انتهاء أعمال الصيانة وعودة ضخ المياه تدريجيًا لمناطق الجيزة وقرية البراجيل    المركزي للإحصاء يعلن اليوم معدل التضخم في مصر لشهر ديسمبر 2025    سنسيطر عليها سواء أعجبهم أم لا، ترامب يكشف سبب إصراره على امتلاك جرينلاند (فيديو)    طقس الأسبوع: انخفاض درجات الحرارة وأمطار متفرقة من الأحد إلى الخميس    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    يورجن شولتس سفير ألمانيا بالقاهرة: برلين خامس أكبر شريك تجاري لمصر| حوار    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    صرف مساعدات لأسر الضحايا.. وزيرة التضامن تتابع تداعيات حادث صحراوي المنيا    11 جثة و9 مصابين.. ننشر أسماء ضحايا حادث التصادم بصحراوي المنيا    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    الأوروبيون بين القلق والانقسام بسبب سياسات ترامب    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إمرأة هزت الدنيا‏!‏..إنديرا غاندي‏..‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 31 - 03 - 2011

يلقبونها بالمرأة الهندية الحديدية في بعض الأحيان‏..‏ وفي أحيان أخري يقولون إنها المرأة التي هزت أركان الدنيا الأربعة‏!‏ويصفها البعض بأنها امرأة لبست لباس الديمقراطية والحرية ومارست في الوقت نفسه جبروت الحاكم الطاغي‏,‏ الذي لا يكاد يلتفت إلي شعبه‏.‏ أنصار حركة تحرير المرأة التي تفتحت ورودها وأوراقها الخضراء في منتصف القرن الماضي يتغنون بأمجادها ويشدون بإنجازاتها, ويضعون صورها فوق أغلفة المجلات والملصقات.. ولا عجب في ذلك.. ألم ترفع رايتهم عاليا في سماء المجد؟
إنديرا غاندي ابنة المعلم السياسي الكبير نهرو.. وتلميذة الشاعر الهندي العظيم طاغور.. ومريدة الزعيم الهندي الخالد غاندي الذي بهر العالم كله بصموده وصبره وجلده في مقاومة الاستعمار البريطاني, رافعا شعار( اللا عنف). امرأة كانت علي رأس السلطة, إذ حكمت أكبر دولة ديمقراطية في العالم لعقدين من الزمان..
ظلت طوال حياتها تناضل من أجل إعلاء قيمة الدولة في مواجهة الانتماء الطائفي.
امرأة أبحرت ضد التيار.. نصيرة الفقراء.. حليفة البسطاء.. تملك قلبا من حديد, لكنها مع ذلك وقعت في بحور الحب وغرقت في خضم أمواجه المتلاطمة!
وترملت وهي بعد شابة في ريعان شبابها.. شاهدت بعينيها موت ابنها الأكبر الذي كانت تعده لخلافتها.. حليفة الاتحاد السوفيتي..
وعدوة الولايات المتحدة الأمريكية.. خاضت حروبا ضد باكستان وانتصرت فيها وعززت من مكانتها في عالم السياسة..
امرأة آمنت بنبض الشعب.. أنصتت إلي أنينه وأوجاعه.. أدخلت الهند عالما جديدا عنوانه الديمقراطية والتحديث.
سقطت صريعة رصاصات الخيانة.. إذ فارقت الحياة علي يد حارسها الشخصي.. امرأة حيرت العالم بأسره..
فمن تكون إنديرا غاندي؟!
الكتاب الذي بين أيدينا اليوم إنديرا قصة حياة انديرا نهرو غاندي لكاتبته الأمريكية كاترين فرانك, ترجمة كوثر محمود محمد, صادر عن دار كلمات عربية, يعد بمثابة دراسة عميقة ومستفيضة لحياة إنديرا غاندي.. وهو الي جوار هذا يعد أيضا دراسة وعرضا بانوراميا للأحداث السياسية التي شهدتها الهند إبان منتصف سنوات القرن الماضي.. وهي أحداث عاصفة خلفت معها تغيرات هائلة وتحولات في خريطة العالم السياسية..
تختلط إذن الأوراق الشخصية الذاتية لأنديرا غاندي مع الأحداث السياسية العامة مشكلة معها سيرة حياة مذهلة وملهمة, لاتزال تدعو الي الدهشة حتي يومنا هذا..
والكتاب الذي يقع في أكثر من720 صفحة يعد أهم سيرة تصدر عن انديرا غاندي حتي الآن حسبما تؤكد الصحف الأمريكية والانجليزية علي حد سواء, فهو في عيون الناقدة جني موراي بمثابة سيرة مذهلة لم يتح لأحد أن يكتبها من قبل.. إنها سيرة امرأة انتخبت علي أساس أنها أهم امرأة ظهرت في القرن العشرين إنها امرأة دفعت دفعا الي ساحة المعترك السياسي من قبل الرجل, ثم أفسدت من قبل السلطة, ثم قتلت من قبل أولئك الذين ينبغي أن تثق بهم أكثر من غيرهم: حرسها الشخصي بالذات.
أما الناقد باتيرك فريتش فيقول: إنها أول ترجمة كاملة لحياة المرأة التي حكمت أكبر دولة ديمقراطية في العالم قرابة عقدين.. أحداثها تفوق الخيال..)
وربما تجدر الإشارة هنا أيضا الي مؤلفة هذا العمل الضخم كاترين فرانك, التي ولدت وتلقت تعليمها في الولايات المتحدة الأمريكية, وكانت أستاذة في جامعات إفريقيا الغربية والشرق الأوسط وبريطانيا.. وقد أمضت ست سنوات كاملة في كتابة قصة حياة سيدة الهند الأولي: أنديرا غاندي, في أثناء هذه السنوات الست زارت الهند عدة مرات, وأمضت في أرجائها فترات طويلة من أجل البحث في الأرشيف ومقابلة الشخصيات التي تعرف انديرا عن قرب..
هذه السطور تعيدنا من جديد الي السؤال الذي طرحناه في البداية: من هي انديرا غاندي..
المشهد الأول
في ذلك اليوم البعيد..19 نوفمبر عام..1971 في إحدي المستشفيات الهندية الراقية, كان المشهد يبدو متوترا..
الأب جواهر لال نهرو ينتظر في لهفة وشوق قدوم مولوده الأول الي الدنيا.. يظل يسير هنا وهناك في أروقة المستشفي في انتظار تلقي نبأ سعيد يبث في نفسه القلقة الطمأنينة.. وخارج أسوار المستشفي هناك جمهور كبير يشاركه القلق ويأمل في الوقت نفسه أن يكون المولود ذكرا..
فالأب ليس أبا عاديا.. انه جواهر لال نهرو أحد رموز العائلات الهندية المرموقة, وهو كذلك أحد قادة الحركة الوطنية الهندية المناضلة ضد الاستعمار البريطاني..
تلكأت الجدة بعض الشيء في إبلاغ النبأ الي مجلس الرجال.. فليس من السهل حقا أن تعلن للجميع في المجتمع الشرقي أن المولودة أنثي لا ذكر..
تلقي نهرو النبأ بسرور وسعادة.. فلم يكن الرجل شرقيا تقليديا, بل كان مستنيرا وعقلانيا.. رحب بقدوم ابنته, وقرر في أعماقه أن يربيها تربية مختلفة عن تلك التي تلقاها البنات, بل وان يعدها لأن تصبح زعيمة سياسية تقود بلادها نحو أفق المستقبل الرحبة..
كتب يوما رسالة الي أحد أصدقائه الذين يعملون معه يقول:
لي نظرة خاصة عن التربية, لا أريد لابنتي أن تكون مجرد امرأة تغسل الثياب وتنظف البيت.. أتمني أن تدخل معترك الحياة العامة كأي شخص آخر.. كأي رجل, ولهذا فمن المفضل أن تشتغل في معمل ما لسنة كاملة, مثلها في ذلك مثل بقية العمال والعاملات لا ينبغي أن تشعر بأنها متميزة عن الآخرين, فالعمل جزء لا يتجزأ من التربية وهو الذي يشكل الشخصية..
هكذا كان يفكر نهرو الأب والزعيم..
لقد دفع الرجل ابنته نحو الحياة العامة دفعا.. ارسلها الي الخارج كي تتلقي تعليمها في معاهد وجامعات أوروبا.. إذ كان لا يثق كثيرا في المدارس والجامعات الهندية, وكان يأمل وهو الأهم, أن تحظي بتعليم جاء صارما فتكتسب المعارف والعلوم المختلفة وينضج عقلها وتتسع خبراتها وتصبح جديرة بتحمل المسئولية..
وعلي الرغم من اجلاله الكبير لشاعر الهند العظيم طاغور, إلا أنه لم يكن مرحبا أن تتلقي انديرا تعليمها في المعهد الذي أسسه في شانتنيكيتان, إذ ساورته الشكوك بشأن المعايير الأكاديمية لهذا المعهد, ومع ذلك قبل الرجل أن تلتحق بالمعهد الذي أطلق عليه طاغور دار السلام, وهو معهد يعني بمزج الثقافة الهندية بكل تراثها العريق القديم مع الثقافة الأوروبية بمناخها وروافدها الغربية المختلفة تماما عن الهندية, وكان المعهد ينقسم الي ثلاثة أقسام: قسم الفنون الجميلة, وقسم الموسيقي, وقسم الثقافة الهندية.. وكانت الدراسة تتم وسط الغابات والطبيعة الهندية البكر.. في الهواء الطلق مما أكسبها خصوصية وتفردا..
هذه الفترة القصيرة في حياة انديرا كان لها تأثير عظيم عليها, إذ أنها وللمرة الأولي تشعر بالسكينة والهدوء في رحاب الطبيعة بعيدا عن أجواء الهند الصاخبة, كتبت خطابا لوالدها قالت فيه: وأخيرا ها أنذا في شانتنيكيتان.. كل شيء هنا بديع وفاتن وعلي طبيعته.. لم أعش أبدا في مكان هاديء.. عشت دائما في الزحام.. وكان ذلك الي حد ما السبب في شعوري بالمرارة الشديدة.. نما بداخلي قدر هائل من الكراهية والمرارة, وأظن أنني غسلت هذه المرارة والكراهية من نفسي في هذا المكان.. ما تعلمته هنا هو المقدرة علي الحياة بهدوء داخل نفسي بصرف النظر عما يحدث بالخارج, ولقد ساعدني هذا الدرس كثيرا علي مواصلة الحياة..
المشهد الثاني
زواج انديرا
محطة مهمة تتوقف لديها الكاتبة كاترين فرانك في حياة انديرا الخاصة, وهي زواجها من فيروز غاندي الذي التقت به كزميل دراسة في انجلترا.. لم يكن الأب نهرو موافقا علي هذه الزيجة..
ثمة شرخ عميق حدث في علاقته بابنته إبان زواجها.. مات شيء ما.. الرجل يعتقد أنها تزوجت كي تنسحب من الحياة العامة والمسئولية وهذا شيء يؤلمه جدا وكيف لا وهو يعد ابنته لخدمة الوطن..
لكن نهرو أذعن في النهاية وبارك زواجها حينما أدرك شدة تمسكها بالرجل الذي خفق قلبها إليه ووقف الي جوارها في معارضة الجميع لهذا الزواج لاختلاف ديانتهما من ناحية ولخروجهما عن الأعراف الهندية والتقاليد من ناحية أخري.
وأخيرا تم زفاف انديرا لفيروز وأجريت مراسم وطقوس الزواج بالطريقة الهندوسية وذهب العروسان الي كشمير لقضاء شهر العسل, وبدأت انديرا حقبة جديدة في حياتها..
نهرو الزعيم.. والأب
توقفت الكاتبة الأمريكية كثيرا وهي تسرد حياة انديرا غاندي عند نهرو الزعيم والأب, وتناولت باسهاب علاقته بابنته وأسلوبه في تربيتها كما عرضت بعضا من رسائله الشهيرة الي إنديرا.. فهذه الخطابات لم تكن فقط خطابات عاطفية يبثها أب لابنته, وانما كانت في الحقيقة نهجا في الحياة وأسلوبا في التربية ورؤي في الأحداث المؤثرة التي يشهدها العالم إبان تلك السنوات..
كان نهرو بالنسبة لانديرا ليس فقط أبا يهتم بابنته ويرعي شئونها وأحوالها.. ويبثها حبا وحنانا لكنه كان أيضا صديقا ومعلما ومثلا أعلي.. فثمة علاقة عميقة وفريدة ربطت بينهما.. لقد كان دائما حاضرا معها عبر كل مراحل حياتها.
وبعد موته عام1964 شعرت بوحدة شديدة وألم بها مرضا نفسيا..
لم تكن تتوقع أن والدها شخصيته القوية وحضوره الطاغي سوف يموت مثل بقية البشر..!
مسيرة سياسية حافلة
والحديث عن الحياة السياسية الحافلة التي شهدتها انديرا غاندي يطول في الحقيقة إذ يصعب سرده هنا في سطور قليلة مختصرة وكلمات مختزلة..
وعبر أجزاء الكتاب الثلاثة بفصولها المختلفة, يتتبع القاريء عن قرب هذه المسيرة السياسية الطويلة والشاقة, والتفاصيل العديدة التي توردها الكاتبة الأمريكية كاترين فرانك تكسبها خصوصية وأهمية..
نعرض هنا لسيرة حياة امرأة غير عادية..
امرأة آمنت باستقلال بلادها وضرورة الخلاص من الاستعمار البريطاني والاعتماد علي الذات في سد احتياجات الشعب والحفاظ علي وحدة الهند ورفض الاقتتال الطائفي..
كثيرا ما تأثرت انديرا بالزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي.. وسارت علي نهجه الفكري والسياسي, فشكل الي جوار أبيها نهرو دعامة وركيزة راسخة في مبادئها وعقائدها, حتي أنها باتت تنسب إليه وأصبح يطلق عليها انديرا غاندي وارتدت علي طريقته الشهيرة الرداء الهندي المصنوع يدويا من القطن لتؤكد لشعبها مدي حبها وايمانها بهذا الرجل العظيم..
ثلاثة رجال شكلوا في الحقيقة حياة هذه المرأة الهندية: الأب جواهر لال نهرو بعاطفته ووعيه ونضوجه الفكري وإيمانه بمستقبل ابنته ورغبته العارمة في أن تكمل مسيرته السياسية وتقود الهند نحو طريق التقدم والتحديث..
المهاتما غاندي الذي آمن بالحرية ومبدأ الاعتماد علي النفس في سد احتياجات الهند ورفع شعار( اللاعنف) في مواجهة الأعداء..
وأخيرا الزوج فيروز غاندي الذي أحبته انديرا حبا جارفا وأصرت علي الارتباط به برغم معارضة الأهل والمجتمع..
هؤلاء الرجال الثلاثة كان لهم تأثير كبيرعلي مسار حياتها الشخصية والعامة علي السواء..
المشهد الثالث
امرأة تقود الهند.
كان عام1966 عاما حاسما في حياة انديرا غاندي, بل في الحقيقة في حياة الهند بأسرها..
ففي هذا العام انتخبت كرئيسة للوزراء.. وشعر الجميع وقتها بأنها ورثت والدها الذي رحل منذ عامين فقط.. ها هي تجسد بصورة ما شخصيته القوية ذات الحضور الطاغي.. وقد اختارتها مجلة التايم الأمريكية كشخصية العام ووضعت صورتها علي غلافها بالألوان وكتبت تحتها معلقة: الهند المضطربة بين يدي امرأة.
في الواقع إن وصول انديرا غاندي الي رئاسة الوزارة في الهند تزامن مع ظهور حركات تحرير المرأة في الغرب..
وعلي الرغم من أنها قالت في العديد من المناسبات إنها ليست امرأة متحررة علي الطريقة الغربية, إلا أن صحافة الغرب النسائية راحت تستخدم صورتها كشعار لها, وراحت المجلات النسائية تقول: اذا كانت انديرا غاندي تحكم بلدا كبيرا كالهند, فهذا يعني أن المرأة قادرة علي كل شيء.
لم يكن وصول انديرا غاندي في الحقيقة الي هذا المنصب السياسي الكبير وليد الصدفة.. بل كان نتاج مسيرة سياسية طويلة حفرها والدها نهرو في البداية وأكملتها الابنة التي كانت مهيأة ومدربة علي الولوج في رحابها..
وجاءت الثمار الطيبة لتؤكدها: ففي عام1971 جرت انتخابات عامة جديدة في الهند, وكانت أضخم انتخابات ديمقراطية تشهدها الهند في تاريخها كله, فقد صوت فيها ما لا يقل عن150 مليون مواطن ومواطنة وكانت النتيجة نجاحا ساحقا لأنديرا غاندي وحزبها.. وأصبحت أقوي رئيس وزراء شهدته الهند منذ الاستقلال, فحتي والدها لم يحظ بكل هذه المكانة الشعبية التي حظيت بها ولا بكل الصلاحيات والسلطات التي تمتعت بها انديرا..
وعلي مدي فصول الكتاب تعرض الكاتبة لتفاصيل المعارك السياسية الحافلة التي خاضتها انديرا غاندي في حياتها..
معارك تموج بالخلافات والصراعات العاصفة ربما أولاها تلك الصراعات الداخلية التي اندلعت في صفوف حزب المؤتمر الذي تتزعمه بغية الفوز بمنصب رئيس الوزراء والتي أدت في النهاية الي انقسام الحزب الي قسمين: حزب المؤتمرO أيORGANIZATION وحزب المؤتمرR أيRULING الحاكم بقيادة انديرا والتي تمكنت من الصمود أمام هذه العواصف العاتية بتحالفها مع التيارات اليسارية داخل البرلمان..
ويذكر التاريخ أيضا لهذه المرأة الهندية العظيمة وقوفها الي جوار الفقراء.. الي جموع الشعب العادية التي تعاني من شظف الحياة البائسة.. وما أكثرها في الهند..
لقد انحازت اليهم.. ووقفت تساند قضيتهم مما أكسبها شعبية هائلة.. إذ رفعت شعار اطردوا الفقر, وأدخلت تعديلا علي الدستور يلغي النفقات التي تدفعها الحكومة للأمراء.. وكانت هذه الخطوة الحاسمة بمثابة اللبنة الأولي في جدار الاصلاحات الاجتماعية والدستورية والاقتصادية التي كانت تخطط لها لتحديث الهند..
لقد أدركت انديرا انها كي تقيم دولة هندية حديثة ومتطورة ينبغي عليها أولا أن تفوز بتأييد وحب الشعب وأن تعمل لصالحه.. فهذه الجماهير الغفيرة ما كانت تقف الي جوارها لو لم تهتم هي بقضيتها ومعركتها وهمومها وأوجاعها وأولها: الفقر.
وتحدثنا الكاتبة كذلك عن العلاقات الاستراتيجية التي ربطت بين الهند والاتحاد السوفيتي والتي تكللت بتوقيع معاهدة للصداقة والتعاون بين البلدين في التاسع من أغسطس عام.1971
لقد دعمت انديرا علاقاتها مع هذا الحليف القوي تمهيدا للدخول في معركة ضارية ضد باكستان والتي كانت تربطها علاقات مميزة بالولايات المتحدة الأمريكية.
وقادت المرأة الهندية الحديدية الحرب ضد باكستان عام1971 وذلك بعد أن أعطت أوامرها الي الجيش الهندي بدخول باكستان الشرقية لدعم الانفصاليين هناك, وقد حقق الجيش الهندي انتصارا كبيرا علي نظيره الباكستاني, وكان من أهم نتائج هذه الحرب انفصال باكستان الشرقية عن الغربية وإنشاء كيان سياسي جديد هو بنجلاديش, وقد رفع هذا الانتصار الكبير من شعبية انديرا وجعلها من زعماء الهند التاريخيين..
المشهد الرابع
خطأ فادح
وتقع انديرا في نفس الخطأ الذي يقع في شركه العديد من الزعماء السياسيين, حينما تشعر أنها باتت تملك في قبضتها السلطة والنفوذ والقوة, وأنها صارت المرأة الأولي في الهند بلا منازع, فتخرس أصوات المعارضة وترفض أي احتجاج علي قراراتها.. وحينما ضرب الجفاف أراضي الهند عام1975, دخلت البلاد في حالة من التضخم والفساد المالي والإداري والذي ساعد بدوره علي ارتفاع أصوات المعارضة, مما أدي بها الي إعلان حالة الطواريء, وزجت حكومتها بأبرز زعماء المعارضة في السجون وفرضت رقابة علي الصحف وعلقت الحريات الدستورية وتراجعت شعبيتها كثيرا, إذ خسر حزبها الانتخابات في أكتوبر عام.1977
ثم تحدثنا المؤلفة عن السنوات الأخيرة من عمر انديرا غاندي وتقول في بداية الثمانينيات كانت الهند مهددة بالتفكك والانقسام.. فالصراعات بين الهندوس والسيخ والمسلمين والمسيحيين, كانت في أوجها, وكانت هناك أقاليم; عديدة تهدد بالانفصال عن الدولة المركزية.. وكلما شددت انديرا غاندي من قبضتها علي الحكم وقوت النظام المركزي في نيودلهي كلما زادت الانقسامات في الأقاليم البعيدة.
وتأتي ضربة القدر الموجعة: وفاة ابنها الكبير سانجي في حادث طائرة.. الابن العزيز الذي كانت تعده لخلافتها في رئاسة الحكومة.. ها هي تفقده في غمضة عين.. كان وقع الخبر عليها كالصاعقة.. ها هي تفقد الزوج والأب والابن.. فما أقسي الحياة!
ونظمت انديرا جنازة مهيبة لابنها سانجي.. جنازة تكلفت الأموال الطائلة وفاقت جنازة المهاتما غاندي نفسه مما عرضها للنقد الشديد.. ها هي تدخل مرحلة الفساد واستغلال المال العام لأغراض شخصية..
واشتدت الاحتجاجات ضدها, خاصة من جانب زعماء السيخ, الذين قاموا بالاعتصامات احتجاجا علي سياساتها مما جعلها تفض هذه الاعتصامات بالقوة, الأمر الذي أثار حفيظتهم وكراهيتهم تجاهها ومع ذلك رفضت انديرا تغيير حارسها الشخصي الذي ينتمي الي طائفة السيخ لتقع ضحية رصاصته القاتلة يوم13 أكتبور1984 وليسدل الستار علي حياة امرأة تركت بصمة قوية مؤثرة في وجدان شعبها ووطنها..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.