إفاقة مفاجئة.. أنفاس متلاحقة، نبضات متقطعة، سكون، ظلام، محاولات مرتبكة للتذكر، لقطات سريعة مشوشة لأضواء صاخبة، وعيون صارخة، وأفواه أخرسها الرعب. استيقظ فجأة ليجد نفسه كومة هادئة بيضاء وسط ظلام كثيف معتم!! لابد أنها وصلة الكهرباء التى تفسد دائما كلما هب ريح عاصف أو تساقطت بعض الأمطار فى دموع السماء السعيدة.. «هكذا حدثته نفسه». إلا أنه سعد كثيرا بهذا الهدوء، فلطالما كان يبحث عنه وسط صخب المدينة التى لا تنام ولا يغلق لها فم عابث.. تلك الفاتنة، التى طحنته بأعبائها التى لا تنتهى وشغلته بأضوائها التى لا تنطفئ. فكانت كما يراها دائما عروسا جميلة لكن أفسدتها الزينة. دخل فى حالة من التأمل فرضتها عليه تلك الأجواء الساكنة، فعاد بالذاكرة فى رحلة خاطفة عبر الزمن إلى سنوات كثيرة مضت، لتتوقف فجأة تلك الآلة الزمنية عند سنوات العمر الفردية - حيث الطفولة الحالمة فتسير عندها الأحداث متباطئة فى محاولة للعودة بالعقل إلى هناك.. حيث البراءة، والأحلام الوردية، وقت أن كان صغيرا وهو يهوى اللعب بالطائرات الورقية، وتمنى لو كانت لديه إحداها يوما حقيقية ليطير بها إلى آخر العالم. يفلت الخيط قليلا فتبتعد عنه الطائرة تجذبها الرياح، فيجرى خلفها وتأخذه بعيدا فيخيل له أنه يطير معها دون أن يعرف إلى أين ولا متى ستستغرق تلك الرحلة الجنونية. لا يعلم شيئا سوى أنه يطير بروحه فى سماء غير السماء ليرتفع بأقدامه الصغيرة رويدا رويدا عن الأرض الجاذبة دوما لجسده الصغير. صوت بعيد يقطع عليه فجأة رحلته العقلية المسافرة ليحاول معها أن يستجمع تركيزه فى لحظة منتبهة وهو ينظر حوله ليعرف أين هو وأين تلك البنايات الصغيرة التى قد تاهت عنه فى رحلته القصيرة الطائرة. يشاهد من بعيد يدا تلوح له بالعودة، إنها أمه تأمره بالرجوع سريعا إلى البيت قبل عودة والده من العمل وإلا نال عقابا على خروجه دون إذن مباشر سابق منه. وجه أمه الصبوح المبتسم فى رقة يدفعه دفعا إلى قطع كل تلك الرحلات العابرة لقارات عالمه، وأن يعود سريعا إلى سريره الصغير المكتنز فى ركن الغرفة البسيطة التى يعيش فيها ثلاثتهم، ليرقد هادئا مستسلما لحكايات تلك الأم الرقيقة عن الثلاث عنزات التى لم تمل يوما من أن تقصها عليه وليتقن الدرس جيدا على ألا يفتح الباب لأى غريب فى غيابها، وكأنه أحد تلك العنزات الصغيرة التى توجه لها الأم هذه النصائح الغالية. ابتسامة بطعم الرضا زينت نفسه وهو يطوى هذه الصفحة من كتاب العمر، ليغمض عينيه مرة أخرى فى محاولة لترتيب هذا الشريط المنفلت للذاكرة. لقطات متلاحقة، تحذيرات والده، طائرته الورقية، دعوات أمه، أحلام طفولته، بطاقة زفافه، صندوق فضى، رسائل ............، نعم، إنها تلك الرسائل القرمزية التى أخفاها عن زوجته - شريكة الحاضر - فى هذا الصندوق الذى يحمل رائحة الماضى وذكريات رفضت أن يطويها النسيان، رسائل الحب الأول والأعمق، براءة الكلمات والمشاعر كسنوات عمرهما الربيعى وقتها. هى.. تلك الحبيبة الدافئة التى منحت حبهما خلودا رغم انطلاق قطار الحياة بكل منهما دون توقف، رسائل متبادلة بين العاشقين الصغيرين تسكن الصندوق وأخرى لم تغادره، كان قد قطع عليه القدر الطريق عندما جاءته صغيرته يوما لتخبره أنهم سينتقلون للعيش خارج البلاد - إلى إحدى الدول الأوروبية لاستكمال والدها لرحلة العلاج - ولتنتهى عبارات الشرح والتفصيل الى المعنى القاسى دائما «مش هينفع نكمل». لم ينس عندما قابلها للمرة الأخيرة صدفة قبيل السفر فى شارعهم الصغير - دون حديث - وهى ترتدى فستانا أنيقا طويلا لتبدو حقا كإحدى فتيات أوروبا بشعرها الذهبى القصير وبشرتها الثلجية رقيقة الملامح. ليكتب إليها الرسالة الأخيرة مودعا ذلك الوجه الملائكى «فكرت صغيرتى فى لحظة حب جنونية أن أصنع جناحين كى أسافر بهما إليك. فليس لدى ما يساعدنى على السفر بالطائرة واللحاق بك عبر سماوات العالم الأوروبى، لكنى اجتهدت وحاولت تحويش مصروفى لأيام ولكن ماذا تصنع 50 جنيها فى لغة الطائرات وعالم الجو؟! ينقطع شريط الذاكرة فجأة موصول بتنهيدة طويلة ثم يعود مجددا بعد لحظات مطبوعا بصورة طفل. ابنى «حمادة».. هههههه لازلت أتذكر يوم احتفاله بعيد مولده الخامس، وقتها حرصت بعد يوم عمل شاق على إحضار هديته من أحد متاجر الألعاب والهدايا الشهيرة بوسط المدينة، نعم أتذكر جيدا، يومها دخلت المتجر فى هدوء يتناقض مع طبيعة المكان الملئ بالبالونات الملونة والألعاب المختلفة، دارت عيونى متنقلة بين الأرفف وأنا أتجول بين أزقته الضيقة بحثا عن هديته المنشودة . وأخيرا وجدته.. هاهو الرشاش الذى أراد منى أن أشتريه له، البيه عايز يبقى ظابط، ههه، التقطت هذه الآلة المدمرة بسهولة من مكانها فقد كانت من الألعاب الأكثر تداولا وانتشارا بالمكان، وحملتها فى يدى وأنا أدور بنظراتى عائدا متمهل الخطى من رحلة استكشافى السريعة بين الأرفف المتزاحمة بالألعاب التى لم أعهدها فى طفولتى. وفى نظرة أخيرة خاطفة وأنا اتجه نحو الكاشير جذبنى هذا الركن البعيد فى آخر المتجر الذى حمل اسم «كوكب الذكريات»، جذبنى اسمه، ربما لحبى لكل ما يحمل اسم الذكرى، هذا الركن الملئ بالتحف والأنتيكات تفوح منها رائحة الماضى، حينها ألح على ولعى باقتناء الاشياء القديمة، أن اندفع بحثا عن كنز قديم وسط هذا الكوكب المنبوذ، وكأنى كنت أبحث عن نفسى وسط هذه الأكوام الصدئة، فاتجهت نحو هذا الركن مشدودا متطلعا مستكشفا، وقد وقع نظرى وأنا أتجول بنظرى نحو هذا الكنز الخفى على بلورة زجاجية تأخذ شكلا دائريا بداخلها طائرة صغيرة، نظرت إليها كطفل صغير وجد ضالته، وكرجل كبير راضى النفس نظرت مبتسما نحو البائع وأنا أطلب منه إحضارها من الرف العلوى - فلم يكن عليها الطلب وكأنها هى الأخرى ملت الانتظار فكانت تستعد للطيران بعيدا عن هذا الحيز البلورى الضيق. حملت كيس الهدايا - الطائرة والرشاش - وكأنى أنجزت مهمة صعبة، وصلت البيت لأجد صغيرى خلف الباب جالسا على كرسيه الخشبى يقتله الانتظار متشوقا لهديته، فاتجه مباشرة بكرشه الصغير المحبب لى - كالمفتش كورومبو - نحو الكيس لفتحه وتفقد هديته المدمرة بطلقاتها المتلاحقة، لكن اصطدمت يده أولا ببلورتى الزجاجية وغلبته متعة الاكتشاف فأخرجها يتفحصها، فأسرعت نحوه أحملها عن كفه الصغير خوفا أن تنفلت من بين يديه على الأرض وتنكسر - مدعيا أنها أمانة لصديق عزيز لى - فنظر نحوى غاضبا متمتما «ومن ذلك الغبى الذى يهتم بكرة زجاجية بداخلها تلك الطائرة الحقيرة»؟! فقاطعته وسط كلماته الغاضبة الساخرة وسط ضجيج لم يسمع كلانا فيه الآخر «إنه أنا ذلك الغبى». نوبة أخرى من الذكريات المشتتة تقتحم فجأة عالمه الهادئ، دون أن يعرف سبب هذا السيل المنهمر من صندوقه الأسود لذكريات كانت تائهة عنه منذ الكثير والكثير من الوقت. الطفولة، الحب، الرسائل القرمزية، الحلم، الأمل.. أخذ نفسا - أعتقد أنه عميق - بعد نشوة الذكريات التى اقتحمته، وفى لحظة حرية سعيدة مد أطرافه ليشعر بمزيد من التحرر ولكن كان هناك ما يمنعه، حاول ثانية، وثالثة، ولكن لفافات ما قيدت حركته أكثر، - ربما قد أحكمت كعادتى الغطاء حولى جيدا - عاد ليحدث نفسه مجددا، فكر قليلا أن يخرج يده ليمسك طرف هذه اللفافة المزعجة، فلم يستطع، أعاد المحاولة ليلتقط ولو طرفا هاربا ففشلت المحاولة مجددا.. لحظات قاسية مضت كدهر، استسلم لها قليلا وهو يجمع فسيفساء ذاكرته التى عاودت التشويش مجددا. حادث، سيارة طائشة، أنفاس سريعة متقطعة، دماء متناثرة على طريق أسفلتى، نواح، سارينة، أضواء صاخبة، عيون صارخة، أفواه أخرسها الرعب. إنها صحوة الموت.. أقدام تغادرنى، أحاول التشبث بها، فيمنعنى رباط قاس وصوت أخرس، قتلته الحقيقة العارية كجسده الممدد، فأصابت عقله الذى كان قد عاد فجأة للحياة بعد غيبوبة جسدية استمرت لساعات. عادت الذكريات جميعها منتفضة فى صحوة مودعة، قلبا يخفق، جسدا يرتعش، اكتملت العناصر أخيرا لتفقد مجددا فى رحلة النهاية. تحجرت عيناه وثقل لسانه وخذله عكاز عقله فتوقف جناحاه أخيرا عن المحاولة، وأدرك حينها أنه لا طيران بعد الآن.•