رشوان: الحوار الوطني عُقد بشفافية كاملة.. ونرحب بجميع الآراء    رئيسة القومي للمرأة: تمكين المرأة ركيزة للتنمية الشاملة وليست ملفًا اجتماعيًا    الإثنين.. انطلاق فعاليات الذكاء الاصطناعى فى موسمها الرابع بمكتبة الإسكندرية    أسعار الذهب تنخفض 4% والفضة تهوى 9% بالمعاملات الفورية    مدبولي: التعليم و«حياة كريمة» على رأس أولويات الحكومة بتكليفات رئاسية    وزير الخارجية يلتقي نائبة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ويؤكد دعم مصر لتطوير الأداء المؤسسي للمفوضية    ترامب: فنزويلا تحقق إيرادات غير مسبوقة من النفط وعلاقاتنا معها استثنائية    يلا شوت بث مباشر.. مشاهدة برشلونة × أتلتيكو مدريد Twitter بث مباشر دون "تشفير أو اشتراك" | كأس ملك إسبانيا    مد أجل النطق بالحكم فى قضية وفاة السباح يوسف محمد لجلسة 26 فبراير    ضبط طرفي مشاجرة بمدينة نصر بسبب هاتف محمول    المركز القومي للسينما يقيم فعاليات نادي سينما المرأة بعرض 8 أفلام قصيرة بالهناجر    علا الشافعى: دراما المتحدة فى رمضان 2026 تتناول مناطق شائكة تهم الأسرة المصرية    وزير الصحة يستقبل سفير اليابان لبحث تعزيز التعاون الصحي وإنشاء مستشفى مصري ياباني بالعاصمة الجديدة    جامعة طنطا تستضيف فاعلية «طالبات اليوم أمهات وقائدات المستقبل»    رئيس الوزراء يكشف سبب دمج وزارة البيئة والتنمية المحلية    منتخب المغرب يضم عنصرا جديدا في الجهاز الفني قبل كأس العالم    رئيس جامعة قناة السويس يشارك في استقبال محافظ الإسماعيلية للقنصل العام لجمهورية الصين الشعبية لبحث سبل التعاون المشترك    الدولار يسجل 46.91 جنيه بعد خفض الفائدة 1%    تحرش بسيدة في الشارع.. حبس شاب 4 أيام على ذمة التحقيقات بسوهاج    لقاء الخميسي: «أخدت قلم على وشي» وعبد المنصف يعلق: بحبك وبموت فيكي    مشروع قانون بديل لإعادة تنظيم العلاقة الإيجارية..هل تتراجع الحكومة عن قانون الإيجار القديم؟    السودان يدعو إلى إنهاء تعليق عضويته في الاتحاد الإفريقي    الكشف الطبي على 260 مريضا من غير القادرين في قافلة مجانية بالفيوم    اصابة 14 شخصًا في تصادم سيارتين بطريق طنطا كفرالشيخ    اصطدام سفينتين حربيتين أمريكيتين خلال عملية تزوّد بالوقود فى البحر    محافظ الغربية يستقبل رئيسة القومي للطفولة والأمومة خلال زيارتها لطنطا    الأرصاد تحذر: طقس غير مستقر ورياح مثيرة للرمال وأمطار متفرقة غدا الجمعة    الأوقاف تكثف جهودها في افتتاح وفرش المساجد استعدادا لشهر رمضان    أمريكا ترحب بتزايد دور أوروبا في تحمل العبء الدفاعي للناتو    رئيس جامعة دمياط يشهد ندوة حول الاتجاهات الحديثة في البحوث الكيفية والكمية بالعلوم الاجتماعية    وزارة الأوقاف تكثف جهودها فى افتتاح وفرش المساجد استعدادا لشهر رمضان    "عبد اللطيف" يناقش ميزانية "التعليم" باجتماع "خطة النواب"    هؤلاء هم المسؤولون عن أزمة موعد مباراة الزمالك وسيراميكا.. غياب القرار الرسمي يثير الجدل    الأزهر: القول بنجاة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم هو ما استقرت عليه كلمة جماهير أهل السنة    رغم اعتذاره.. الاتحاد الإنجليزي يفتح تحقيقا ضد راتكليف بعد تصريحاته ضد المهاجرين    خدمة في الجول - طرح تذاكر مواجهة الأهلي ضد الجيش الملكي    بداية قوية.. أول قرار بعد التعديل الوزاري يعيد تمثال رمسيس الثاني لمكانه التاريخي    وزير الخارجية: مصر تولي أهمية كبيرة بدعم المؤسسات الصحية التابعة للاتحاد الأفريقي    سفير السويد يشيد بجهود الهلال الأحمر المصري بغزة ويؤكد دعم بلاده لحل الدولتين    اسعار كرتونه البيض الأبيض والأحمر والبلدى اليوم الخميس 12فبراير 2026 فى المنيا    ضبط كيان مخالف لإنتاج وتصنيع مخللات الطعام بالمنوفية    تأييد حكم الإعدام لقاتل شقيقه وطفليه بسبب الميراث في الشرقية    مي التلمساني تشيد بندوة سمير فؤاد في جاليري بيكاسو    أول قرار من وزيرة التنمية المحلية والبيئة بعد تشكيل الحكومة الجديدة    الصحة تشارك في حلقة نقاشية لدعم حقوق مرضى الزهايمر وكبار السن    جامعة الدلتا تحقق إنجازًا عالميًا باختيار أحد طلابها ضمن نخبة الأمن السيبراني    استجابة لاحتياجات المواطنين.. محافظ المنيا يعلن توفير 16 أتوبيس نقل جماعي داخل مدينة المنيا    ميسي يعتذر لجماهير بورتوريكو بعد إلغاء الودية بسبب الإصابة    بتوقيت المنيا.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الخميس 12فبراير 2026    وزارة التضامن الاجتماعي تقر تعديل قيد 5 جمعيات فى 4 محافظات    في أول اجتماع لها.. وزيرة التضامن تشهد اصطفاف فرق التدخل السريع والهلال الأحمر لتعزيز الاستجابة لحالات بلا مأوى    "النواب" الأمريكي يؤيد قرارا لإنهاء رسوم ترامب الجمركية على كندا    مستشار شيخ الأزهر: نصوص المواريث في القرآن ليست مجرد حسابات رقمية بل خطاب إلهي يجمع بين التشريع والعقيدة    إصابة 4 أشخاص في مشاجرة بالأسلحة النارية بطريق القاهرة–أسيوط الصحراوي بالفيوم    تحرك برلماني بشأن معاناة أبناء المصريين بالخارج مع الثانوية العامة والمعادلات التعليمية    زيلينسكي: أريد موعدا محددا لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي    الأعلى للثقافة يناقش رواية أوركيدا للكاتب محمد جمال الدين    كأس ملك إسبانيا - سوسيداد ينتصر ذهابا أمام بلباو وينتظر الحسم في العودة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الطيب: أٌُُُحل للمسلم الزواج بمسيحية.. فكيف يحرم عليه تهنئتها !؟
خلال إلقائه المحاضرة السنوية للمجلس الإسلامي في سنغافورة..
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 04 - 05 - 2018

- زيارتي لسنغافورة ليست للمسلمين فقط.. بل هي زيارةٌ لشعبِ سنغافورة "مسلمين وغير مسلمين"
- سنغافورة تقدم نموذَجًا رائعًا للأخوَّة في الوَطَن والإنسانيَّةِ والعملِ يدًا واحدةً من أجلِ مُجتمَعٍ راقٍ مُتقدِّمٍ
- لم يُسَجِّل التاريخ حالة واحدة دخل فيها المسلمون بلدًا وخيَّروا أهلها بين الدخول في الإسلام أو القتل
- الإسلام دين السلام ليس بين المسلمين فقط.. إنما بين المسلمين وغير المسلمين
- من الجهل الفاضح بالإسلام والقرآن أن يُقال إن علاقة المسلم بغير المسلم أو بالكافر هي علاقة الدم
- القتالُ في سبيل الله له ضوابط وقيم لو تجاوزها المسلم في دفاعه كان معتديًا
- على المسلم الذي يقتدي بنبيه أن يكون مصدر رحمة لنفسه وللمسلمين وللناس أجمعين
- من المهم جدا للمسلمين في المجتمعات غير الإسلامية أن يندمجوا في مجتمعاتهم اندماجا إيجابيا

ألقى الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، اليوم الجمعة ٤ مايو، الخطبة السنوية للمجلس الإسلامي في سنغافورة.


جاءت المحاضرو تحت عنوان «دور الأديان في توحيد الأوطان»، وذلك في إطار زيارة شيخ الأزهر الحالية إلى جمهورية سنغافورة، وضمن احتفال المجلس الإسلامي السنغافوري بمرور 50 عاما على تأسيسه.

وفيما يلي نص المحاضرة..
"بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله والصَّلاةُ والسَّلام على سيِّدنا رسولِ الله وعلى آله وصحبه.

الجمعُ الكريمُ!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد؛.. فيطيبُ لي أن أبدأ حديثي إليكُم بتقديم خالصِ الشُّكرِ والتَّقديرِ لدولةِ سنغافورة رئيسةً وحكومةً وشعبًا على الدعوة الكريمة، وعلى حُسن الاستقبالِ وكَرَم الضِّيافةِ والحفاوةِ بي وبوَفدِ الأزهرِ المرافِقِ.

وأوَدُّ أن أُوضِّحَ في بداية محاضرتي أيضًا أن زيارتي لسنغافورة ليس المقصودُ بها زيارة المسلمين فقط؛ بل هي زيارةٌ لشعبِ سنغافورة "مسلمين وغير مسلمين"، من أجلِ تدعيمِ وَحدَتِهم العظيمة، وعَيشِهم المشتَرَكِ، وتقديمهم نموذَجًا رائعًا للأخوَّة في الوَطَن وفي الإنسانيَّةِ، والعملِ يدًا واحدةً من أجلِ مُجتمَعٍ راقٍ مُتقدِّمٍ وقويٍّ.

جئتُ لأحيِّي هذا النّموذَج الذي ضرَب أحسنَ الأمثلةِ في تحقيقِ السَّلامِ المجتمعي بين أفرادِ الشَّعب، وبينه وبين الشُّعوبِ المجاوِرَة، وأسألُ الله تعالى أن يُديم على هذا البلد أَمنَها وسلامتَها، وأن يَمُنَّ على البلادِ أجمع نِعمةَ الأمن والسَّلام.

أيها الحفل الكريم!

الحديثُ عن قتلِ النَّاس باسمِ الأديانِ، والذي عُرِف مؤخَّرًا بظاهرة الإرهابِ، حديثٌ طويلٌ مُحزِنٌ، ولا تتَّسِعُ لبيانِه محاضَرةٌ ولا محاضراتٍ، وأعتقدُ أنني لو استطعتُ أن أوضِّحَ براءَ الدِّينِ، أيِّ دينٍ من هذه الجرائم المنكَرَة التي تُرتَكَبُ باسمِه وتحت لا فِتَتِه - فإنِّي أكون قد وُفِّقْتُ في تحقيق الهدفِ من هذه الزِّيارة.

وما أقولُه هنا عن الدِّين الذي أعتنِقُه، يَنطبِقُ في معناه على الأديان الإلهيَّة الأخرى السَّابقةِ على الإسلامِ، وهي أديان وأومِنُ بها وبأنبيائها ورُسُلِها وكُتُبِها السَّماويَّة المُنزَلَةِ، إيمانا مساويا لإيماني بديني..

وسوفَ أُلخِّصُ محاضرتي فيما يُشبِهُ نقاطًا أو فقراتٍ ينبَنِي بعضُها على بعضٍ، مؤيَّدة بشواهدَ من القرآن الكريم في آيات واضحةِ المعنى وضوحَ الشَّمس في رابعةِ النَّهار.

وأوَّلُ حقيقةٍ قرآنيَّةٍ تُطالعُنا في هذا الموضوع هو بيان موقِعِ الإسلام من الأديانِ السَّابقةِ عليه، وأقربُها زمنًا منه: المسيحيَّةُ ومِن قَبلها اليهوديَّة.. وفي هذا الموقف تُقرِّرُ آياتُ القرآن الكريمِ أنَّه لا توجد – في منطق القرآن الكريم - أديانٌ مختلفةٌ، ولكن توجد رسالاتٌ إلهيَّةٌ، تُعبِّرُ عن دِينٍ إلهيٍّ واحدٍ، كان الإسلامُ هو الحلقةُ الأخيرةُ فيه، وممَّا يجب التَّنَبُّه له هنا أن كلمةَ "الإسلام" التي ورَدَت في القرآنِ خمس مرَّاتٍ فقط، وكذلك كلمة "مسلمين" لا يُقصَدُ بها – غالبا - الرِّسالةَ التي نزَلَت على نبيِّ الإسلامِ تحديدًا، وإنَّما يُقصَدُ بها الدِّين الإلهي الذي اختارَه الله لهدايةِ الإنسانيَّةِ كلِّها منذُ بدءِ الخليقةِ وإلى انتهاءِ الزَّمان والمكان..

ومن هنا أطلقَ القرآنُ لفظَ "مسلم" على نُوح، وعلى إبراهيم، وعلى يعقوب وأبنائه، وعلى موسى وعيسى ومحمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام.

وحين يقرر الإسلام ذلك؛ فليس أمامنا في فهم معنى هذه الآيات إلا فهمٌ واحدٌ، هو: أن الإسلام في القرآن يطلق على دين واحد مشترك بين الأنبياء جميعا، وأن الحلقة الأخيرة من هذا الدين هي رسالة الإسلام التي نزلت على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين(). بل إن شريعة الإسلام هي – في أكثر مناحيها – متطابقة مع الشرائع السابقة().

ولا شك أن ها هنا وَحدَةً عُضويَّةً بين الرِّسالاتِ الإلهيَّةِ السَّابقةِ ورسالةِ الإسلامِ الأخيرةِ.

ثم هناك وِحدَةٌ عضويَّةٌ أخرى تربط نبيَّ الإسلام بإخوته السابقين عليه من الأنبياء والمرسلين()، وهي علاقة الأخوة التي عَبَّرَ عنها نبيّ الإسلام صلى الله عليه وسلم بقوله: "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد". والإخوة لعَلَّات هم: الإخوة من أب واحد وأمهات شتى، والأب الواحد في هذه الصورة الجميلة هو هذا الدين الإلهي الواحد الذي ينتسبون إليه جميعا بِنَسَبٍ واحد لا اختلاف فيه، والأمهات التي تُفرِّقُهم هي الأزمنة والأمكنة.

والشيء نفسه يقال على صلة القرآن بالكتب الإلهية السابقة، بحيث نقرأ في القرآن ما يدلنا على أن الإنجيل مصدق للتوراة ومؤيد لها، وأن القرآن مصدق ومؤيد للإنجيل والتوراة.


النقطة الثانية:

ما هي علاقة المسلمين بغير المسلمين؟ هل هي علاقة إخوة إنسانية، أو عداوة متبادلة؟

لو بحثنا عن الإجابة لهذا السؤال من نصوص القرآن الكريم فسوف نجد الإجابة في هذا الكتاب المنزل تنبني على أصول ثلاثة، أو حقائق ثلاث تشكل جوهر نظرية الإسلام في القرآن الكريم.

الحقيقة الأولى: هي ما يمكن أن نسميها "حقيقة الاختلاف الكوني"، وتعني باختصار شديد: أن الله تعالى لو أراد أن خَلْق الناس على دين واحد، وعرق واحد، ولغة واحدة، لفعل ولتحقَّقَت إرادته ومشيئته، لكنه لم يشأ ذلك، وشاء عَكسَه وهو خَلق الناس مختلفين في الأديان والأعراق واللغات: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118-119] ويتبع اختلاف الناس في العقيدة والعرق واللغة اختلافهم بالضرورة في العقول والتصورات والأحاسيس والمشاعر..

وخلاصة هذا الأصل: أن القرآن يقرر اختلاف الناس في الاعتقادات وفي الأفكار والمشاعر والسلوك، وأن هذا الاختلاف سنة إلهية، وأنه باق فيهم إلى يوم القيامة..

الحقيقة الثانية التي تترتب منطقيا على الحقيقة الأولى: هي حقيقة حرية الاعتقاد التي كفلها القرآن للإنسان أيا كان نوع هذه العقيدة، وأيا كان قُربها أو بعدها من الدين الإلهي الصحيح؛ فحُريَّةُ الاعتقاد هي الوجه الآخر لحقيقة الاختلاف، ولا يُعقل في الحكمة الإلهية أن يُخبرنا الله بأنه خلق عباده مختلفين ثم يطلب منا أن نحشرهم على دين واحد، ونصادر عليهم حرياتهم في الاعتقاد في أديان أخرى، فهذا عبث لا يليق بحكمة الله تعالى، أضف إلى ذلك أن هذا التعارض بين إقرار الاختلاف في موضع ومصادرته في موضعٍ آخر يؤدِّي إلى القول بتناقض القرآن الكريم وهو مما لا يتصوره العقل في جناب الحكمة والعدالة الإلهية.. والقرآن مملوء بالآيات التي تقرر حرية الاعتقاد..، في مقدمتها، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، {لا إكراه في الدين} ، {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا

الحقيقة الثانية هي: ما يُسمَّى بحقيقة التعارف والتكامل، وتعني أن العلاقة بين المختَلِفينَ الذين يملكون حرياتهم لا يصح أن تكون علاقة صراع ومغالبة؛ لأن علاقة الصِّراع إنما تعني القضاء على الآخر المختلف، ولا تنتهي هذه العلاقة إلَّا بإبادة أحد الطرفين المتصارعين، وفرض الرؤية الواحدة أو الثقافة الواحدة التي يُختلف عليها.. وهنا يقرر القرآن الكريم أن علاقة الناس في إطار حق الاختلاف ومشروعيته – هي علاقة التعارف وهي: علاقة السلم والتعاون والتكامل.

وإذن فمن الجهل الفاضح بالإسلام والقرآن أن يُقال إن علاقة المسلم بغير المسلم أو بالكافر هي علاقة الدم، أو يُقال: إن الإسلام دين سيف وذبح ومطاردة الآخرين وإكراه الناس على الإسلام وإلَّا طارت رقابهم، وقد تعلَّمنا في الأزهر الشريف في أبواب الفقه أنَّ عِلَّةَ القِتال في الإسلام ليست هي الكفر وإنما هي العدوان على المسلمين، ومن قال من غير ذلك من العلماء مردود عليه من كبار الأئمة المحققين، الذين نقضوا هذا الرأي المخالف، بأدلة من المعقول والمنقول، وقالوا: إن الحالة الوحيدة التي يجب على المسلم أن يحمل فيها سلاحه ويُقاتل غيره هي حالة اعتداء الغير على المسلمين، سواء كان الاعتداء على العقيدة أو الأرض أو المال أو العِرض، فهاهنا يجب الدفاع عن هذه الحرمات، وهذا ما تفرضه كل شرائع الحق والعدل، ولأن الحرب في الإسلام استثناء واضطرار فقد نهى الله المسلمين –إذا كُتِب عليهم القتال- أن يجاوزوا الحق في الدفاع عن أنفسهم، وسمَّى هذا التجاوز بالاعتداء فقال في القرآن الكريم: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، فالقتالُ في سبيل الله له ضوابط وقيم لو تجاوزها المسلم في دفاعه كان معتديًا، والله يكره المعتدين ويمقتهم.. والمتأمِّلُ في أوَّل آيةٍ تأذن للمسلمين في قتال أعدائهم هي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ [الحج 39-40]. وهذه الآية تُثبِتُ بجلاء أنَّ أوَّل أسباب مشروعية القتال في الإسلام هو: نصرة المظلومين وتمكينهم من حقهم في حياة آمنة مثل غيرهم، وأن الإسلام يوجب الحرب للدفاع عن الأديان السماوية، وليس عن دين الإسلام وحده ضد عدوان أعداء هذه الأديان. وهذا يُفهَمُ من ذِكْر دُور عبادة اليهود والمسيحيين مع المسجد الذي هو دار عبادة المسلمين.

والدليلُ على أن الحرب في شريعة الإسلام إنما هي لدفع العدوان وليس لإكراه الناس على اعتناق الإسلام أمران:

1- الأول: أن البلاد التي فتحها الإسلام كان المسلمون يخيِّرون أهلَها بين الدخول في الإسلام إذا أرادوا ذلك، أو البقاءِ على أديانهم وشعائرهم ومعابدهم وعاداتهم وتقاليدهم، مع تَعَهُّد المسلمين تَعهُّدًا شرعيًّا بضمان حريَّتهم كاملة في اعتقاداتهم، وحراسة الدولة لكنائسهم، ومعاملتهم بالقاعدة التي نحفظها وهي: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا».. ولم يُسَجِّل التاريخ حالة واحدة دخل فيها المسلمون بلدًا وخيَّروا أهلها بين الدخول في الإسلام أو القتل أو التهجير القسري من البلاد.

2- الأمر الثاني: أن الإسلام يحرم على المسلم أن يقتل في جيش الأعداء الطفل والمرأة والرَّجُل الضَّعيف والأعمى والمُقْعَد والعُمَّال والزُّرَّاع والرُّهبان، وعِلَّة تحريم قتلهم؛ أنهم وأمثالهم لا يحملون السلاح ولا يمثلون عدوانًا مباشرًا على المسلمين، لذلك حَرُم قتلهم، لأن «العدوان» غير متحقق فيهم، بل نقرأ في وصايا قادة جيوش المسلمين: حرمة قتل الحيوان في جيش الأعداء، اللَّهُمَّ إلَّا لضرورة الأكل، وكذلك يحرُم حرق الأشجار وتفريق النحل وهدم المباني والبيوت..

الحفل الكريم!

إذا أردنا أن نلخص كلماتنا عن الإسلام في هذه الأمسية فإني أقول: الإسلام دين السلام ليس بين المسلمين فقط، بل بين المسلمين وغير المسلمين، ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بعثه الله رحمة للعالمين، ولم يقل القرآن: رحمة للعالمين، بل قال: {للعالمين}، و"العالمين" جمع "عالم"، والعوالم أربعة كما نعرف: عالَم الإنسان، وعالَم الحيوان، وعالَم النبات، وعالَم الجماد.

وعلى المسلم الذي يقتدي بنبيه أن يكون مصدر رحمة لنفسه وللمسلمين وللناس أجمعين.

وإذا كان الإسلام دين رحمة لكل العوالم؛ فمن المنطقي أن يحرم إراقة الدماء، ولا يبيحها إلا حين تكون حقا للآخر، والذين يقتلون باسم الإسلام مجرمون مفسدون في الأرض، وعقوبتهم معلومة من القرآن الكريم.

والإسلام دين يسر في عقيدته وشريعته وأحكامه، وقد أكد القرآن هذا اليسر في موضعين، وبكلمات متماثلة، فقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وفي موضع آخر: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}.

والإسلام دين الأخوة الإنسانية، وهذا هو الإمام علي كرم الله وجهه، يقول ناصحا المسلم: "الناس إما أخ لك في الدين، وأو نظير لك في الإنسانية"، وإذا كانت الأخوة الدينية ترتِّب على المؤمنين حقوقا وواجبات؛ فإن الأخوة الإنسانية ترتب على الناس حقوقا وواجبات أيضا..

والإسلام دين ينهى عن الغلو والتشدد، ويحذر من التطرف في الفهم، لما يترتب على ذلك من تضييق على الناس في دين الله، ودين الله يسر لا عسر.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إيذاء أهل الكتاب أو ظلمهم فقال: "ألا من ظلم معاهَدا أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه، فأنا خصمه يوم القيامة".. وقال في حديث آخر: "من قتل معاهَدًا لم يَرِح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما"..

وأنا أعجب من هؤلاء الذين لا يأكلون طعام أهل الكتاب، وهو يقرأون صباح مساء: {اليوم أحل لكم الطيباتُ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم}، ومن حق المسلم أن يطمئن إلى اللحم الذي يقدم: إذا كان مذبوحا فيأكله، أو بطريقة أخرى غير الذبح فيعتذر عن أكله.

وأعجب كذلك من الذين يحرمون تهنئة المسيحيين في أعيادهم وهو يقرأون صباح مساء قوله تعالى في نفس الآية السابقة: {والمحصنات من المؤمنات والمحصناتُ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}، أي: أحل الله للمسلمين الزواج من المحصنات من أهل الكتاب، فهل يعقل أن يحل الله للمسلم أن يتخذ زوجة مسيحية يبادلها المودة والرحمة، ثم يحرم عليه أن يهنئها بأعيادها!؟

وقد تقولون: هذا الذي تقول يتعلق بمعاملة أهل الكتاب، فماذا عن معاملة المسلم لغير أهل الكتاب؟

والجواب هو قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين}، وإذن فمطلوب من المسلم شرعا أن يتعامل مع الناس جميعا بالبر وبالقسط الذي هو العدل؛ لأن الله يحب الذين يتعاملون مع غيرهم بهذه الأخلاق.

السيدات والسادة:

من المهم جدا في هذا العصر أن نفهم القرآن والحديث النبوي فهما صحيحا أولا قبل أن ننزل به إلى واقع الناس، ومن المهم جدا للمسلمين الذين يعيشون في مجتمعات غير إسلامية، أو مجتمعات تتعدد فيها الأديان والأعراق، أن يندمجوا في مجتمعاتهم اندماجا إيجابيا، وأعني بالاندماج الإيجابي الانخراط في المجتمع، مع التمسك بما يحفظ عقيدتهم وشريعتهم، والمحافظة على هويتهم وأيضا بما يجعلهم أعضاء فاعلين في مجتمعاتهم، يسهمون في تنميتها واحترام القوانين، وأديان الآخرين وعقائدهم وتقاليدهم، واعلموا أن احترام عقيدة الآخر شيء ، والإيمان بها شيء آخر مختلف تماما.

وليس المطلوب للمسلم مع غيره إلا الحوار الإيجابي البناء الذي عبر عنه القرآن {بالتي هي أحسن}، وعلينا أن نعلم أنه: لا حوار في العقائد؛ لأن الحوار في العقائد صراع منهي عنه، وأن نبحث عن المشتركات الإنسانية بين المؤمنين وغير المؤمنين، فقد خلقنا الله لنتعارف كما مر في أول الكلام، لا لنتصارع أو ليقتل بعضنا بعضا...ويعجبني قول أبي عَمرٍو ابن الصلاح (ت.643ه) -رحمه الله – في استدلاله على المسلم يحرم عليه قتل الكفار المسالمين: "ما خلقهم الله ليأمر بقتلهم"، فهذا عبث لا يليق بالحكمة الإلهية، وكلامه هذا إشارة إلى قوله تعالى في سورة التغابن: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن، ولله بما تعملون بصير}، [التغابن: 2].

وقد قدم الله الكافر على المؤمن في الآية، والحكمة في ذلك – كما يقول المفسرون – لأن الكفار أكثر عددا من المؤمنين.

هذا ما أردت أن أدور حوله في كلمتي هذه.. وأعلم أني قد أطلت عليكم...ولكن يشفع لي صبركم على سماعي، وأجر الصابرين كما هو معلوم عظيم وبغير حساب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.