إعلام إسرائيلي: نتنياهو يجري مشاورات أمنية بشأن التطورات الإيرانية    بسبب إصابة مرعي.. هادي رياض يسجل ظهوره الأول مع الأهلي أمام سموحة    "إفراج".. عمرو سعد يشك في تارا عماد والجمهور يترقب مواجهته مع عوف    رمضان 2026.. كيف تتجنب النعاس بعد الإفطار؟    تكثيف الرقابة التموينية بالتل الكبير بالإسماعيلية لمتابعة التزام المخابز    ليفربول يدرس بيع جاكبو.. وسلوت يشترط إيجاد البديل    إصابة طفلين وسيدة فى حوادث منفصلة لسقوط من علو بالدقهلية    الداخلية تضبط بلطجي "سلاح الغربية" بعد ساعات من ظهوره بمقطع فيديو    مصرع عامل في تصادم بطريق الواحات بالصحراوي الغربي في سمالوط    طلب إحاطة لرفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 7 آلاف جنيه وربطه بالأجور    أسامة علام ل باب الرجاء: إيهاب مبروك شريكي ومؤسس أول فرقة إنشاد    رأس الأفعى الحلقة 6.. إسلام جمال يعود لمخبأ شريف منير ولم يجده    مسلسل "درش" الحلقة 6، مصطفى شعبان يثير الحيرة بشخصيته الحقيقية    صلاة التراويح من مسجد عبود بكوم أمبو.. فيديو    وكيل مديرية التربية والتعليم بالجيزة يجري جولة تفقدية داخل إدارة البدرشين التعليمية    إصابة 3 أشخاص في حريق وحدة سكنية بقنا    ضبط مصنع أسلحة داخل ورشة حدادة بالفيوم والتحفظ على 400 قطعة    الجمعة.. «المركز القومي» يحيي ذكري رحيل عبد الغفار عودة على مسرح الغد    مسابقة رمضانية للأوبرا فى الاذاعة    50 ألف مصلٍ يؤدون العشاء والتراويح في المسجد الأقصى وسط أجواء روحانية    مفتي الجمهورية: زهد النبي طريق إلى محبة الله والناس والطمأنينة(فيديو)    ما حكم صيام الحائض والنفساء؟    رئيس الطائفة الإنجيلية يشهد إفطار مدارس السلام ببنها بحضور محافظ القليوبية    المستشار الألماني قبيل زيارة بكين: بوتين يمكن أن يوقف الحرب بكلمة من الرئيس الصيني    إصابة زيزو في برنامج رامز.. وتصريحات مثيرة عن الزمالك    وكيل وزارة الصحة بالدقهلية يعقد اجتماعًا موسعًا لمراجعة توصيات الاجتماع السابق ومؤشرات الأداء    هل اقتربت الحرب بين أمريكا وإيران؟.. خبير علاقات دولية يُجيب    «تعليم الجيزة» تتابع تنفيذ مبادرة «مدارس بلا رواكد»    محافظة القاهرة: قرار الاستيلاء على موقع مدرسة المنيرة يهدف إلى ضمان استمرار العملية التعليمية    وزير الصحة يبحث مع السفير الفرنسي دعم علاج أورام أطفال غزة بمستشفى «جوستاف روسي»    تقرير: أتلتيكو مدريد يحدد سعر ألفاريز.. وثنائي إنجلترا ينافس برشلونة    وزير الري: مصر حريصة على تعزيز التعاون مع دول حوض النيل ونقل الخبرات لها    «قناة السويس» تشهد عبور سفينة الغطس HUA RUI LONG    جامعة قناة السويس تعزز بناء الوعي القيمي والمهاري لدى طلاب المدارس بسلسلة ندوات نوعية بالتعاون مع المجمع التعليمي    مواقيت الصلاة اليوم الأثنين في الاسكندرية    سابالينكا تحافظ على صدارة التصنيف العالمي لتنس السيدات    مصر تعزي نيجيريا في ضحايا الهجوم الإرهابي بولاية زامفارا    مؤسسة نبيل الكاتب الخيرية عضو التحالف الوطنى توزع 4000 وجبة جاهزة بالبحيرة    لتحلية رمضانية سريعة، طريقة عمل الكنافة السادة    مجلس النواب الأردنى يثمن المواقف العربية والإسلامية الرافضة لتصريحات السفير الأمريكى    فضل صلاة التراويح وكيفية أدائها في رمضان (فيديو)    تحذيرات عاجلة من الهند وألمانيا لرعاياهما بمغادرة إيران    انطلاق تداول العقود الآجلة في البورصة المصرية.. الأحد المقبل    التحقيق مع محمد عواد في الزمالك لرفضه الجلوس على الدكة    الداخلية تكشف شبكة غسل أموال مرتبطة بالمخدرات وتضبط 3 عناصر جنائية    رئيس الوزراء يتابع مُستجدات تنفيذ مشروع "رأس الحكمة" بالساحل الشمالي    تراجع أسعار النفط مع إعلان أمريكا وإيران جولة جديدة من المحادثات النووية    محافظ البنك المركزي يبحث مع وزير «التعليم العالي» أوجه التعاون المشترك    مصر تتابع باهتمام وقلق بالغين مسألة الحدود البحرية بين الكويت والعراق    تصل ل 8 درجات مئوية.. أجواء باردة ورياح قوية محملة بالأتربة    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى المريوطية دون إصابات    بدء اجتماع لجنة الصحة بالنواب لبحث مشكلات قطاع الدواء وتراخيص التركيبات الخطرة    ضبط سكر ناقص الوزن ودقيق مدعم في حملة تموينية بالفيوم    القبض على رجل أشعل النار فى زوجته وحماته بالفيوم    جمال العدل: الزمالك «نور العين والروح والقلب».. وفتحت الشركة الساعة 8 الصبح علشان 15 ألف دولار للاعب    العشري: لم نكن سننسحب من مواجهة وادي دجلة.. ونتعرض للظلم في كل مباراة    فيلم «One Battle After Another» يتوج بجائزة أفضل فيلم في جوائز بافتا 2026    نادر شوقي: هذا أول رد لوالد زيزو على عرض الأهلي.. والنادي رفض ضمه في البداية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ننشر تفاصيل مقدمتي وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية لكتاب «حماية دور العبادة»
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 22 - 04 - 2019

اعتمد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، النسخة النهائية لكتاب «حماية دور العبادة».
وأكد وزير الأوقاف أن هذا الكتاب يعمل على ترسيخ المواطنة المتكافئة، وأسس العيش المشترك، وفقه التعايش السلمي بين البشر جميعا، دون تمييز على أساس الدين أو اللغة أو اللون أو الجنس أو العرق، ويعمق الايمان بحق التنوع والاختلاف، وبيان أنهما سنة من سنن الله الكونية، حيث يقول الحق سبحانه : {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}.
وذكر أن الكتاب يرمي إلى حماية دور العبادة مبنى ومعنى، روادًا وقاصدين، وتوفير الحماية القانونية والإنسانية اللازمة لها وطنيا ودوليا.
وقدم له كل من وزير الأوقاف مفتي الجمهورية بمقدمة ننشرهما كاملتين:
أولا: تقديم الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف للكتاب:
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسل الله أجمعين، وعلى خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين .
وبعد:
فقد كرم الحق سبحانه الإنسان على إطلاق إنسانيته دون تفرقة بين بني البشر، فقال (عز وجل ) :” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ ” (الإسراء :70) , ورسخ ديننا الحنيف مبدأ فقه العيش المشترك بين البشر جميعا , ودعانا إلى التراحم والتقارب والتعارف, حيث يقول الحق سبحانه :” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” (الحجرات : 13) , ولم يقل سبحانه : لتتقاتلوا أو تتصارعوا أو تتصادموا , بل قال سبحانه : ” لِتَعَارَفُوا “
وقامت فلسفة ديننا السمح على الإيمان بالتنوع والاختلاف , حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ” (هود : 118) , وقد عدَّ سبحانه وتعالى التنوع في الخلق آية من آيات الله (عز وجل) حيث يقول في كتابه العزيز :” وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ" (الروم :22).
وعظم سبحانه وتعالى شأن المشتركات الإنسانية في جميع كتبه المنزلة ورسالاته التي أرسل بها رسله (عليهم السلام) , فأجمعت الشرائع السماوية قاطبة على مبادئ : الحق , والعدل ، والتسامح ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة، والصدق في الأقوال والأفعال ، وبر الوالدين ، وحرمة مال اليتيم ، ومراعاة حق الجوار ، والكلمة الطيبة ، فمصدر التشريع السماوي واحد ، ولهذا قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” الأنبياء إخوة لعلَّات أممهم شتى ودينهم واحد”.

فقد تختلف الشرائع في العبادات وطريقة أدائها وفق طبيعة الزمان والمكان، لكن الأخلاق والقيم الإنسانية التي تكون أساساً للتعايش لم تختلف في أي شريعة من الشرائع ، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم : ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.
فأروني أي شريعة من الشرائع أباحت قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، أو أباحت عقوق الوالدين، أو أكل السحت، أو أكل مال اليتيم، أو أكل حق العامل أو الأجير، وأروني أي شريعة أباحت الكذب، أو الغدر، أو الخيانة، أو خُلف العهد، أو مقابلة الحسنة بالسيئة .

بل على العكس من ذلك كله فإن جميع الشرائع السماوية قد اتفقت وأجمعت على القيم الإنسانية السامية، ومن خرج عليها أو عنها فإنه لم يخرج على مقتضى الأديان فحسب، وإنما يخرج على مقتضى الإنسانية وينسلخ من آدميته ومن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

ولهذا قال ابن عباس (رضي الله عنهما) عن قوله تعالى: “قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (الأنعام : 151-153).
هذه آيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب ، وهى محرمات على بني آدم جميعاً، وهن أم الكتاب ”أي أصله وأساسه“، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار.
وإيمانًا منا بضرورة دراسة المستجدات والقضايا العصرية دراسة دقيقة ، وإبراز الوجه الحضاري السمح لديننا الحنيف ، واقتحام المشكلات الصعبة بحكمة وشجاعة معًا على أيدي العلماء والفقهاء المتخصصين ..

وانطلاقًا من قوله تعالى :” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ” (البقرة : 256) ، وإيمانًّا منًّا بالتنوع والاختلاف الذي هو سنة من سنن الله الكونية , وترسيخًا لأسس المواطنة العصرية الكاملة دون تمييز، وتأصيلاً لفقه العيش الإنساني المشترك بين البشر دون تفرقة على أساس الدين أو اللون أو العرق أو الجنس أو اللغة ..

وعطفًا على ما أكده كل من فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف ، والبابا فرنسيس بابا الفاتيكان في وثيقة الأخوة الإنسانية من أنَّ حماية دور العبادة ، من معابد وكنائس ومساجد ، واجبٌ تكفله كل الأديان والقيم الإنسانية والمواثيق والأعراف الدولية ، وكل محاولة للتعرض لدور العبادة ، واستهدافِها بالاعتداء أو التفجير أو التهديم، هي خروجٌ صريحٌ عن تعاليم الأديان، وانتهاكٌ واضحٌ للقوانين الدولية ..

وخروجًا من ضيق الأفق الفكري إلى رحابة الإسلام الواسعة واحترامه للآخر ، وحرصًا منًّا على إبراز حقوق الآخرين علينا إنصافًا من أنفسنا ، وتأصيلاً لمبدأ الاحترام المتبادل ، ودحضًا للفكر المتطرف ، والتأكيد للعالم كله على سماحة الإسلام ، وأن ما يحاك ضده من محاولات تشويه لا يمت لسماحته بصلة..

لهذا كله كان إصدار هذا الكتاب «حماية دور العبادة» الذي عكف على إعداده وإخراجه نخبة من العلماء المتخصصين المستنيرين كتابة وتدقيقا ومراجعة ختمت بمراجعتنا ومراجعة الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية.

مع تأكيدنا على أن الحماية التي ننشدها لدور العبادة هي الحماية المادية والمعنوية معا، حماية دور العبادة مبنى ومعنى وروادًا وقاصدين، بما يشمل الحماية المادية من التخريب أو التفجير أو السرقة أو النهب أو العبث، والحماية المعنوية من محاولة غير المؤهلين والمتاجرين بالأديان استخدام دور العبادة أو توظيفها في غير ما خصصت له، ويشمل كذلك حماية روادها وقاصديها من أي أذى أو اعتداء يمكن أن ينالهم بسببها أو أثناء أداء مناسكهم وشعائرهم بها، مع تغليظ عقوبة من يعتدي على أي من ذلك سواء في القوانين الوطنية أم الدولية .

ويأتي هذا الكتاب بمثابة تطوير لكتاب “حماية الكنائس” الذي أصدره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عام 2016م، وتم ترجمته إلى اثنتي عشرة لغة، في إطار تناولنا للقضايا العصرية التي تتم دراستها تباعًا من خلال سلسلتي القضايا والدراسات الإسلامية وموسوعة المستجدات العصرية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، التي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصريةة
والله من وراء القصد، هو حسبنا ونعم الوكيل...

ثانيا: تقديم الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية للكتاب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد أقر الشرع الشريف بالحرية الدينية للناس جميعًا حيث صرح القرآن الكريم بأن اختلاف الناس في معتقداتهم من سنن الله تعالى في خلقه كما في قولِه تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود: 119،118].

وهذا يقتضي ضرورة التعامل مع هذه السنة الإلهية الربانية بإيجابية لأنها تحمل في طياتها أبعادًا ومضامين تنظم علاقة المسلم بغيره من أتباع الديانات الأخرى، وهي تتجلى إجمالًا في الإقرار بوجود هذا النوع من الاختلاف وضرورة التعايش والتعاون والتكامل معه بما يحقق النفع للخلق واكتمال العمران في الدنيا؛ فلا يكون العيش بين الشخص وذات ذلك الشخص؛ إنما يكون بين شخصين أو أكثر بينهما تمايز، ولا يقتضي هذا التعايش بالضرورة معاداة العقائد والأديان أو مخالفة أحكامها أو فصلها عن كيان الدولة أو تهميش دورها في الحياة، أو إزالة الفروق والتمايز بينها؛ وإنما يقصد به الاتحاد لإعمار الأرض، والتعاون في المتفق عليه انطلاقًا من القيم العليا المشتركة بين الناس.

ومن هذا المعني أَوْلَى الشرع الشريف إقامة دور العبادة وحمايتها عناية خاصة سواء في السِّلم أو الحرب، فأهميتها لا تقل عن الاهتمام بكيان الإنسان المادي، لكونها تمثل كيانه الحضاري والثقافي؛ كما في قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)[الحج: 40-41].
وترسم هذه الآية الكريمة الإطار العام لشخصية المسلم ومكونات عقله؛ فقد أشار الله تعالى فيها إلى أن المسلمين في مجتمعاتهم في كل حال عليهم كالتزام تفرضه حضارتهم المنبثقة عن مقاصد دينهم أن يعنوا بإقامة دور العبادة التي يتخذها أتباع كل دينٍ وملةٍ لممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية وحفظها من الهدم، وضمانًا لأمنها، وسلامة أصحابها، وفي ذلك يقول ابن عباس رضي الله عنهما: “تفسيره، والبِيَع: مساجد اليهود، وصلوات: كنائس النصارى، والمساجد: مساجد المسلمين”. أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم في “التفسير”.

وقال مقاتل بن سليمان في “تفسيره” (2/ 385، ط. دار الكتب العلمية): [كل هؤلاء الملل يذكرون الله كثيرًا في مساجدهم، فدفع الله عز وجل بالمسلمين عنها] اه.

وقال الإمام القرطبي في “تفسيره” (12/ 70، ط. دار الكتب المصرية، بتصرف): [أي: لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بَنَتْهُ أربابُ الديانات من مواضع العبادات.. قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية المنعَ من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نيرانهم] اه.

كما جاءت السنة النبوية الشريفة أيضًا بتقرير واضح لوجوب ترك الناس على أديانهم وسمحت لهم بممارسة طقوسهم وشعائرهم في دور عبادتهم المختلفة، وضمنت لهم من أجل ذلك سلامة هذه الأماكن، ومن ذلك ما كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومَن تبعهم ورهبانهم أن: «لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بِيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم، وجوار الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ألَّا يُغَيَّرَ أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته، ولا يُغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم، ولا شيء مما كانوا عليه، ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم، غيرَ مُثقَلين بظلم ولا ظالمين» أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب “الأموال” (ص: 244، ط. دار الفكر).

وعلى ذلك سار المسلمون سلفًا وخلفًا عبر تاريخهم المُشَرِّف وحضارتهم النقية وأخلاقهم النبيلة السمحة منذ عهود الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، فنص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهده لأهل القدس على حريتهم الدينية، وأعطاهم الأمانَ لأنفسهم، والسلامةَ لكنائسهم، وكتب لهم بذلك كتابًا جاء فيه: [بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبدُ الله عمرُ أميرُ المؤمنين أهلَ إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تُسكَنُ كنائسُهم، ولا تُهدَمُ، ولا يُنتَقَصُ منها ولا مِن حَيِّزها، ولا من صَلِيبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضَارَّ أحد منهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية، شهد على ذلك: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة] اه.
وكتب لأهل لُدٍّ كتابًا مماثلًا جاء فيه: [بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبدُ الله عمر أمير المؤمنين أهلَ لُدٍّ ومن دخل معهم من أهل فلسطين أجمعين، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصُلُبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم، أنه لا تُسكَن كنائسهم ولا تُهدَم ولا يُنتَقَص منها ولا مِن حيزها ولا مللها ولا مِن صُلُبهم ولا من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضَارَّ أحد منهم] اه. رواهما الإمام الطبري في “تاريخه” (2/ 449، ط. دار الكتب العلمية).

فجملة هذه النصوص والعهود والمواثيق تؤكد على أن مبدأ حماية دور العبادة من المنظور الشرعي يُعَدُّ رابطة ضرورية قائمة على الالتزام والمسؤولية، لا على تبادل العاطفة والمشاعر المعنوية، ومن ثَمَّ يحقق الاستقرار والتآلف بين أهل البلد الواحد مهما تعددت دياناتهم وانتماءاتهم العرقية؛ فوحدتهم عبارة عن إدارة إيجابية للاختلاف وتوافقهم على التعايش السلمي وتعاونهم على النهوض بوطنهم وتقويته وتوحيد صف شعبه وكلمة أفراده في مواجهة أي خطر يهدد هُوِيِّة هذا الوطن وسيادته واستقراره.

ولئن شاب العلاقات بين المسلمين وبين غيرهم بعض الإشكالات والتحديات نظريةً أو تطبيقًا والتي يحلو للبعض طرحها على العامة مع استدعاء بعض السياقات التاريخية والملابسات الزمنية في خصوص هذه العلاقة، بما ينعكس بتشويه الصورة النقية وانقلاب الحقائق الناصعة، فإن المؤسسات العلمية تحمل على عاتقها نصيبًا أكبر في شرح الحقائق والمفاهيم الشرعيَّة وتعليمها للعامة والخاصة، حتى تتحطم هذه الأفكار الخبيثة والدعاوى الزائفة التي لا تدخر جهدا في إحداث الانقسام بين أبناء الوطن الواحد، وتكريس العنف والصدام بين أهل الدين الواحد فضلا عن أهل الأديان المختلفة.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب القيم الذي تقوم عليه وزارة الأوقاف المصرية مساهمة مشكورة منها في التصدي لمحاولات الإرهابيين وأصحاب الفكر المتشدد بتصحيح المفاهيم وبيان الأحكام الشرعيَّة في عدة قضايا تمس مبدأ حماية دور العبادة من جوانب شتى بطريقة شافية تظهر الحقائق المسلمة وتدفع الشبهات والأوهام القائمة في أذهان البعض سواء من جهة الشرع الشريف أو من جهة القوانين والتشريعيات المحلية والعالمية، وسواء في حالة السلم أو في حالة الحرب، وذلك في إطار تناول المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عددًا من الموضوعات والمسائل المعاصرة تحت سلسلة المستجدات وتصحيح المفاهيم الخاطئة، مع نشر الفكر الصحيح الذي نحن في حاجة إليه في عصرنا الحاضر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.