وكيل تعليم بنى سويف ونقيب المعلمين يبحثان تحقيق بيئة تعليمية مستقرة    القومي لحقوق الإنسان يتسلم شهادة الاعتماد الدولية من الفئة (أ) بجنيف    وزير البترول يتفقد أجنحة الشركات المشاركة في "إيجبس 2026"    رئيس الوزراء يستعرض خطة إضافة مشروعات طاقة جديدة ومتجددة على الشبكة القومية    الوطني للاعتماد يدعم جودة معامل التكرير ببروتوكول تعاون مع العامة للبترول    بزشكيان: مضيق هرمز مغلق أمام سفن الأطراف المعتدية وحلفائهم    طارق الملا يحذر: أسعار الطاقة تفرض ضغوطا كبيرة على الدول المستوردة    تاس: بوتين وبن زايد يؤكدان أهمية إنهاء العمليات القتالية بالشرق الأوسط    أبو زهرة: حسم ملف مدرب المنتخب الأولمبي بعد كأس العالم.. وثنائي مرشح لمواجهة مصر    مصدر من الأهلي ل في الجول: ديانج أبلغنا بقراره منذ شهر ونصف.. وهذا سبب رحيله مجانا    منافس مصر - إيران تكتسح كوستاريكا بخماسية تحت أنظار إنفانتينو    حسن شحاتة عن مواجهة إسبانيا: لماذا لا نلعب مثل مباراة السعودية؟    الأعلى للإعلام: مد بث البرامج الرياضية بمناسبة مباراة المنتخب وإسبانيا    التعليم توجه المديريات بتعديل مواعيد امتحانات شهر مارس بعد تعطيل الدراسة غدًا    حادث مروع على الصحراوي الغربي بالفيوم.. إصابة 7 عمال أثناء عودتهم من العمل    ضبط صيدليتين تعملان دون تراخيص ببني سويف    ضبط قائدة سيارة مارست تهورا بالسير عكس الاتجاه بالقاهرة    فى مقدمتهم إذما والقصص.. أفلام تواجه شبح التأجيل خوفا من تبعات الإغلاق الحكومى فى التاسعة مساء    20 ذبيحة في الساعة.. تشغيل المجزر الآلي في سوهاج والكشف البيطري بعد الذبح    طلب إحاطة بشأن تخريج أطباء دون مستشفى تعليمي يثير أزمة في «طب فاقوس»    تأهل مسار ووادي دجلة لنهائي كأس مصر للكرة النسائية    سوهاج.. النيران تلتهم 4 أحواش بالصوامعة شرق ونفوق عدد كبير من رؤوس الماشية    "الدفاع السعودية" تعلن تدمير عدد من المسيرات وصواريخ بمنطقة الشرقية والرياض    الإعلامية آيات أباظة تكشف تطورات حالتها الصحية    القومي للمسرح يعلن أسماء الفائزين بجوائز الدورة الأولى لمسابقة السيد درويش للدراسات الموسيقية    «الأعلى للإعلام»: 41 مسلسلا تعزز القوة الناعمة لمصر في رمضان    Egypt vs Spain بث مباشر لحظة بلحظة مباراة مصر وإسبانيا اليوم في استعدادات كأس العالم 2027    القومي لذوي الإعاقة يشارك في مؤتمر «الجامعات والمجتمع»    بسبب تعرض تلميذ للخطر، إدارة الخصوص التعليمية تحيل مدير إحدى المدارس للتحقيق    عمرو الغريب: جامعة المنوفية بيت الخبرة الاستشاري للمحافظة    غدًا بدء صرف معاشات أبريل 2026 ل 11.5 مليون مواطن    صافرات الإنذار تدوي في خليج حيفا وضواحيها بعد إطلاق صواريخ من لبنان    تحالف جديد لدعم وتنشيط السياحة الثقافية بالأقصر وأسوان    رئيس مياه القناة يشهد تجربة استخدام تقنية الطفو بالهواء المذاب DAF بمحطة معالجة القنطرة شرق    هنا الزاهد تشارك هشام ماجد بطولة فيلم «ملك الغابة»    خالد الجندي يحث على ترشيد الاستهلاك: إن الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ    هل الإسراف من الكفر بنعم الله؟.. خالد الجندي يُجيب    خلال 24 ساعة.. تحرير 1002 مخالفة لمحال خالفت مواعيد الغلق    مديرية الشئون الصحية بالإسكندرية تعلن خطة القوافل العلاجية في أبريل    ختامي "الصحة" 2024-2025.. الانتهاء من 11 مشروعًا صحيًا قوميًا ب7.5 مليار جنيه    الداخلية تضبط نصف طن مخدرات و104 قطع سلاح بقيمة 81 مليون جنيه    مصرع شاب تحت عجلات القطار أمام محطة الطيرية بالبحيرة    الخريطة الزمنية للعام الدراسي المقبل، التعليم تحدد مواعيد امتحانات الصف الثاني "بكالوريا"    نسمة يوسف إدريس: بطلة رواية «غواية» نسخة أكثر جرأة من شخصيتي    «بيت الزكاة والصدقات» يرفع الحد الأدنى للإعانة الشهرية إلى 1000 جنيه    «القومي للأمومة» يناقش الاستراتيجية الوطنية لتنمية الطفولة المبكرة    نجوم سينما يوسف شاهين في افتتاح معرض لأعماله بمهرجان الأقصر الأفريقي    التأمين الصحي الشامل: 7.4 مليار جنيه إجمالي التكلفة المالية للخدمات الطبية المقدمة ببورسعيد    السيسي ل«بوتين»: مستعدون لدعم تسوية الأزمة الروسية الأوكرانية سياسيًا    "الوطنية للإعلام" تنعى الكاتبة والباحثة الكبيرة هالة مصطفي: نموذج للجدية والانضباط    الجيش الإسرائيلي: جاهزون لمواصلة ضرب إيران لأسابيع    وفاة الدكتورة هالة مصطفى أستاذ العلوم السياسية    الصحة تحذر: الإنفلونزا تتغير سنويًا والتطعيم هو الحل    البوسني إدين دجيكو: منتخب إيطاليا هو من يشعر بالضغط وليس نحن    قانون جديد يهدف لخفض أسعار الوقود في بولندا يدخل حيز التنفيذ اليوم    المقاومة الإسلامية في العراق تنفذ 19 عملية بالطيران المسير    بالتزامن مع العيد القومي.. مطرانية المنيا تنظم الملتقى العلمي السادس بعنوان "المنيا.. أجيال من الصمود"    دعاء الفجر.. أدعية خاصة لطلب الرزق وتفريج الهم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أطول مباحثات قمة في التاريخ !
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 14 - 08 - 2014

على أبواب الفندق الرئاسي بمدينة سوتشي الروسية على شاطئ البحر الأسود، وقف الرئيس فلاديمير بوتين يودع ضيفه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد مباحثات قمة بدأت في الصباح، وانتهت مع حلول يوم جديد.
شد بوتين على يدي السيسي قائلا: "نحن معك.. ندعم كل خطواتك .. كنت أعرف بل كنت متأكداً أنك ستنجح في انتخابات الرئاسة..أعلم أن شعبك لديه أمل فيك، وأنت كما سمعتك وعرفتك على قدر هذا الأمل".
تعانق الرئيسان، وغادر بوتين المكان.
كانت الساعة هى الواحدة من صباح الأربعاء..12 ساعة كاملة أمضاها السيسي مع بوتين في مباحثات قمة لم تنقطع، في البر جلوسا ومشيا، وفي الجو على متن طائرة هليكوبتر، وفي البحر على ظهر الفرقاطة "موسكو".
نصف زمن زيارة ال24 ساعة التي قضاها الرئيس السيسي في سوتشي، استغرقتها القمة المصرية الروسية، لتسجل رقما قياسيا غير مسبوق كأطول مباحثات قمة في التاريخ! الزيارة الخاطفة كان لها ما وراءها، والمباحثات المطولة لها بالقطع ما بعدها.
الاحتفاء الهائل بالرئيس السيسي، كان مصدر شعور بالسعادة والزهو لدى رجال الأمن والحراسة المصريين، وكان مثار اهتمام نظرائهم الروس، الذين قالوا لهم: "لقد صدرت لنا وللأجهزة في الرئاسة الروسية تعليمات مباشرة من الرئيس بوتين، بأن يتم استقبال الرئيس السيسي والترحيب به، بصورة لم يسبق حدوثها لأي رئيس يزور روسيا في أى عهد".
وبالفعل لم تنقطع مظاهر الحفاوة بالسيسي منذ دخول طائرته الأجواء الروسية فوق مياه البحر الأسود، وحتى مغادرتها لها في طريق العودة إلى القاهرة ظهر أمس الأول.
من نوافذ طائرة الرئاسة المصرية، عرف السيسي ومرافقوه، أنهم بلغوا المجال الجوى الروسي ، حينما شاهدوا سربا من مقاتلات "السوخوي" تحلق على جانبي الطائرة، ومن فوقها وأسفلها، ترحيبا بطائرة الرئاسة ومستقليها، في مشهد لا يذكر الجيل الحالي من الطيارين الروس مثيلا له.
وعندما حطت طائرة الرئيس على أرض مطار "سوتشى"، كانت الموسيقات العسكرية وحرس الشرف في انتظار السيسي ، لأول مرة في تقاليد استقبال رؤساء الدول بهذه المدينة، بينما كان على رأس المستقبلين سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسي أحد أهم أركان حكم بوتين.
في المطار.. تفقد السيسي ولافروف معرضا لبعض من أحدث مركبات القتال المدرعة ومنظومات الدفاع الجوى الروسية، وكان اختيار هذه النوعيات له مغزى يعرفه الروس والمصريون.
ثم اصطحب لافروف الرئيس السيسي، في موكب من السيارات، إلى القرية الأوليمبية بسوتشي التي استضافت دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية.
في تمام الواحدة ظهرا.. كان بوتين في استقبال السيسي، عند مدخل القرية الأوليمبية، لم يكن الرئيس الروسي يرتدي "رابطة عنق " ، في إشارة لأن الزيارة وبرنامجها خارج "البروتوكول".
في القرية الأوليمبية.. شرح بوتين لرئيس مصر ، المنشآت التي تم تشييدها بالقرية لرياضات الرماية والتزحلق على الجليد وهوكي الانزلاق وغيرها.
ثم اصطحب الرئيس الروسي، ضيفه الكبير إلى غرفة صالون في إحدى القاعات، في جلسة مباحثات مغلقة اقتصرت عليهما.
بعدها.. توجه الرئيسان إلى ممشى في قلب المدينة، وتجولا معاً وسط المارة الذين تجمعوا حولهما يلتقطون الصور، ويشيرون بأيديهم مرحبين بالرئيس السيسي.
ثم اصطحب بوتين السيسي إلى مقهى سياحي في الممشى ، لاستكمال الحديث على أكواب الشاي.
عاد بوتين والسيسي بعد ذلك إلى القرية الأوليمبية، واستقلا طائرة هليكوبتر إلى مقر الرئيس الروسي في سوتشي، وهناك ركب الرئيسان سيارة كهربائية قادها بوتين بنفسه.
وترك بوتين، السيسي بعض الوقت، ليبدل ملابسه في غرفة جانبية.
وهنا تداعت إلى أذهان بعض رجال الرئاسة المصريين ، ممن عاصروا زيارة الرئيس الأسبق محمد مرسى إلى سوتشى ، ذكريات تلك الزيارة الكارثية، حينما ألح مرسى على أن يلتقي بوتين، وجاء إلى هذه الغرفة بالذات، وانتظر ساعتين فيها، حتى جاءه الرئيس الروسي، وكان أول ما طلبه مرسى أن ترفع جماعة الإخوان من القائمة الروسية للمنظمات الإرهابية، ولم يخف بوتين ضيقه من مرسى، ولم يقتصد معاونو بوتين ووزراؤه في السخرية في تصريحاتهم من هذا الرجل الذي لا يرقى بأي حال إلى مستوى بلد كبير بحجم مصر.
في المقر الرئيسي بسوتشي، عقد بوتين والسيسي جلسة مباحثات موسعة، كانت أقرب ما تكون إلى جلسة مساءلة أو استجواب من جانب الرئيس الروسي لوزرائه، كل في اختصاصه، عما تم إنجازه، في مجالات التعاون مع مصر، في الزراعة، والتجارة والاستثمار، والصناعة .
وطرح بوتين اقتراحا بإقامة مركز لوجيستي لمصر في روسيا على البحر الأسود، مثلما رحب بإقامة منطقة صناعية روسية في مشروع محور قناة السويس.
امتدت المباحثات على مأدبة غداء، وتحدث بوتين عن الوفر الهائل في محصول القمح الروسي الذي يفيض عن الاحتياجات الداخلية بمقدار خمسة ملايين طن، وقال إنه يعلم إن مصر هى أكبر مستورد للقمح في العالم، وإنه مستعد لتقديم كل هذه الكمية إلى مصر، لتأمين كل احتياجاتها.
إلى الفرقاطة "موسكو"، الراسية في القاعدة العسكرية بسوتشي، توجه الرئيسان، وهناك جرى استقبال رسمي لهما، بحضور قائد الأسطول الروسي في البحر الأسود.
على ظهر الفرقاطة، جرت جلسة جديدة من مباحثات القمة، تركزت هذه المرة على شق التعاون العسكري، وهو بالمناسبة، وإن خفت وتيرته في بعض العهود، إلا أنه لم ينقطع أبداً منذ أول صفقة أسلحة روسية تلقتها مصر قبل قرابة 60 عاما مضت!
ومثلما جرى مع الوزراء الروس في مباحثات المقر الرئاسي، سأل الرئيس بوتين كل جنرال روسي في اختصاصه عما تم في التعاون العسكري مع مصر في مجالات التسليح والمنح التدريبية للمبعوثين والتدريبات العسكرية المشتركة.
ودون الخوض في تفاصيل.. كانت استجابة الرئيس بوتين كاملة لكل مطالب مصر.. قائلا: "إن مصر بلد صديق وكبير ، ولها وضعها في الشرق الأوسط، وقد عادت الآن إلى مكانها ومكانتها".
أكثر من ساعة، استغرقتها جلسة المباحثات على ظهر الفرقاطة "موسكو"، ثم غادر الرئيسان القاعدة العسكرية.
ودعا بوتين السيسي لحضور عرض للرقص على الجليد، ولفت الأداء الراقي انتباه الرئيس السيسي، فأوضح له بوتين أن المشاركين في العرض هم أبطال عالم سابقون في التزحلق والرقص الإيقاعي على الجليد، وتتم الاستعانة بهم في العروض الفنية، بعد فوزهم بالبطولات الأوليمبية والعالمية.
يحين وقت العشاء.. ويكسر بوتين مجددا قواعد البروتوكول، ويقرر بدلا من أن يتناول الطعام مع الرئيس السيسي في أجواء المقر الرئاسي الرسمية، أن يدعوه إلى مطعم الأسماك الشهير بسوتشى الذي يعد واحدا من أفخم 5 مطاعم في العالم، لتناول عشاء من المأكولات البحرية التي يشتهر بها البحر الأسود.
وهناك يكمل الرئيسان مباحثاتهما على العشاء حتى الواحدة صباحا، في جلسة منفردة، لم يحضرها المترجم.
ويميل أحد أعضاء الوفد الروسي، على مسئول مصري.. مشيرا إلى الرئيسين قائلا: "هناك أوجه شبه بين الرجلين، حتى في الهيئة والقامة وطريقة المشي".. ثم يضيف: "أظن أن هناك كيمياء شخصية وجدت طريقها بين الرئيسين.. فبوتين يرى في السيسي نفسه حينما تولى رئاسة روسيا بعدما شارفت على الانهيار في عهد يلتسين.. والسيسي يرى في بوتين نموذجاً لقائد استطاع أن ينتشل بلاده من مصير محتوم وأن ينهض بها لتعود قوة عظمى من جديد.
صباح أول أمس الأربعاء.. جاء لافروف وزير الخارجية الروسي إلى الفندق الرئاسي لاصطحاب الرئيس السيسي ومرافقيه إلى مطار سوتشى، وهناك جرت مجددا مراسم رسمية مصحوبة بحرس الشرف الرئاسي في وداع رئيس مصر.
استقل الرئيس السيسي طائرة الرئاسة عائدا إلى القاهرة، حاملا مشاعر امتنان لحفاوة الاستقبال، وقبلها مشاعر ارتياح للنتائج فوق المتوقعة التي أسفرت عنها مباحثات القمة، وحاملا معه أيضا هدية ذات مغزى من الرئيس بوتين.
الهدية تلقاها السيسي من بوتين عقب مباحثات الغداء في المقر الرئاسي، وهى عبارة عن صورة فوتوغرافية فريدة ليس لها نسخ أخرى، تجمع بين الزعيم جمال عبد الناصر، والزعيم السوفييتي ميخائيل خروشوف في مطلع الستينيات.
لعل بوتين كان يريد أن يقول للسيسى إن علاقات القاهرة وموسكو ستعود إلى ما كانت في الستينيات، أيام بناء السد العالي والتصنيع الثقيل والتسليح غير المشروط، ولعله كان يريد أن يقول إن الصداقة الوليدة بيني وبينك، ستكون كتلك التي جمعت ناصر وخروشوف.
لعله يريد أن يقول إن روسيا كانت وستعود صديقا حقيقيا لمصر، لا يملك أجندات خفية ولا خرائط تقسيم، يفتح ذراعيه لمصر، ولا يستدير ليطعنها بغدر!.
على أبواب الفندق الرئاسي بمدينة سوتشي الروسية على شاطئ البحر الأسود، وقف الرئيس فلاديمير بوتين يودع ضيفه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد مباحثات قمة بدأت في الصباح، وانتهت مع حلول يوم جديد.
شد بوتين على يدي السيسي قائلا: "نحن معك.. ندعم كل خطواتك .. كنت أعرف بل كنت متأكداً أنك ستنجح في انتخابات الرئاسة..أعلم أن شعبك لديه أمل فيك، وأنت كما سمعتك وعرفتك على قدر هذا الأمل".
تعانق الرئيسان، وغادر بوتين المكان.
كانت الساعة هى الواحدة من صباح الأربعاء..12 ساعة كاملة أمضاها السيسي مع بوتين في مباحثات قمة لم تنقطع، في البر جلوسا ومشيا، وفي الجو على متن طائرة هليكوبتر، وفي البحر على ظهر الفرقاطة "موسكو".
نصف زمن زيارة ال24 ساعة التي قضاها الرئيس السيسي في سوتشي، استغرقتها القمة المصرية الروسية، لتسجل رقما قياسيا غير مسبوق كأطول مباحثات قمة في التاريخ! الزيارة الخاطفة كان لها ما وراءها، والمباحثات المطولة لها بالقطع ما بعدها.
الاحتفاء الهائل بالرئيس السيسي، كان مصدر شعور بالسعادة والزهو لدى رجال الأمن والحراسة المصريين، وكان مثار اهتمام نظرائهم الروس، الذين قالوا لهم: "لقد صدرت لنا وللأجهزة في الرئاسة الروسية تعليمات مباشرة من الرئيس بوتين، بأن يتم استقبال الرئيس السيسي والترحيب به، بصورة لم يسبق حدوثها لأي رئيس يزور روسيا في أى عهد".
وبالفعل لم تنقطع مظاهر الحفاوة بالسيسي منذ دخول طائرته الأجواء الروسية فوق مياه البحر الأسود، وحتى مغادرتها لها في طريق العودة إلى القاهرة ظهر أمس الأول.
من نوافذ طائرة الرئاسة المصرية، عرف السيسي ومرافقوه، أنهم بلغوا المجال الجوى الروسي ، حينما شاهدوا سربا من مقاتلات "السوخوي" تحلق على جانبي الطائرة، ومن فوقها وأسفلها، ترحيبا بطائرة الرئاسة ومستقليها، في مشهد لا يذكر الجيل الحالي من الطيارين الروس مثيلا له.
وعندما حطت طائرة الرئيس على أرض مطار "سوتشى"، كانت الموسيقات العسكرية وحرس الشرف في انتظار السيسي ، لأول مرة في تقاليد استقبال رؤساء الدول بهذه المدينة، بينما كان على رأس المستقبلين سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسي أحد أهم أركان حكم بوتين.
في المطار.. تفقد السيسي ولافروف معرضا لبعض من أحدث مركبات القتال المدرعة ومنظومات الدفاع الجوى الروسية، وكان اختيار هذه النوعيات له مغزى يعرفه الروس والمصريون.
ثم اصطحب لافروف الرئيس السيسي، في موكب من السيارات، إلى القرية الأوليمبية بسوتشي التي استضافت دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية.
في تمام الواحدة ظهرا.. كان بوتين في استقبال السيسي، عند مدخل القرية الأوليمبية، لم يكن الرئيس الروسي يرتدي "رابطة عنق " ، في إشارة لأن الزيارة وبرنامجها خارج "البروتوكول".
في القرية الأوليمبية.. شرح بوتين لرئيس مصر ، المنشآت التي تم تشييدها بالقرية لرياضات الرماية والتزحلق على الجليد وهوكي الانزلاق وغيرها.
ثم اصطحب الرئيس الروسي، ضيفه الكبير إلى غرفة صالون في إحدى القاعات، في جلسة مباحثات مغلقة اقتصرت عليهما.
بعدها.. توجه الرئيسان إلى ممشى في قلب المدينة، وتجولا معاً وسط المارة الذين تجمعوا حولهما يلتقطون الصور، ويشيرون بأيديهم مرحبين بالرئيس السيسي.
ثم اصطحب بوتين السيسي إلى مقهى سياحي في الممشى ، لاستكمال الحديث على أكواب الشاي.
عاد بوتين والسيسي بعد ذلك إلى القرية الأوليمبية، واستقلا طائرة هليكوبتر إلى مقر الرئيس الروسي في سوتشي، وهناك ركب الرئيسان سيارة كهربائية قادها بوتين بنفسه.
وترك بوتين، السيسي بعض الوقت، ليبدل ملابسه في غرفة جانبية.
وهنا تداعت إلى أذهان بعض رجال الرئاسة المصريين ، ممن عاصروا زيارة الرئيس الأسبق محمد مرسى إلى سوتشى ، ذكريات تلك الزيارة الكارثية، حينما ألح مرسى على أن يلتقي بوتين، وجاء إلى هذه الغرفة بالذات، وانتظر ساعتين فيها، حتى جاءه الرئيس الروسي، وكان أول ما طلبه مرسى أن ترفع جماعة الإخوان من القائمة الروسية للمنظمات الإرهابية، ولم يخف بوتين ضيقه من مرسى، ولم يقتصد معاونو بوتين ووزراؤه في السخرية في تصريحاتهم من هذا الرجل الذي لا يرقى بأي حال إلى مستوى بلد كبير بحجم مصر.
في المقر الرئيسي بسوتشي، عقد بوتين والسيسي جلسة مباحثات موسعة، كانت أقرب ما تكون إلى جلسة مساءلة أو استجواب من جانب الرئيس الروسي لوزرائه، كل في اختصاصه، عما تم إنجازه، في مجالات التعاون مع مصر، في الزراعة، والتجارة والاستثمار، والصناعة .
وطرح بوتين اقتراحا بإقامة مركز لوجيستي لمصر في روسيا على البحر الأسود، مثلما رحب بإقامة منطقة صناعية روسية في مشروع محور قناة السويس.
امتدت المباحثات على مأدبة غداء، وتحدث بوتين عن الوفر الهائل في محصول القمح الروسي الذي يفيض عن الاحتياجات الداخلية بمقدار خمسة ملايين طن، وقال إنه يعلم إن مصر هى أكبر مستورد للقمح في العالم، وإنه مستعد لتقديم كل هذه الكمية إلى مصر، لتأمين كل احتياجاتها.
إلى الفرقاطة "موسكو"، الراسية في القاعدة العسكرية بسوتشي، توجه الرئيسان، وهناك جرى استقبال رسمي لهما، بحضور قائد الأسطول الروسي في البحر الأسود.
على ظهر الفرقاطة، جرت جلسة جديدة من مباحثات القمة، تركزت هذه المرة على شق التعاون العسكري، وهو بالمناسبة، وإن خفت وتيرته في بعض العهود، إلا أنه لم ينقطع أبداً منذ أول صفقة أسلحة روسية تلقتها مصر قبل قرابة 60 عاما مضت!
ومثلما جرى مع الوزراء الروس في مباحثات المقر الرئاسي، سأل الرئيس بوتين كل جنرال روسي في اختصاصه عما تم في التعاون العسكري مع مصر في مجالات التسليح والمنح التدريبية للمبعوثين والتدريبات العسكرية المشتركة.
ودون الخوض في تفاصيل.. كانت استجابة الرئيس بوتين كاملة لكل مطالب مصر.. قائلا: "إن مصر بلد صديق وكبير ، ولها وضعها في الشرق الأوسط، وقد عادت الآن إلى مكانها ومكانتها".
أكثر من ساعة، استغرقتها جلسة المباحثات على ظهر الفرقاطة "موسكو"، ثم غادر الرئيسان القاعدة العسكرية.
ودعا بوتين السيسي لحضور عرض للرقص على الجليد، ولفت الأداء الراقي انتباه الرئيس السيسي، فأوضح له بوتين أن المشاركين في العرض هم أبطال عالم سابقون في التزحلق والرقص الإيقاعي على الجليد، وتتم الاستعانة بهم في العروض الفنية، بعد فوزهم بالبطولات الأوليمبية والعالمية.
يحين وقت العشاء.. ويكسر بوتين مجددا قواعد البروتوكول، ويقرر بدلا من أن يتناول الطعام مع الرئيس السيسي في أجواء المقر الرئاسي الرسمية، أن يدعوه إلى مطعم الأسماك الشهير بسوتشى الذي يعد واحدا من أفخم 5 مطاعم في العالم، لتناول عشاء من المأكولات البحرية التي يشتهر بها البحر الأسود.
وهناك يكمل الرئيسان مباحثاتهما على العشاء حتى الواحدة صباحا، في جلسة منفردة، لم يحضرها المترجم.
ويميل أحد أعضاء الوفد الروسي، على مسئول مصري.. مشيرا إلى الرئيسين قائلا: "هناك أوجه شبه بين الرجلين، حتى في الهيئة والقامة وطريقة المشي".. ثم يضيف: "أظن أن هناك كيمياء شخصية وجدت طريقها بين الرئيسين.. فبوتين يرى في السيسي نفسه حينما تولى رئاسة روسيا بعدما شارفت على الانهيار في عهد يلتسين.. والسيسي يرى في بوتين نموذجاً لقائد استطاع أن ينتشل بلاده من مصير محتوم وأن ينهض بها لتعود قوة عظمى من جديد.
صباح أول أمس الأربعاء.. جاء لافروف وزير الخارجية الروسي إلى الفندق الرئاسي لاصطحاب الرئيس السيسي ومرافقيه إلى مطار سوتشى، وهناك جرت مجددا مراسم رسمية مصحوبة بحرس الشرف الرئاسي في وداع رئيس مصر.
استقل الرئيس السيسي طائرة الرئاسة عائدا إلى القاهرة، حاملا مشاعر امتنان لحفاوة الاستقبال، وقبلها مشاعر ارتياح للنتائج فوق المتوقعة التي أسفرت عنها مباحثات القمة، وحاملا معه أيضا هدية ذات مغزى من الرئيس بوتين.
الهدية تلقاها السيسي من بوتين عقب مباحثات الغداء في المقر الرئاسي، وهى عبارة عن صورة فوتوغرافية فريدة ليس لها نسخ أخرى، تجمع بين الزعيم جمال عبد الناصر، والزعيم السوفييتي ميخائيل خروشوف في مطلع الستينيات.
لعل بوتين كان يريد أن يقول للسيسى إن علاقات القاهرة وموسكو ستعود إلى ما كانت في الستينيات، أيام بناء السد العالي والتصنيع الثقيل والتسليح غير المشروط، ولعله كان يريد أن يقول إن الصداقة الوليدة بيني وبينك، ستكون كتلك التي جمعت ناصر وخروشوف.
لعله يريد أن يقول إن روسيا كانت وستعود صديقا حقيقيا لمصر، لا يملك أجندات خفية ولا خرائط تقسيم، يفتح ذراعيه لمصر، ولا يستدير ليطعنها بغدر!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.