يعود المخرج خالد الحجر إلي الشاشة الفضية بفيلم “حرام الجسد” بعد غياب عدة سنوات منذ إخراجه فيلم الشوق عام ""٢٠١٠، الذي حصد عنه عدة جوائز محلية و دولية. الزوج و الزوجة و العشيق ... مرة أخري يأتي فيلم "حرام الجسد" كفيلم قليل التكلفة من إنتاج أفلام مصر العالمية، ويتعرض لتيمة الزوج و الزوجة والعشيق، وهي إحدى التيمات الشهيرة في السينما وسبق أن تناول العديد من المخرجين تلك التيمة، وأصبحت من العلامات الكلاسيكية في السينما العالمية.ومن هذه الأعمال فيلم" ساعي البريد يدق الجرس مرتين" إخراج تاي جرنيت " ١٩٤٦" وفيلم" تعويض مضاعف" إخراج بيلي وايلدر ، و "إمبراطورية العواطف" إخراج ناجيزا أوشيما عام ١٩٧٨، وفيلم" جو دو" إخراج زانج يمو عام ١٩٩٠. هذا التراث العظيم يضع حملا ثقيلا علي عاتق أي مخرج يتعرض لهذه التيمة، فما الجديد الذي يمكن أن يقدمه؟ فهي تيمة معروفة في الأفلام النوعية خاصة فيلم النوار. والفيلم النوعي يعتبر وصفة جاهزة إلا أنها تفسد و تقل قيمتها كلما وقع كاتب السيناريو والمخرج في فخ النمطية، و عدم طرح جديد. ما الذي جاء بالثورة؟ يبدأ الفيلم بأنفاس حارة تخدعنا للوهلة الأولي هل هي أنفاس ناتجة عن علاقة جنسية أم ماذا، لاسيما وأن عنوان الفيلم و الأفيش يعطينا فكرة واضحة عن أن العلاقة الجنسية هي محور الفيلم. نكتشف أن هذه الأنفاس لرجل هائم علي وجهه يجري في الصحراء، ثم القطع علي منزل عائلة ثرية يوم ٢٩ يناير٢٠١١ لنستمع عن أحداث فتح السجون والشغب ويطرح الفيلم تساؤل للجمهور: هل سيكون هناك بعدا سياسيا أم سيكون مجرد تاريخ لخدمة القصة الرئيسية بالفيلم، و هي هروب علي "أحمد عبد الله محمود" من السجن عندما تم فتح السجون، و ذهابه لابن عمه حسن "محمود البزاوي" الذي يعمل حارسا في مزرعة ريفية يمتلكها مراد بك "زكي فطين عبد الوهاب"، والذي رأيناه مع عائلته و هم يستمعون إلي الأنباء. حسن متزوج من فاطمة "ناهد السباعي" امرأة صغيرة السن لا يستطيع أن يعاشرها لعجزه الجنسي ومرضه بالسكر كما يدعي ونلمس رغبتها في اطفاء مشاعرها الأنثوية لتروي عطش جسدها النافر والذي نجح المخرج في إظهار تفاصيله باللعب بالإضاءة. مع وصول علي إلي المزرعة تبدأ المعاناه، هذا الشاب الممتلئ بالحيوية و الفحولة، أصبح هناك توقعا بأن تقوم علاقة بين علي و فاطمة، و سيتم قتل حسن الزوج علي الأرجح، ونجح المخرج في خلق حالة مراوغة بالسيناريو بين التوقعات والمفاجآت بشكل متوازن جعل المتفرج راغبا في معرفة النهاية، بالرغم من القراءة الشبه مؤكدة للفيلم منذ البداية لمن أعتاد علي هذه النوعية من الأفلام. فالزوجة يبدو عليها الاضطراب عند رؤية علي، ونكتشف من سياق الأحداث أن بينهما قصة حب وعلاقة قديمة ووعد سابق بالزواج، لولا قتله لشخص قام بمعاكستها وزج به إلي السجن منذ ٧ سنوات، فاضطرت أن تتزوج أبن عمه حسن الطاعن في السن. تقع الزوجة في حيرة وصراع بين مقاومتها للخطيئة، وبين رغبتها الجامحة وشوقها إلي الحبيب. فالصراع الدائر يكمن لدي فاطمة وعلي، والحيرة بين الرغبة و الحفاظ علي الزواج و النسب والقرابة. غير أن رغبتهما وحبهما لبعضهما أقوي. ويتم اللقاء بينهما في نفس اليوم الذي يمنح مراد صاحب المزرعة لحسن جرعة منشط جنسي تمكنه من اللقاء بزوجته، مما يضع فاطمة في صراع أكبر مع نفسها فقد أصبحت متاعا لرجلين ويعزز هذا إحساسها بالخطيئة. يستيقظ حسن منتشيا بهذه الليلة، و يقترح أن يزوج علي ليهنأ مثله، وتدب الغيرة في قلب فاطمة وتهدد علي بقتل الجميع بما فيها نفسها إذا وافق علي الزواج، و تضيق الدائرة علي علي و يبكي مثل الأطفال و تمنحه فاطمة بريق أمل بقولها"أتصرف". يأتي هذا "التصرف" من خلال مصادفة، و ليس من خلال تخطيط مسبق، عندما يغدق مراد بكرمه علي حسن و يكافئه بجرعة منشطات زائدة ليسعد بها مع زوجته، فيبتلع حسن أثنين دفعه واحد،ه لتكون ليلة "بجد" ولم يتحمل سنة المنشط ويفقد الوعي، و تستنجد فاطمة بعلي الذي ينجح في إفاقته إلا أنه يغير رأيه و يقرر أن يخنقه، و يطلب من فاطمة أن تساعده. تخضع فاطمة له وهي في حالة صراع شديد مع نفسها، فحسن شخص طيب لم يؤذيها في حياته، وفي نفس الوقت يمثل عقبة أمام ارتباطها بعلي، بل يسعي إلي زواجه بآخري وهو أمر لا تستطيع أن تتحمله. يعلم مراد بك صاحب المزرعة بموت حسن، ويتكفل بكل الإجراءات و يدفن حسن، بعد الكشف عليه و تشخص وفاته بسكتة قلبية، نتيجة تناوله المنشطات الجنسية، ولكن مراد يعلم بعلاقة فاطمة وعلي عندما شاهدهما في إحدى المرات معا، و يشك في إنهما وراء الحادث، وينتزع اعتراف بالقوة من فاطمة التي تنهار أمامه، و يستغلها جنسيا في مقابل سكوته عما حدث. شخصيات هشة هذا الاستغلال و الاستسلام للظروف المحيطة بفاطمة، وعدم قدرتها علي أخذ مواقف واضحة هو العبء الذي تتحمله المرأة في المجتمع الشرقي نتيجة الظروف الاجتماعية و الثقافية و السياسية والدينية، يقابله قرارات الرجل تحت وطأة الرجولة والحب لينتهي بالقتل مرتين. هذه التصرفات المتهورة وغير المدروسة لا تدل علي شر كامن بداخل هذا الشخصيات بقدر ما تدل علي عدم نضج ووعى، تلك هي الزاوية الجديدة في تيمة قتل الزوج ضمن مثلث الزوج و الزوجة و العشيق. فشخصية علي و حسن، في حقيقة الأمر ليست بالشخصيات الشريرة بالمعني الكلاسيكي، فهي شخصيات قتلت من أجل الحب، و هذا الحب يشمل الزواج و تكوين الأسرة. ففاطمة واقعة تحت صراع عنيف لا تدري كيف تخرج منه، والأمر ذاته بالنسبة لعلي، فهي شخصيات هشة تتناقض مع ذاتها نتيجة عدم القدرة علي التحكم في مصائرها. بعد انقضاء فترة العدة يقرر مراد صاحب العزبة أن يزوجهما و يسعدان بهذا القرار الذي لم يحاول علي أو فاطمة أن يأخذوه. تبدأ أزمة جديدة لدي فاطمة بعد الزواج عندما تكتشف حملها، ولا تستطيع أن تحدد من هو الأب بشكل قاطع. فهي تستطيع أن تستبعد حسن بسبب قضاء فترة العدة قبل زواجها من حسن، و لكن يبقي مراد و زوجها الجديد علي، وعندما يطلب مراد منها أن تجهض نفسها خوفا من أن يكون من صلبه، ترفض و تقول له أنه ابن علي لأن المرأة تحمل ممن تحبه. فمراد قد يملكها كما قال لها من قبل و لكنه لا يملك اختيار قلبها، هذه المواجهة لا تقتل الشك بداخل قلب فاطمة لأنها تعلم أنه سبب غير موضوعي. يأتي الولد للحياة،و يعطي علي حق اختيار الاسم لمراد بيه الذي يطلق عليه اسم حسن، الزوج الأول في محاولة من جانبه لإبقاء جريمة القتل حية في نفوسهم ويستطيع أن يسيطر عليهم، مما يربك فاطمة وعلي. تشعر الشخصيات جميعها بالذنب نتيجة ارتكابهم الخطايا، فعلي بعد قتله حسن يتذكر مشهد القتل وهو نائم، و مراد يحلم بكابوس أن عائلته رأته مع فاطمة. و تأتي فاطمة الأكثر شعورا بالذنب حتى أنها تري شبح زوجها الأول في المكان. كل هذا يدفعها إلي حالة من الجنون و ترفض أن ترضع المولود، وتحاول أن تتخلص من رضيعها في البئر لكن الزوج يمنعها و تبوح لزوجها أنها خضعت سطوة مراد و ضغوطه عليها حتى لا يفضح آمرهما. فيدفعها علي غاضبا وتسقط في البئر ويحاول أن ينقذها، ويغرقان معا، ويبقي الرضيع في قبضة مراد ليصبح ملكه. جاءت شخصية مراد مكملة لهذا المثلث الشهير"الزوج والزوجة و العشيق"، فهو المهيمن المسيطر تحت غلالة شفافة من الإنسانيات الهشة التي تحتوي علي مصالح خاصة، ونسق يحافظ عليه كشخص مسيطر علي مقاليد الأمور، مقابل دخول علي الذي يمثل حالة الفوضى الخارجية التي تتسلل للمزرعة لتحرك المياه الراكدة، مراد هو من أعطي المنشطات الجنسية لحسن التي كانت بشكل ما سببا في موته، وهو أيضا من منح المولود الجديد اسم حسن حتى يظل له وجود في ذاكرتهما، ومراد من أمر بإعادة تشغيل البئر لكي يكون سببا في موتهما. فأفعاله شبيهة بالأقدار الإلهية و بالتالي هي سلطة غامضة غير مفهومه. وهو شخص مستغل أكره الفتاة علي الجنس، وساعد في خلط الأنساب، ولكنه لا يعاقب، حتى الطفل لم يمثل له عقاب، وقرر أن يستحوذ عليه بغض النظر إذا كان ابنه أم لا. واقتران القدر بالشر يفقد القدر معناه، وهنا تأتي إشكالية النهاية،والتي قد نتقبلها بعدما كشف المخرج أن مراد عضوا بالحزب الوطني الذي تم إزاحته في ثورة يناير ٢٠١١، وهو الحزب الحاكم والمسيطر علي أقدار الناس، ويسعد بالتلاعب بالأشخاص كعرائس الماريونت. كل هذا يدفعنا إلي التساؤل الذي طرحناه من قبل هل الفيلم له بعد سياسي من خلال فهم بنية "السلطة"كأداة تتحكم في حياتنا، أم محاولة لإيجاد بعد واقعي يخرجه من نمطية الأنواع. الحقيقة أن الفيلم تعامل مع الخطين بشكل متواز ولكنه أخفق في تحقيق ذلك. وبدى واضحا من اقحام أسرة مراد بالفيلم ومحاولات سرد أخبار الثورة،وه خط أضر بالعمل ولم تضيف له قيمة. والمشهد الوحيد الذي يحمل مغزي في عائلة مراد هو احتياج الزوجة "سلوي محمد علي" لزوجها جنسيا، و عدم إشباعه رغبتها مما يضع المرأة في الفيلم مقهورة جسديا و عاطفيا بشكل عام. أما اقحام ثورة يناير في احداث الفيلم خلق إشكالية حقيقية للمخرج الذي يريد التطرق للظلم الاجتماعي، وهو ما عكسه بالفعل أحدث "حرام الجسد"، فقد كان يمكن التحدث عن آلية السلطة في نظام فاسد من خلال وجود صاحب المزرعة والإشارة إلي تاريخ هروب علي من السجن فقط. و تأتي الإشكالية الأخرى من أن تكون العزبة مقابل لمصر علي مستوي الفكرة، ولكن هذا القدر من تشوه الشخصيات وانحصار الحبكة في الجنس و الرغبة و الحب لا يساعد علي خلق هذه العلاقة بشكل سليم و يشوه فكرة المقابلة. أما بالنسبة للخط الواقعي فقد حاول مخرج الفيلم أن يصبغ شكل واقعي نابع من البيئة، إلا أنه أخفق في عدة أشياء منها علي سبيل المثال لا الحصر اللهجة التي تحدث بها علي و حسن و فاطمة، وهي مزيج من الفلاحي والصعيدي، ولا تنتمي لمكان محدد، كما أن المزرعة لا يتم بها أي من أعمال الفلاحة المألوفة.