاولة التقرب منها، التعرف إليها، كانت هناك وسائل عديدة بين الطلبة وأساليب كلاسيكية، أما اليوم فالأمور أكثر بساطة وأقل تعقيداً، ولكنه فضل الوصول إليها عبر أكثر الطرق تحضراً، لابد أن يتم كل شيء بصورة مهذبة، تليق بشخصين دمثين لا يقبلان السقوط فى تصرفات مبتذلة، يعرف صعوبة المحاولة مع فتاة بهذه الخصال الفريدة، ويعلم أنه غير خبير فى هذا المجال، دافعه الأساسى هو اصطفاء من تستحق اقتسام عالمه الثرى بعد شعوره بأنه من الغبن الاستئثار بهذا العالم وحده دون بقية البشر، يريد من يشاركه السر ويعاين معه هذه الأشياء، لم تستغرق المسألة وقتا طويلًا، فقد تم التعارف وإبداء الرغبة فى الصداقة بعد حوار قصير جاء خالياً من الصدود والمفاجآت، جعله يستغرب ذلك بعض الشيء، فهو لم يكن يتوقع أن تمضى الأمور بهذه البساطة، لكن إفتتانه بالفتاة، وبروعة التجربة التى يخوضها للمرة الأولى قضيا سريعاً على تردده، انساق إليها بكامل طاقته، مأخوذاً بمشاعر مختلطة وانفعالات لم يكن يعرف عنها شيئاً. كان يجلس إليها محتفظاً بهدوئه الأصيل، متأملًا فى صمت كم هى عميقة العينين وجميلة جداً. مستكشفاً فى بطء عوامل أخرى وراء هذه البحار الفسيحة، ناطقا على استحياء بكلمات رقيقة، دافئة، دفعت الفتاة إلى الإحساس بأنها تعيش أحد عصور الحب العذرى، شاعرية الأماكن المختارة بعناية، اللقاءات المتكررة،
إنصاتها الحالم وهى ترمقه بنظرات حانية تحثه على المواصلة، آخذة بيديه إلى عالهما الداخلى، لوعة الحب وتوتراته، التفكير المتواصل، بقاء المرء رهينا لشيء وحيد لا يستطيع الفكاك منهأشياء جعلته يتذوق هذه التحولات الطارئة، متمنيا ألا تزول. اكتمل الاثنان فى كيان واحد بعد دهور من الانشطار، وجد كلاهما المرفأ الهاديء والملاذ المريح، انفتحت آفاق بلا حدود، تغير مظهر الحياة، بدأ سحر جديد. عبر التناغم، لكنهما ظلا واقفين على بعد الآف الأميال من المناطق المحظورة، بعيدين عن ألأذى، ومحصنين ضد مخاطر السقوط. أصبح دخولها إلى مملكته أمرا ميسو ًرا، إنها تستحق الوقوف أمام منابع الدهشة وملتقى الأساطير، رؤية ما يتعذر على الآخرين رؤيته؛ فهى جديرة بهذه المشاركة، لكن كيف يمكن إقناعها دون الوقوع فى دوائر سوء الفهم والظنون.
فى إجراء تمهيدى، بدأ يحدثها عن عالمه، مختبرا مدى تقبلها، كان يقص فى كل مرة ما لم تكن تتخيل وجوده فى الرؤى والأحلام، ثم يفاجئها فى المرة التى تليها بما هو أكثر إثارة وأشد تشويقا، حتى تحولت إلى عاشقة لهذا الحكى العجيب. مصغية إليه باهتمام، لا يفوتها شيء، تذوب بعدها فى غيبوبة حالمة، مستمتعة بصوته العميق، مخدرة ومستسلمة لما هو خيالى، وغير قابل للحدوث، مأخوذة بحالة اندماج كلى، سعيدة بهذا السرد المبهر. كان ما يجرى يمثل صورة مقلوبة لألف ليلة وليلة، فشهريار هو الذى يحكى فى هذه المرة، ويفتح أبواب الدهشة على مصراعيها؛ مسيطرا على هذا الفن، أما شهرزاد فهى تصغى باهتمام، مفتونة بما يجرى فى استحضار خارق للحكى المذهل الذى أسسته ووضعت قواعده كأعظم حكاءة فى التاريخ.
عندما لاحظ انبهارها وتآلفها قرر أن الوقت قد حان.
- ما رأيك فيمن يفتح لك خزائن أسراره ويعرض عليك مشاركته فى جنة يملكها وحده؟
لم تفهم فى البداية ما يرمى إليه، رمقته مستفسرة.
- هذا عرض حقيقى.. واصل بنبرة جادة.
اِنتبهت، وقالت فى رد قصير:
- أوافق، ولكن بشرط وحيد.
- لك ما تشائين.
- أن تكون أنت صاحب هذا العرض.
بدت عليه لذة الانتصار إثر معركة سريعة وحاسمة.
سألته:
- أين هذه الجنة؟
رد مسر ًعا وهو يوارى قلقا طارئًا:
- فى بيتي!
لم تعلق، لكن ملامحها حملت موافقة رقيقة. على استحياء، راح يخفى سعادته، لقد وجد نفسه يُطلِعها على سره دفعة واحدة، بلا تحفظ، صارحها بأن كل ما كان يقصه عليها لم يكن سوى جزء يسير من ثمار هذا الفردوس، وأنه لم يستطع الوصول بعد إلى الوصف الدقيق لما يراه، فهو عاجز عن التعبير عنه، وأن ما يحدث هو محاولات عاجزة لوصف ما لا يوصف، أما الحقيقة فهى شيء آخر معجز ومختلف. كان يحدثها بنبرة صادقة، جعلتها لا تستطيع كبح جماح رغبة عارمة فى الانطلاق معه، كانت خلاياها تنتفض من الفضول القاهر الذى داهمها وسيطر عليها.
قالت متلهفة:
- مستعدة منذ هذه اللحظة.
لم يكن يتوقع هذه الاستجابة السريعة، وشعر أن عنصر الحدس لديه قد أصيب بالعطب، فكثير من الأشياء تأتى على
غير توقعه.
- ليس قبل أن أجهز لك استقبالا يليق بملكة.
ابتسمت لهذه المكانة الرفيعة.
قالت فى تدلل راق:
- لماذا وقع اختيارك على تحديدا، أوَ ليس هناك أخريات يتفوقن على فى كثير من الصفات؟، أوَ ليس هناك من هن أكثر جمالا؟
فاجأه السؤال، ولكنه فتح له بابًا لم يفتح من قبل، فاقتحمه دون تهيب كعاشق متيم لا يشق له غبار، راح يبث أحاديث الهوى، على غير وعى منه، مرددا كلمات متألقة، لها قدرة على اختراق أشد القلاع تحصينا، صال وجال حتى تخيلَتْه قادما من داخل الحكايات نفسها، أسطورة حية تستحوذ عليها وتنفرد بها أسيرة.
فاجأته مستسلمة:
- نبدأ فى صباح الغد إذن.
رد مضطربًا:
- فى الصباح لا أرى شيئًا.
- لماذا؟
- لا أدرى.
لم تنطق بكلمة واحدة، فّضلت أن تمضى الأمور بتلقائية دونما اعتراض من جانبها، فقد رأت كل شيء يجرى بلا تعثر.
جاء اليوم التالى. نهارا عاديًّا، مر بطيئًا مثل سلحفاة، لا يوجد حدث يلفت الانتباه أو يستحق التوقف عنده.
أما المساء فقد جاء استثنائيا. وجد أمامه أجمل امرأة يمكن أن تراها عيناه، فستان لامع يُطبق على جسد مكتنز ومدملج، شعر طويل وفاحم السواد، ينسدل وراء ظهرها فى استعراض واضح، فتنة غير طبيعية كست ملامحها وفاضت على كامل كيانها، جعلته يهتز فى مكانه مأخو ًذا برجة غير عادية أمام هذا الانفجار الأنثوى.
- يبدو أننى سأظل بالباب فترة طويلة.
بادرته بنبرة رائعة.
- تفضلى.
خرجت منه لا إرادية وهو متمسمر فى مكانه تحت وطأة التباس غريب. دفعته بيديها دفعا خفيفا إلى الداخل وهى تُثبت نظراتها فى عينيه. أين كانت تخفى هذه الجرأة البالغة؟.. مر الخاطر سريعا وعابرا، لكن سرعان مابدأت تسيطر عليه مشاعر غامضة وهو يواجه طغيان هذا الجمال المشحون بعدوانية ملحوظة، شعر أن حياءه فى طريقه إلى التبدد وأن أفكاره بدأت توغل فى مسارات لم يألفها، وبدأ ارتباكه يزول تدريجيا مع تضاؤل تهيبه السابق، تضاؤل الخجل الذى كان يصاحب لقاءاتهما السابقة.
- أين غابت ملامحها الهادئة ونظراتها المحتشمة؟
- ما هذا؟
- إن لها وجها شهوانيا طافحا بالشبق والرغبة.
- أين أنا؟
كانت التساؤلات تتوالى وهى تدور أمامه فى صالةالمنزل؛ كى تعطيه الفرصة للتطلع واختلاس النظرات بتمهل،
كانت تتصرف بمهارة كبغى محترفة. بعد عدة دورات حول نفسها، انسحبت ببطء قاصدة غرفته، ثم ألقت بنفسها فوق السرير مباشرة. بحواس مشوشة غاب عنها الفهم والتفكر، سار وراءها وهو لا يدرى أية جاذبية تلك التى تجعله يتعقبها مستسلما. كان يتمنى أن يقودها هو، أن يأخذ زمام المبادرة، ويقوم بتعريفها إلى عالمه، أن يجلس إليها قليلا، يستوعب وجودها فى مسكنه، ولكنها قلبت كل شيء رأ ًسا على عقب، لم تعطه هذه الفرصة، بل تركته فريسة لتردده وأفكاره المبهمة، كان قد أعد مقعدين للمشاهدة، يفصل بينهما مسافة كافية لبعث الطمأنينة والأمان فى نفسها، لكنها استندت إلى ظهر السرير وهى تلفح هواءوالغرفة بأنفاسها اللاهبة. ضائعا فى غشاوة هذه الأجواء جلس على أحد المقعدين، محاولا رسم ابتسامة ترحيب، ولكنها خرجت إلى الوجود ابتسامة مصطنعة، باهتة لم يستطع من خلالها مداراة مشاعره المتناقضة، أفعمته رائحة أنوثتها، سيطرت على عواطفه بشكل مزلزل أعاده إلى وضعه الجنينى الأول مختبئًا فى رحم أكثر رحابة، محاطًا بالعناية من كل جانب، انكمش فى نفسه وتمنى ألا يخرج من هذه الظلمة الآمنة الوجود المثقل، تقلصت سعادته إلى درجة الصفر، وتركزت أحاسيسه فى نوع من الحسرة المريرة.
- أشعر بالخوف.
قالت وكأنها تستنجد به من خطر وشيك يكاد يدهمها.
استعاده الصوت من بئر عميقة.
قال ليطمئنها:
- هناك مسافة كافية تفصلنى عنك.
- هذا ما يخيفنى.
- لاتقلقى
(. ....................)-
- أرجوك اقترب منى.
(...................)-
- أنا وأنت كيان واحد.
(....................)-
- هات يديك وانظر فى عينى جيدا.
(....................)-
كان مستسلما للصمت، لا ردة فعل، تسربت عزيمته كأن قوة قاهرة تدفع به إلى المجهول، إلى أغوار سحيقة، عالم آخر غير عالمه، كان الهواء ينفد بطيئًا، والجدار الأبيض يئن، وتشوهه لطخات سوداء عبر محاولات عسيرة لرسم خطوط البداية.
انسحبت اليد الطاهرة أمام زحف يد أخرى ترسم الخطيئة والغوايات بطريقة بارعة، فى صراع وجودى بين طرفين متضادين، على طرفى نقيض. قبل أن ينصهر فوق الجمر المتقد ويذوب محترقًا، انتشلته رنات الهاتف القادمة من خارج الغرفة بعدما كان على بعد خطوة واحدة من مركز خطيئته، كلمة السر التى يهبط بها طريدا من جنته، أيقظه الرنين المتواصل، أعاده من غيبوبته وجعله يستعيد وقائع حياة هاربة، ويلملم شظاياه المتناثرة من قبضة المجهول، خرج فى النهاية مسرعا من انخطافة ذاهلة واستسلام غريب.
- مرحبا.
نطقها بإعياء واضح.
- عن أى موعد تعتذرين؟
قال متحيرا قبل أن ينصت قليلا. على الجانب الآخر لم يكن الصوت غريبا عليه، كان يعرفه جيدا، معتادا على سماعه، إنه صوتها بالغ النقاء، صوت حبيبته، بدا كالغريق لا يدرى ما السبيل لحل هذه التناقضات.
- حضرتك، تطلبنى من؟
يستفسر بنبرة مخلوطة بالشك، كان صوتها هادئًا فى البداية كعادتها؛ وإن كان محملا بعتاب حزين، لكنه تحول إلى توبيخ قاس عندما استشعرت صمته المفاجئ.
قالت بسخرية مريرة:
- كنت أعتقد أنك تخفى جناحنين صغيرين تحت ملابسك.
تكاثفت الحيرة إزاء هذا الغموض وانعقد لسانه وهو يدقق مرة أخرى فى صوتها.
نطق بصعوبة:
- أنا لا أفهم شيئًا.
على الجانب الآخر، جاء ردها حاسما وقاسيا، أعلنت إنهاء علاقتهما؛ متهمة إياه بأنه ذئب كبير يرتدى مسوح القديسين، يوقع ضحاياه بطريقة مبتكرة، خادعة، تعتمد على خيال جامح فى القنص ونصب الشباك، وإن كانت تستغرق وقتًا لتسقط الفريسة بهدوء، وحيدة ومندفعة بكامل إرادتها.
واصلت بلهجة أشد غضبا:
- لقد أخطأت الطريق، ولم تستطع اكتشاف الحدود الفاصلة بين الحرائر والساقطات، هناك أخريات شبيهات بك والأمر لايستحق كل هذا العناء، وابتكار ألأساليب المعقدة. كان إحساسها بالخديعة قاهرا، أكدته حشرجتها المتوترة وهى تهدر كشلال صاخب؛ مدافعة عن كبريائها الجريح وصدمتها الهائلة. من جانبه، وفى محاولة يائسة لالتقاط أنفاسه واستعادة ذاته
الشاردة من الجمود الذى طرأ عليه وشل تفكيره؛ اضطر إلى وضع الهاتف جانبا حتى يوقف انسكاب هذه الإهانات المريرة داخل أذنه، وراح يعتصر ذهنه، متخبطًا فى فيض من الخواطر المعذبة.
- أى أفعى بالداخل إذن؟ وكيف استطاعت التسلل إلى هذا المكان؟.. قالها فى نفسه وهو يعلم استحالة وجود إنسان واحد فى مكانين مختلفين فى لحظة واحدة، وأن هذه المعجزة غير قابلة للحدوث فى هذا الزمان؛ فأخذه الوجوم وهو يترنح داخل متاهة من الحيرة، وطوفان لحظات عصيبة ومتوترة.
أقرا ايضا | اوعى وشك.. أشهر «إفيهات» طلعت زكريا في ذكرى ميلاده


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.