المركزي الأوروبي يبقي على أسعار الفائدة للمرة الخامسة على التوالي    مندوب السودان يطالب المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي بدعم إطلاق مشروع تنمية الموارد البشرية السودانية    الحارث الحلالمة: استهداف مظاهر الاستقرار في غزة سياسة إسرائيلية ممنهجة    وحدات تدريبية متقدمة فى اليوم الثاني لدبلومة الرخصة الإفريقية «Pro1»    الزمالك انتصار الشباب.. ومشكلة الأهلى أمام البنك    بالصور.. انقلاب شاحنة بيض أمام قرية الحجناية في دمنهور    النائبة داليا الأتربي: حظر لعبة روبلوكس تدخل حاسم لحماية عقول أبنائنا من أي اختراق    استعدادًا لرمضان 2026.. شريف سلامة يواصل تصوير مشاهد "علي قد الحب"    مسؤول أمريكي سابق: نزع سلاح حماس شرط أساسي لإعادة إعمار غزة    الرقابة المالية تُصدر أول ضوابط تنظيمية لإنشاء مكاتب تمثيل شركات التأمين وإعادة التأمين الأجنبية    المنتدى الاقتصادي العالمي يبرز إنجازات نظام التعليم في مصر    فاركو يتعادل مع حرس الحدود 1-1 في الشوط الأول بالدوري    مدير أوقاف الإسماعيلية يتفقد مساجد الإحلال والتجديد بإدارة القصاصين    محافظ كفر الشيخ يشهد ورشة عمل تطبيق اللائحة التنفيذية لقانون تقنين أملاك الدولة    ترامب: إيران تتفاوض معنا ولا تريد استهدافها بضربة وهناك أسطول كبير يقترب منها    مسؤول أمريكى سابق: نزع سلاح حماس شرط أساسى لإعادة إعمار غزة وإرسال قوات الاستقرار    يحيى الدرع: لقب أفريقيا العاشر إنجاز تاريخي وهدفنا ميدالية عالمية مع منتخب اليد    ترامب: قضينا على داعش تماما فى نيجيريا    «التنظيم والإدارة» يتيح الاستعلام عن نتيجة وظائف سائق وفني بهيئة البناء والإسكان    محطة «الشهداء» تتحول لنموذج عالمى: تطوير اللوحات الإرشادية بمترو الأنفاق.. صور    إصابة 8 أشخاص فى انقلاب سيارة ربع نقل بطريق الزعفرانة بنى سويف    بنك إنجلترا يثبت سعر الفائدة متوافقا مع المركزي الأوروبي بسبب التضخم    الكرملين: سنواصل التصرف كقوة نووية مسئولة رغم انتهاء معاهدة نيو ستارت    "مجرد واحد".. تفاصيل رواية رمضان جمعة عن قاع الواقع    الإثنين.. افتتاح معرض "أَثَرُهَا" ل30 فنانة تشكيلية بجاليري بيكاسو إيست    خالد الجندي يوضح معنى الإيثار ويحذّر من المفاهيم الخاطئة    وزارة الصحة: نقل 9 مصابين جراء حريق مخازن المستلزمات الطبية للمستشفى    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال يناير الماضي    السبت.. مواهب الأوبرا للبيانو والغناء العربي في دمنهور    الصحة: الوزير تفقد معبر رفح لمتابعة الأشقاء الفلسطينيين القادمين والعائدين إلى قطاع غزة    البورصة تخسر 7 مليارات جنيه بختام تعاملات الأسبوع    رافينيا يغيب عن برشلونة أمام ريال مايوركا بسبب الإصابة    الأقصر تشهد انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي لعلاج السكري بمشاركة خبراء من 8 دول    موانئ أبوظبي تبرم اتفاقية لإدارة وتشغيل ميناء العقبة الأردني متعدد الأغراض لمدة 30 عاما    "فارماثون 2026" بجامعة أم القرى يعزز جاهزية المنظومة الصحية لخدمة ضيوف الرحمن    مستشفيات جامعة أسيوط تنظم ندوة توعوية حول الصيام الآمن لمرضى السكر    تعليم القليوبية يشدد الإجراءات الأمنية قبل انطلاق الفصل الدراسي الثاني    طريقة عمل الثوم المخلل فى خطوات بسيطة وسريعة    تعليم القليوبية تدشن فعاليات منتدى وبرلمان الطفل المصري    القوات المسلحة تنظم عددًا من الزيارات لأسر الشهداء إلى الأكاديمية العسكرية المصرية.. شاهد    هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان.. الأزهر للفتوى يجيب    التصريح بدفن جثمان طالبة بعد سقوطها من الدور الثاني بمنزلها بالمنيا    شن حملة تفتيشية مكثفة على المحلات بالغردقة لضبط الأسواق.. وتحرير 8 إنذارات لمخالفات متعددة    التقرير الطبي يكشف تفاصيل إصابة خفير بطلق ناري على يد زميله بالصف    مفيش رسوم نهائي.. شروط إقامة موائد الرحمن خلال شهر رمضان 2026    الزمالك يكشف سر الموافقة على بيع دونجا للنجمة السعودي    عمر جابر خارج حسابات الزمالك في مواجهة زيسكو بالكونفدرالية    وزير التجارة الجزائري: حريصون على دعم تكامل الاقتصاد العربي    نشاط رياح مثيرة للرمال والأتربة على مطروح والساحل الشمالي والعلمين    2030.. استراتيجية جديدة لحقوق الإنسان في أفريقيا    براءة طبيب من تهمة الإهمال والتزوير في قنا    عبد الصادق الشوربجى: الصحافة القومية حققت طفرة معرفية غير مسبوقة    سوق الدواجن يستقبل شهر رمضان بموجة غلاء جديدة وكيلو الفراخ البيضاء ب 100 جنيه    ياسمين الخطيب تثير الجدل ببوستر برنامجها "ورا الشمس"    حكم زينة رمضان.. حرام بأمر الإفتاء في هذه الحالة    الهدية.. العطاء الذي قبله النبي للتقارب والمحبة بين المسلمين    دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في شعبان    قمة ميلانو.. إنتر يواجه تورينو في ربع نهائي كأس إيطاليا وسط ترقب جماهيري واسع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أنديرا غاندي..المرأة الديمقراطية التي مارست جبروت الحاكم الطاغي
في ذكرى اغتيالها..
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 31 - 10 - 2014

يلقبونها بالمرأة الهندية الحديدية في بعض الأحيان.. وفي أحيان أخرى يقولون إنها المرأة التي هزت أركان الدنيا الأربعة!..ويصفها البعض بأنها امرأة ارتدت لباس الديمقراطية والحرية ومارست في الوقت نفسه جبروت الحاكم الطاغي، الذي لا يكاد يلتفت إلى شعبه.
أنصار حركة تحرير المرأة التي تفتحت ورودها وأوراقها الخضراء في منتصف القرن الماضي يتغنون بأمجادها ويشدون بإنجازاتها, ويضعون صورها فوق أغلفة المجلات والملصقات.. ولا عجب في ذلك.. ألم ترفع رايتهم عاليا في سماء المجد؟ ..إنها أنديرا غاندي ابنة المعلم السياسي الكبير نهرو.. وتلميذة الزعيم الهندي الخالد غاندي الذي بهر العالم كله بصموده وصبره وجلده في مقاومة الاستعمار البريطاني، رافعا شعار "اللا عنف".. إنها المرأة التي كانت على رأس السلطة لعقدين من الزمان.
ففي 19 نوفمبر عام 1917 داخل إحدى المستشفيات الهندية الراقية، كان المشهد يبدو متوترا.. فالأب جواهر لال نهرو ينتظر في لهفة وشوق قدوم مولوده الأول إلى الدنيا. يظل يسير هنا وهناك في أروقة المستشفى في انتظار تلقي نبأ سعيد يبث في نفسه القلقة الطمأنينة.. وخارج أسوار المستشفي هناك جمهور كبير يشاركه القلق ويأمل في الوقت نفسه أن يكون المولود ذكرا..فالأب ليس أبا عاديا. انه جواهر لال نهرو أحد رموز العائلات الهندية المرموقة، وهو كذلك أحد قادة الحركة الوطنية الهندية المناضلة ضد الاستعمار البريطاني.. وجاءت الجدة لتخبره أن المولودة أنثى لا ذكر.
تلقى نهرو النبأ بسرور وسعادة، وقرر في أعماقه أن يربيها تربية مختلفة عن تلك التي تلقاها البنات، بل وان يعدها لأن تصبح زعيمة سياسية تقود بلادها نحو أفق المستقبل الرحبة.
وكتب يوما رسالة إلى أحد أصدقائه الذين يعملون معه يقول:"لي نظرة خاصة عن التربية، لا أريد لابنتي أن تكون مجرد امرأة تغسل الثياب وتنظف البيت.. أتمني أن تدخل معترك الحياة العامة كأي شخص آخر.. كأي رجل، ولهذا فمن المفضل أن تشتغل في معمل ما لسنة كاملة، مثلها في ذلك مثل بقية العمال والعاملات لا ينبغي أن تشعر بأنها متميزة عن الآخرين، فالعمل جزء لايتجزأ من التربية وهو الذي يشكل الشخصية"..هكذا كان يفكر نهرو الأب والزعيم.
لقد دفع الرجل ابنته نحو الحياة العامة دفعا.. أرسلها إلى الخارج كي تتلقي تعليمها في معاهد وجامعات أوروبا.. إذ كان لا يثق كثيرا في المدارس والجامعات الهندية، وكان يأمل وهو الأهم، أن تحظى بتعليم جاء صارما فتكتسب المعارف والعلوم المختلفة وينضج عقلها وتتسع خبراتها وتصبح جديرة بتحمل المسئولية.
وعلي الرغم من إجلاله الكبير لشاعر الهند العظيم طاغور، إلا أنه لم يكن مرحبا أن تتلقي أنديرا تعليمها في المعهد الذي أسسه في شانتنيكيتان، إذ ساورته الشكوك بشأن المعايير الأكاديمية لهذا المعهد، ومع ذلك قبل الرجل أن تلتحق بالمعهد الذي أطلق عليه طاغور "دار السلام"، هذه الفترة القصيرة في حياة أنديرا كان لها تأثير عظيم عليها.
وحسب كتاب "قصة حياة أنديرا نهرو غاندي" لكاتبته الأمريكية كاترين فرانك، تزوجت أنديرا من فيروز غاندي التي التقت به كزميل دراسة في انجلترا، ولم يكن الأب نهرو موافقا على هذه الزيجة، حيث اعتقد أنها تزوجت كي تنسحب من الحياة العامة والمسئولية وهذا شيء يؤلمه جدا وكيف لا وهو يعد ابنته لخدمة الوطن، لكنه أذعن في النهاية وبارك زواجها.
عاشت أنديرا غاندي تؤمن باستقلال بلادها وضرورة الخلاص من الاستعمار البريطاني والاعتماد علي الذات في سد احتياجات الشعب والحفاظ علي وحدة الهند ورفض الاقتتال الطائفي، وكثيرا ما تأثرت أنديرا بالزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي، وسارت علي نهجه الفكري والسياسي، فشكل إلى جوار أبيها نهرو دعامة وركيزة راسخة في مبادئها وعقائدها، حتى أنها باتت تنسب إليه وأصبح يطلق عليها أنديرا غاندي وارتدت على طريقته الشهيرة الرداء الهندي المصنوع يدويا من القطن لتؤكد لشعبها مدي حبها وإيمانها بهذا الرجل العظيم.
ثلاثة رجال شكلوا في الحقيقة حياة هذه المرأة الهندية: الأب جواهر لال نهرو بعاطفته ووعيه ونضوجه الفكري وإيمانه بمستقبل ابنته ورغبته العارمة في أن تكمل مسيرته السياسية وتقود الهند نحو طريق التقدم والتحديث.
المهاتما غاندي الذي آمن بالحرية ومبدأ الاعتماد علي النفس في سد احتياجات الهند ورفع شعار (اللاعنف) في مواجهة الأعداء.
وأخيرا الزوج فيروز غاندي الذي أحبته أنديرا حبا جارفا وأصرت علي الارتباط به برغم معارضة الأهل والمجتمع.
كان عام 1966 عاما حاسما في حياة أنديرا غاندي، بل في الحقيقة في حياة الهند بأسرها، ففي هذا العام انتخبت كرئيسة للوزراء.. وشعر الجميع وقتها بأنها ورثت والدها الذي رحل منذ عامين فقط. ها هي تجسد بصورة ما شخصيته القوية ذات الحضور الطاغي. وقد اختارتها مجلة التايم الأمريكية كشخصية العام ووضعت صورتها على غلافها بالألوان وكتبت تحتها معلقة: "الهند المضطربة بين يدي امرأة".
في الواقع إن وصول أنديرا غاندي إلى رئاسة الوزارة في الهند تزامن مع ظهور حركات تحرير المرأة في الغرب.
وعلي الرغم من أنها قالت في العديد من المناسبات إنها ليست امرأة متحررة علي الطريقة الغربية، إلا أن صحافة الغرب النسائية راحت تستخدم صورتها كشعار لها، وراحت المجلات النسائية تقول: إذا كانت أنديرا غاندي تحكم بلدا كبيرا كالهند، فهذا يعني أن المرأة قادرة علي كل شيء.
لم يكن وصول أنديرا غاندي في الحقيقة إلى هذا المنصب السياسي الكبير وليد الصدفة.. بل كان نتاج مسيرة سياسية طويلة حفرها والدها نهرو في البداية وأكملتها الابنة التي كانت مهيأة ومدربة علي الولوج في رحابها.
وجاءت الثمار الطيبة لتؤكدها: ففي عام 1971 جرت انتخابات عامة جديدة في الهند، وكانت أضخم انتخابات ديمقراطية تشهدها الهند في تاريخها كله، فقد صوت فيها ما لا يقل عن 150 مليون مواطن ومواطنة وكانت النتيجة نجاحا ساحقا لأنديرا غاندي وحزبها. .وأصبحت أقوي رئيس وزراء شهدته الهند منذ الاستقلال، حيث اشتهرت بوقوفها إلى جوار الفقراء.. وجموع الشعب العادية التي تعاني من شظف الحياة البائسة.. وما أكثرها في الهند.. لقد انحازت إليهم.. ووقفت تساند قضيتهم مما أكسبها شعبية هائلة.. إذ رفعت شعار "اطردوا الفقر"، وأدخلت تعديلا على الدستور يلغي النفقات التي تدفعها الحكومة للأمراء.. وكانت هذه الخطوة الحاسمة بمثابة اللبنة الأولي في جدار الإصلاحات الاجتماعية والدستورية والاقتصادية التي كانت تخطط لها لتحديث الهند.
لقد أدركت أنديرا أنها كي تقيم دولة هندية حديثة ومتطورة ينبغي عليها أولا أن تفوز بتأييد وحب الشعب وأن تعمل لصالحه.. فهذه الجماهير الغفيرة ما كانت تقف إلى جوارها لو لم تهتم هي بقضيتها ومعركتها وهمومها وأوجاعها وأولها: الفقر.
وقادت المرأة الهندية الحديدية الحرب ضد باكستان عام 1971 وذلك بعد أن أعطت أوامرها إلى الجيش الهندي بدخول باكستان الشرقية لدعم الانفصاليين هناك، وقد حقق الجيش الهندي انتصارا كبيرا على نظيره الباكستاني، وكان من أهم نتائج هذه الحرب انفصال باكستان الشرقية عن الغربية وإنشاء كيان سياسي جديد هو بنجلاديش، وقد رفع هذا الانتصار الكبير من شعبية أنديرا وجعلها من زعماء الهند التاريخيين.
وتقع أنديرا في نفس الخطأ الذي يقع في شركه العديد من الزعماء السياسيين، حينما تشعر أنها باتت تملك في قبضتها السلطة والنفوذ والقوة، وأنها صارت المرأة الأولى في الهند بلا منازع، فتخرس أصوات المعارضة وترفض أي احتجاج علي قراراتها.. وحينما ضرب الجفاف أراضي الهند عام 1975، دخلت البلاد في حالة من التضخم والفساد المالي والإداري والذي ساعد بدوره علي ارتفاع أصوات المعارضة، مما أدي بها إلى إعلان حالة الطوارئ، وزجت حكومتها بأبرز زعماء المعارضة في السجون وفرضت رقابة علي الصحف وعلقت الحريات الدستورية وتراجعت شعبيتها كثيرا، إذ خسر حزبها الانتخابات في أكتوبر عام 1977.
ومع بداية الثمانينيات كانت الهند مهددة بالتفكك والانقسام.. فالصراعات بين الهندوس والسيخ والمسلمين والمسيحيين، كانت في أوجها، وكانت هناك أقاليم، عديدة تهدد بالانفصال عن الدولة المركزية.. وكلما شددت أنديرا غاندي من قبضتها علي الحكم وقوت النظام المركزي في نيودلهي كلما زادت الانقسامات في الأقاليم البعيدة..وتأتي ضربة القدر الموجعة: وفاة ابنها الكبير "سانجي" في حادث طائرة. الابن العزيز الذي كانت تعده لخلافتها في رئاسة الحكومة.. ونظمت أنديرا جنازة مهيبة لابنها "سانجي".. جنازة تكلفت الأموال الطائلة وفاقت جنازة المهاتما غاندي نفسه مما عرضها للنقد الشديد.. واشتدت الاحتجاجات ضدها، خاصة من جانب زعماء السيخ، الذين قاموا بالاعتصامات احتجاجا على سياساتها مما جعلها تفض هذه الاعتصامات بالقوة، الأمر الذي أثار حفيظتهم وكراهيتهم تجاهها ومع ذلك رفضت أنديرا تغيير حارسها الشخصي الذي ينتمي إلى طائفة السيخ لتقع ضحية رصاصته القاتلة يوم 31 أكتوبر 1984 وليسدل الستار على حياة امرأة تركت بصمة قوية مؤثرة في وجدان شعبها ووطنها.
يلقبونها بالمرأة الهندية الحديدية في بعض الأحيان.. وفي أحيان أخرى يقولون إنها المرأة التي هزت أركان الدنيا الأربعة!..ويصفها البعض بأنها امرأة ارتدت لباس الديمقراطية والحرية ومارست في الوقت نفسه جبروت الحاكم الطاغي، الذي لا يكاد يلتفت إلى شعبه.
أنصار حركة تحرير المرأة التي تفتحت ورودها وأوراقها الخضراء في منتصف القرن الماضي يتغنون بأمجادها ويشدون بإنجازاتها, ويضعون صورها فوق أغلفة المجلات والملصقات.. ولا عجب في ذلك.. ألم ترفع رايتهم عاليا في سماء المجد؟ ..إنها أنديرا غاندي ابنة المعلم السياسي الكبير نهرو.. وتلميذة الزعيم الهندي الخالد غاندي الذي بهر العالم كله بصموده وصبره وجلده في مقاومة الاستعمار البريطاني، رافعا شعار "اللا عنف".. إنها المرأة التي كانت على رأس السلطة لعقدين من الزمان.
ففي 19 نوفمبر عام 1917 داخل إحدى المستشفيات الهندية الراقية، كان المشهد يبدو متوترا.. فالأب جواهر لال نهرو ينتظر في لهفة وشوق قدوم مولوده الأول إلى الدنيا. يظل يسير هنا وهناك في أروقة المستشفى في انتظار تلقي نبأ سعيد يبث في نفسه القلقة الطمأنينة.. وخارج أسوار المستشفي هناك جمهور كبير يشاركه القلق ويأمل في الوقت نفسه أن يكون المولود ذكرا..فالأب ليس أبا عاديا. انه جواهر لال نهرو أحد رموز العائلات الهندية المرموقة، وهو كذلك أحد قادة الحركة الوطنية الهندية المناضلة ضد الاستعمار البريطاني.. وجاءت الجدة لتخبره أن المولودة أنثى لا ذكر.
تلقى نهرو النبأ بسرور وسعادة، وقرر في أعماقه أن يربيها تربية مختلفة عن تلك التي تلقاها البنات، بل وان يعدها لأن تصبح زعيمة سياسية تقود بلادها نحو أفق المستقبل الرحبة.
وكتب يوما رسالة إلى أحد أصدقائه الذين يعملون معه يقول:"لي نظرة خاصة عن التربية، لا أريد لابنتي أن تكون مجرد امرأة تغسل الثياب وتنظف البيت.. أتمني أن تدخل معترك الحياة العامة كأي شخص آخر.. كأي رجل، ولهذا فمن المفضل أن تشتغل في معمل ما لسنة كاملة، مثلها في ذلك مثل بقية العمال والعاملات لا ينبغي أن تشعر بأنها متميزة عن الآخرين، فالعمل جزء لايتجزأ من التربية وهو الذي يشكل الشخصية"..هكذا كان يفكر نهرو الأب والزعيم.
لقد دفع الرجل ابنته نحو الحياة العامة دفعا.. أرسلها إلى الخارج كي تتلقي تعليمها في معاهد وجامعات أوروبا.. إذ كان لا يثق كثيرا في المدارس والجامعات الهندية، وكان يأمل وهو الأهم، أن تحظى بتعليم جاء صارما فتكتسب المعارف والعلوم المختلفة وينضج عقلها وتتسع خبراتها وتصبح جديرة بتحمل المسئولية.
وعلي الرغم من إجلاله الكبير لشاعر الهند العظيم طاغور، إلا أنه لم يكن مرحبا أن تتلقي أنديرا تعليمها في المعهد الذي أسسه في شانتنيكيتان، إذ ساورته الشكوك بشأن المعايير الأكاديمية لهذا المعهد، ومع ذلك قبل الرجل أن تلتحق بالمعهد الذي أطلق عليه طاغور "دار السلام"، هذه الفترة القصيرة في حياة أنديرا كان لها تأثير عظيم عليها.
وحسب كتاب "قصة حياة أنديرا نهرو غاندي" لكاتبته الأمريكية كاترين فرانك، تزوجت أنديرا من فيروز غاندي التي التقت به كزميل دراسة في انجلترا، ولم يكن الأب نهرو موافقا على هذه الزيجة، حيث اعتقد أنها تزوجت كي تنسحب من الحياة العامة والمسئولية وهذا شيء يؤلمه جدا وكيف لا وهو يعد ابنته لخدمة الوطن، لكنه أذعن في النهاية وبارك زواجها.
عاشت أنديرا غاندي تؤمن باستقلال بلادها وضرورة الخلاص من الاستعمار البريطاني والاعتماد علي الذات في سد احتياجات الشعب والحفاظ علي وحدة الهند ورفض الاقتتال الطائفي، وكثيرا ما تأثرت أنديرا بالزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي، وسارت علي نهجه الفكري والسياسي، فشكل إلى جوار أبيها نهرو دعامة وركيزة راسخة في مبادئها وعقائدها، حتى أنها باتت تنسب إليه وأصبح يطلق عليها أنديرا غاندي وارتدت على طريقته الشهيرة الرداء الهندي المصنوع يدويا من القطن لتؤكد لشعبها مدي حبها وإيمانها بهذا الرجل العظيم.
ثلاثة رجال شكلوا في الحقيقة حياة هذه المرأة الهندية: الأب جواهر لال نهرو بعاطفته ووعيه ونضوجه الفكري وإيمانه بمستقبل ابنته ورغبته العارمة في أن تكمل مسيرته السياسية وتقود الهند نحو طريق التقدم والتحديث.
المهاتما غاندي الذي آمن بالحرية ومبدأ الاعتماد علي النفس في سد احتياجات الهند ورفع شعار (اللاعنف) في مواجهة الأعداء.
وأخيرا الزوج فيروز غاندي الذي أحبته أنديرا حبا جارفا وأصرت علي الارتباط به برغم معارضة الأهل والمجتمع.
كان عام 1966 عاما حاسما في حياة أنديرا غاندي، بل في الحقيقة في حياة الهند بأسرها، ففي هذا العام انتخبت كرئيسة للوزراء.. وشعر الجميع وقتها بأنها ورثت والدها الذي رحل منذ عامين فقط. ها هي تجسد بصورة ما شخصيته القوية ذات الحضور الطاغي. وقد اختارتها مجلة التايم الأمريكية كشخصية العام ووضعت صورتها على غلافها بالألوان وكتبت تحتها معلقة: "الهند المضطربة بين يدي امرأة".
في الواقع إن وصول أنديرا غاندي إلى رئاسة الوزارة في الهند تزامن مع ظهور حركات تحرير المرأة في الغرب.
وعلي الرغم من أنها قالت في العديد من المناسبات إنها ليست امرأة متحررة علي الطريقة الغربية، إلا أن صحافة الغرب النسائية راحت تستخدم صورتها كشعار لها، وراحت المجلات النسائية تقول: إذا كانت أنديرا غاندي تحكم بلدا كبيرا كالهند، فهذا يعني أن المرأة قادرة علي كل شيء.
لم يكن وصول أنديرا غاندي في الحقيقة إلى هذا المنصب السياسي الكبير وليد الصدفة.. بل كان نتاج مسيرة سياسية طويلة حفرها والدها نهرو في البداية وأكملتها الابنة التي كانت مهيأة ومدربة علي الولوج في رحابها.
وجاءت الثمار الطيبة لتؤكدها: ففي عام 1971 جرت انتخابات عامة جديدة في الهند، وكانت أضخم انتخابات ديمقراطية تشهدها الهند في تاريخها كله، فقد صوت فيها ما لا يقل عن 150 مليون مواطن ومواطنة وكانت النتيجة نجاحا ساحقا لأنديرا غاندي وحزبها. .وأصبحت أقوي رئيس وزراء شهدته الهند منذ الاستقلال، حيث اشتهرت بوقوفها إلى جوار الفقراء.. وجموع الشعب العادية التي تعاني من شظف الحياة البائسة.. وما أكثرها في الهند.. لقد انحازت إليهم.. ووقفت تساند قضيتهم مما أكسبها شعبية هائلة.. إذ رفعت شعار "اطردوا الفقر"، وأدخلت تعديلا على الدستور يلغي النفقات التي تدفعها الحكومة للأمراء.. وكانت هذه الخطوة الحاسمة بمثابة اللبنة الأولي في جدار الإصلاحات الاجتماعية والدستورية والاقتصادية التي كانت تخطط لها لتحديث الهند.
لقد أدركت أنديرا أنها كي تقيم دولة هندية حديثة ومتطورة ينبغي عليها أولا أن تفوز بتأييد وحب الشعب وأن تعمل لصالحه.. فهذه الجماهير الغفيرة ما كانت تقف إلى جوارها لو لم تهتم هي بقضيتها ومعركتها وهمومها وأوجاعها وأولها: الفقر.
وقادت المرأة الهندية الحديدية الحرب ضد باكستان عام 1971 وذلك بعد أن أعطت أوامرها إلى الجيش الهندي بدخول باكستان الشرقية لدعم الانفصاليين هناك، وقد حقق الجيش الهندي انتصارا كبيرا على نظيره الباكستاني، وكان من أهم نتائج هذه الحرب انفصال باكستان الشرقية عن الغربية وإنشاء كيان سياسي جديد هو بنجلاديش، وقد رفع هذا الانتصار الكبير من شعبية أنديرا وجعلها من زعماء الهند التاريخيين.
وتقع أنديرا في نفس الخطأ الذي يقع في شركه العديد من الزعماء السياسيين، حينما تشعر أنها باتت تملك في قبضتها السلطة والنفوذ والقوة، وأنها صارت المرأة الأولى في الهند بلا منازع، فتخرس أصوات المعارضة وترفض أي احتجاج علي قراراتها.. وحينما ضرب الجفاف أراضي الهند عام 1975، دخلت البلاد في حالة من التضخم والفساد المالي والإداري والذي ساعد بدوره علي ارتفاع أصوات المعارضة، مما أدي بها إلى إعلان حالة الطوارئ، وزجت حكومتها بأبرز زعماء المعارضة في السجون وفرضت رقابة علي الصحف وعلقت الحريات الدستورية وتراجعت شعبيتها كثيرا، إذ خسر حزبها الانتخابات في أكتوبر عام 1977.
ومع بداية الثمانينيات كانت الهند مهددة بالتفكك والانقسام.. فالصراعات بين الهندوس والسيخ والمسلمين والمسيحيين، كانت في أوجها، وكانت هناك أقاليم، عديدة تهدد بالانفصال عن الدولة المركزية.. وكلما شددت أنديرا غاندي من قبضتها علي الحكم وقوت النظام المركزي في نيودلهي كلما زادت الانقسامات في الأقاليم البعيدة..وتأتي ضربة القدر الموجعة: وفاة ابنها الكبير "سانجي" في حادث طائرة. الابن العزيز الذي كانت تعده لخلافتها في رئاسة الحكومة.. ونظمت أنديرا جنازة مهيبة لابنها "سانجي".. جنازة تكلفت الأموال الطائلة وفاقت جنازة المهاتما غاندي نفسه مما عرضها للنقد الشديد.. واشتدت الاحتجاجات ضدها، خاصة من جانب زعماء السيخ، الذين قاموا بالاعتصامات احتجاجا على سياساتها مما جعلها تفض هذه الاعتصامات بالقوة، الأمر الذي أثار حفيظتهم وكراهيتهم تجاهها ومع ذلك رفضت أنديرا تغيير حارسها الشخصي الذي ينتمي إلى طائفة السيخ لتقع ضحية رصاصته القاتلة يوم 31 أكتوبر 1984 وليسدل الستار على حياة امرأة تركت بصمة قوية مؤثرة في وجدان شعبها ووطنها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.