حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    سعر الدينار الكويتي اليوم الجمعة 9 يناير 2026 أمام الجنيه    قطاع الأعمال العام: 24 مليار جنيه أرباح الشركات التابعة خلال العام المالي الماضي    محافظ الدقهلية: استمرار الأسعار المخفضة بالمعرض الدائم للسلع الغذائية بشارع قناة السويس بالمنصورة    800 مليار جنيه خسائر سنويًا.. خبراء الضرائب: 3 روشتات للالتزام وتفادي التهرب    القوات الروسية تنفذ عملية عسكرية ردا على هجوم أوكرانيا على مقر إقامة بوتين    غارات إسرائيلية تضرب جنوب لبنان بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الإيراني لبيروت    تريزيجيه: مباراة كوت ديفوار نهائي مبكر بأمم إفريقيا    تحرير 15محضر متنوعا في حملة رقابية على 21 مخبزًا بمركز ومدينة نبروه    حالة وفاة و13 مصابا.. نائب محافظ المنيا يطمئن على مصابي حادث انقلاب ميكروباص بمستشفى الصدر    هبوب عاصفة ترابية على أسوان    "عيد الثقافة" واجب وطني لرموز الابداع والفكر والفن    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    محافظ المنيا يوجّه بتقديم كافة تيسيرات الكشف الطبى والتطعيمات لحجاج بيت الله الحرام    الرعاية الصحية: تقديم 3.1 مليون خدمة طبية وعلاجية بمنشآت الهيئة في جنوب سيناء    انطلاق منصات مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر -In Egypt We Care»    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    استقرار بيتكوين قرب 91 ألف دولار مع ترقب بيانات الوظائف الأمريكية    إصابة 13 شخصا فى حادث انقلاب ميكروباص بالمنيا    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    مستوطنون يضرمون النار في 5 مركبات شمال الضفة الغربية    "الموسيقيين" تكشف موقفها من أزمة "كابونجا"    انهيار كومة قمامة في مكب نفايات بالفلبين يسفر عن مقتل شخص وطمر وحصار 38 آخرين    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    13 قطاعًا تتصدر قيم التداول بالبورصة بجلسات نهاية الأسبوع    مواعيد مباريات اليوم والقنوات الناقلة - مواجهتان ناريتان في ربع نهائي أمم إفريقيا    نجم الزمالك السابق: هذا اللاعب الأبرز في قطاع الناشئين    محافظ أسيوط: إزالة التعديات المعيقة لأعمال الصرف الصحي في القوصية استعدادا لتطوير شارع المحطة    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    وزير الزراعة يوجه بوقف المحاضر الجنائية ضد منتفعي الإصلاح الزراعي الجادين    سيمينيو: فخور بالانضمام إلى مانشستر سيتي    أتلتيكو مدريد ضد الريال.. الملكي يدعم فينيسيوس بعد أزمته مع سيميوني    مدحت عبد الهادي: لا بد من تواجد مهاجم صريح لمنتخب مصر أمام كوت ديفوار    تنوع «محمد بغدادى» الثرى وحدة الإبداع وتعدد المسارات    «الشؤون النيابية» تنشر إنفوجرافات جديدة من سلسلة «توعية وتواصل»    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    ذهاب المرأة إلى المسجد لصلاة الجمعة موقف شرعي وآداب مستحبة    إسلام الكتاتني يكتب: حينما «عوى» الإخوان على «العوا» «3»    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    مواعيد القطارات من أسوان اليوم الجمعة 9 يناير 2026    منهم البدوي وسري الدين وأبو شقة، 8 متنافسين على كرسى رئيس الوفد    حافظوا على وحدتكم    ضبط 80 مخالفة بالمخابز ولحوم ودواجن غير صالحة بكفر الشيخ    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    مواجهة نار في كأس آسيا تحت 23 عامًا.. العراق يفتح النار على الصين في انطلاق المجموعة الرابعة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوميات الأخبار
ردح.. يردح.. ردحا

«في قواميس اللغة العربية الكبري وجدت اللفظ، بل إنه منتشر في الأمثال والأقوال المأثورة والأشعار والأحاديث، إنه لفظ يدخل الآن في التعبيرات الحاكمة».
حدثني بعض من عاشوا مرحلة العشرينات عن ظهور الاذاعة اللاسلكية.لم يكن للدولة محطة اذاعة في البداية، كانت المحطات أهلية، أي يمتلكها أشخاص، يبث بعضها الاغاني، والقرآن الكريم، والاحاديث مع المشاهير، واحيانا الاخبار والاعلانات، اعلانات عن ملابس وعن أدوية وعن المشروبات الروحية، كان الاعلان عن الويسكي الانجليزي الفاخر في الصفحات الأولي من الصحف المحترمة، وأذكر أن أعداد روايات الجيب، السلسلة التي أصدرها عمر عبدالعزيز امين وكان لها فضل في اشاعة القراءة وتقريب الادب العالمي، في الصفحة الثالثة منها اعلان ثابت عن نوع من الكونياك اسمه «اوتار» والغريب أنني لم أعثر ولم أر هذا الاسم في أي بلد من البلدان التي ازورها وقد سألت بعض من عاشوا المرحلة ، وأخبروني أنه نوع من الخمر الرخيص كان أشبه بماء النار. أعود إلي المحطات اللاسلكية أو الاذاعات الأهلية، عرفت ظاهرة «الردح» علي الهواء، إذ بدأ بعض المتنابزين أو المتنافسين أو المختلفين أو المتشاجرين يتصارعون علي الهواء باللفظ. يقال ان الشيخ سيد الصفتي وهو صاحب صوت جميل رخيم كان يتوقف اثناء الغناء ويخاطب أحد الفنانين المنافسين قائلا: تعرف ياد تعمل كده؟، وربما يرد عليه الآخر في نفس اللحظة من محطة اخري أو في وقت تال. أعتقد أن ظاهرة المحطات الأهلية التي عرفتها مصر تعود الآن مع اختفاء تليفزيون الدولة وتزايد حضور محطات التليفزيون الخاصة التي تعبر عن وجهات نظرأصحابها. لايوجد الآن اعلام للدولة، خاصة مع تراجع التليفزيون المصري وضعف تأثيره، أما الاذاعة المصرية التي كانت جزءا من الحياة اليومية منذ انشائها في منتصف ثلاثينات القرن الماضي فلم يعدلها التأثير القوي ولم تحل مكانها اذاعات أخري من تلك التي تبث الآن علي fm، نحن نعود إلي مرحلة العشرينات ولكن بالصوت والصورة، يبدو هذا واضحا في الفضائيات، خاصة مع حالة الكسل الاعلامي التي سادت، خاصة في برامج التوك شو، إذا امسك الانسان بجهاز الريموت وتنقل بين الفضائيات سيلحظ ظاهرة الاحاديث من المكاتب في الاستوديو، احيانا المكتب دائري، وفي أخري بيضاوي، أو مستطيل، مذيع وضيف أو ضيوف، اختفت الصورة وليس المقصود الصورة في ذاتها ولكن أعني نقل أحداث الواقع، مع زيادة تضخم الذات عند بعض المذيعين والمذيعات، بدأت ظاهرة المونولوج، أي الحديث المنفرد، ولأن الحديث يتطلب ثقافة وامكانيات واطارا من الوعي بدأت تقع ظواهر سلبية كادت تحدث بسببها كوارث سلبية، مثل الأزمة مع المغرب التي تسببت فيها مذيعة ماتزال تتحدث بمفردها حتي الآن في موضوعات لا تلم بها، الحديث المفرد يؤدي إلي حالة، خاصة إذا جري مع ضحالة الرؤية وفقر التكوين، مع تضخم الذات المصاحب لشيوع الصورة والشهرة الوهمية يتحول المذيع إلي خطيب، أو إلي مناد، أحيانا أري البعض يتحدث بسوقية في موضوعات حساسة ويتطلب الخوض فيها قدرا من المعلومات، رأيت اليوم صحفيا يقدم برنامجا يستعرض فيه الصحف يزعق مخاطبا الجمهور.
«هما فاكرين نفسهم ايه.. احنا حنوريهم.."
هكذا بدأت ظاهرة الردح علي الهواء. في البداية بدأت كعزف منفرد، من طرف واحد، يخاطب جمهورا لا يراه، وفي هذه الحالة يتزايد الانفعال شيئا فشيئا لأن المتحدث يكلم نفسه، هكذا ظهرت عبارات مبتذلة عديدة، ثم تطور الأمر مع التعبير عن مواقف سياسية مختلفة، رأيت منذ اسبوعين لحظة تقدم مذيع من الكاميرامديرا ظهره لضيوف محترمين كان يحاورهم، اتجه إلي الكاميرا ليتحدث مباشرة عن آخر في محطة أخري يتحدث في نفس اللحظة، بدأ حديثه قائلا:
«لو أنت راجل قول علي يناير مش ثورة..»
وسرعان ما جاء الرد علي الهواء
«اللي كانوا بيلحسوا جزم مبارك ما يتكلموش..»
ولكن اولاد الحلال علي الهواء ايضا كما هم في الشوارع والحواري والأزقة يظهرون فجأة ليطبطبوا علي هذا، وليطيبوا خاطر هذا بكلمة تفاديا لتحول العراك باللفظ إلي اشتباك بالايدي، سرعان ما ظهر مذيع ثالث، استدعي زميليه بالصورة في الشاشة التي يطل منها، تحدث إلي هذا وتحدث إلي ذلك، واصلح بينهما، هكذا توظف أحدث أدوات العصر لأهداف لم تخطر ببال من اخترعوها، ما استوقفني هو اتخاذ ظاهرة «الردح» لأطوار أخري، أصبح «الردح» بالصوت والصورة، ولأنني مهتم بهذا السلوك بدأت أراجع المعلومات المتاحة عنه، تذكرت أنه من تقاليد الحروب القديمة اصطفاف الجيشين المتحاربين في مواجهة بعضهما، في البداية يخرج شاعر أو ناثر من هنا وآخر من هناك، ثم يتنابذان بالألفاظ التي تكون هجاء قاسيا ويتحول مع التسخين إلي سباب، ثم يخرج فارس ليصيح:
«هل من مبارز.. هل من مناجز؟»
عندئذ يخرج من الصفوف المقابلة فارس آخر، وسرعان ما تبدأ المبارزة.نلاحظ في الملاحم العربية التي نقرأ نصوصها بعد تدوينها وكتابتها أن الفرسان المتصارعين كان بعضهم ينشد شعرا أو رجزاِ يقوم من خلاله بإشعال الحماسة أو التسخين، عرفت الحياة اليومية للمصريين ظاهرة «الردح» خاصة في القاهرة القديمة، وأقدم وصف لها ورد في «بدائع الزهور في وقائع الدهور» لابن اياس، اذ يذكر المؤرخ الكبير الذي عاش في القرنين الخامس عشر والسادس عشر أن القاهرة عرفت ظاهرة الردح بالطارات من خلال نساء يؤجرن، وكانت حارة الجوانية مشهورة بهن، مثل المطربات والراقصات كان هناك الرداحات، يخرجن وهن يحملن الطبول والطارات متجهات إلي الحارة او الزقاق يمارس الردح امام منزل الشخص المقصود والذي غالبا ما يكون امرأة متخاصمة مع أخري. والغريب أن محترفات الردح هنا أيضا من يستأجرن للندب علي الميت . في حدود ما قرأت لم أجد توصيفا لهذه الظاهرة إلا في كتاب الدكتور علي الراعي «المسرح المرتجل»، يذكر فيه الظاهرة من خلال المسرح ويورد نصوصا مما كان يقوله الممثلون في مشاهد الردح، ويورد الباحث في اللغة العامية المصرية سامح مقار في كتابه «غرائب التعبيرات والأمثال الشعبية» الصادر عن الهيئة العامة للكتاب مقطعا في ذكره للامثال يمكن ادراجه في اسلوب الردح.
تصيح امرأة في أخري قائلة :
- يابت انت حتفرسيني.. ما في حاجة اقولها لك إلا أما تردي عليّ بمثل واثنين! أحسن خليكي قاعدة بين اربع حيطان زي أم قويق بجد.. هنا ترد أم قويق قائلة :
- ياسيدنا الشيخ ضربة تكسرلوحك
قبل ما تعدل علي الناس عدل علي روحك.
فتقول :
- الحق عليّ يعني اني بابص لمصلحتك.. طب انا قايمة ماشية خالص، وخليكي قاعدة في دارك كده زي قرد قطع، صحيح إللي يعيش ياما يشوف.
عندئذ تهرع الاخري مهرولة وراء الاولي -اسمها ام حنان، تصيح : استني يا ام حنان نتفاهم ياختي، ترد أم حنان وهي متجهة إلي دارها مرددة :
- والله ده عجيب ياولاد، وقال علي رأي المثل :
علّمت فيك والطبع فيك غالب
وديل الكلب ما يتعدل ولو حطوا فيه قالب
ده اللي بيمشي ياما يشوف
واللي يلف يشوف اكثر
واللي قاعد في الدار خروف
والزهير ما يعطي الا الحلوف
في حدود ما رأيت وسمعت من ردح الحواري هذا أقصي ما يمكن نشره في الظروف الحالية، لأن الردح يحوي في الأغلب الام شتائم جنسية، واذا تطور الأمر إلي اشتباك تكون اعضاء الانثي هدفا للكشف والضرب علي رؤوس الملأ، ويعكس ذلك في الثقافة العربية سواء الرسمية جدا أو الشعبية احتقار الانثي وما يمت اليها، حتي أن مجرد ذكر اسم موضع العفة يعتبر من أقصي أنواع السباب، ويحوي الردح انتقاصا من كل مايمت إلي الخصمة، سواءنظافتها أو اسلوبها في الطبخ، وكثيراً ما يصاحب وصلة الردح اشارات وحركات من الايدي والحواجب ايسرها ذكري ضم الاصابع علي هيئة قبضة ودق راحة اليد الأخري بها، وهذا كل ما استطيع ذكره في ظروف النشر الحالية، المهم أن قواميس اللغة العربية الكبري، من لسان العرب لابن منظور، وحتي الوسيط لمجمع اللغة العربية يفرد جزءا كبيرا لهذا اللفظ، ويورد نصوصا لفقهاء وأدباء تحدثوا به ويذكرابن منظور في لسان العرب حديثا منسوبا إلي سيدنا علي بن ابي طالب كرم الله وجهه يذكر فيه اللفظ، انه لفظ عربي صميم وبعض مما ورد في القواميس يذكر اللفظ كفعل كما يلي:
ردح /يردح ردحا فهو رادح
ردح الشيء: بسطه
ردح بالماكن : اقام فيه
ردح الرجل : اصاب حاجته
ردح : ثبت وتمكن
ردح غريمة : صرعه
أما توصيف ما جري في بعض الفضائيات بالصورة والصوت فلا أجد له توصيفا لأنه لم يخطر علي بال مخترع التليفزيون ومن قبله الراديو.
خان الخليلي
كان الله في عونهم!
السبت :
هذا ما أردده بيني وبين نفسي كلما بدأت جولتي من مقهي الفيشاوي إلي شارع المعز عبرخان الخليلي، المكان غزير، عامر بالذكري والجمال والمأساة، عندما أمشي فوق ارضه اتذكر ان مقابر الخلفاء الفاطميين كانت هنا، كان القصر الشرقي الكبير يشبه مدينة صغيرة، حدوده الغربية هنا، وعند تلك الحدود تقع تربة الزعفران التي لم يكن يدفن فيها إلا الخلفاء المقدسون، بعد انهيار الدولة الفاطمية نبشت تلك الترب والقيت عظام الخلفاء الذين كان لهم مكان ومهابة في اكوام القمامة. في العصر المملوكي بني الامير جهاركس الخليلي خانا جميلا سرعان ما أصبح اشهر سوق للعاديات والتحف في الشرق، وظل المكان متماسكا حتي القرن العشرين، رغم ان الاميرة شويكار احدي اميرات العائلة المالكة قامت بشراء العقارات القديمة وشيدت ما عرف بمدينة الحسين والتي تشكل أحد معالم الخان الآن. للدكتور حسام الدين اسماعيل دراسة معمارية رائعة صدرت عن معهد الآثار الفرنسية بالقاهرة في مجلدين بالعربية والفرنسية، مايعنيني الآن الازمة التي يمربها الخان الآن، لعلهاالاصعب والاطول في تاريخه علي الاطلاق، الخان مثل كل المنشآت والمناطق الأثرية التي تتأثر بسرعة باحوال السياحة سلبا وايجابا، عشت فترة صعبة مماثلة ولكن عولجت آثارها. عملت بعد خروجي من المعتقل مع المهندس فخري زكي بطرس حوالي عامين كمسئولين عن الجمعية التعاونية لخان الخليلي والتي تتخذ مقرها في واحد من المباني الاثرية التي تنتمي إلي العصر العثماني، ربع السلحدار، وهذا الربع نموذج للمباني التجارية في العصور الوسطي، مثل الخان، والوكالة والقيسارية، كان ومازال يتكون من طابقين، متاجرفي الطابق الاول، وغرف في الطابق الثاني كانت تقوم بدور الفندق، ينزل فيها التجار القادمون من البلاد البعيدة او من داخل مصر، في مرحلة من تاريخ الربع اصبحت الحجرات تتبع الازهر، واقام بها طلابه المغتربون، منهم جمال الدين الافغاني وطه حسين وغيرهم، ثم تغير الأمر فأصبحت الغرف مقرا للفنانين الذين يبدعون أجمل التحف، عرفت كنوزا من المواهب، عم مصطفي نقاش النحاس الذي ظل يبدع بعد أن فقد بصره، كان يبدأ من مركزالصينية وينطلق، ذاكرته عامرة بالنقوش، اماالحاج سيد والحاج فتحي فكانا أمهر مبدعي الفضة، وللصدف عالمه وكباره، صالح بدر، رحمه الله، والحاج سعيد، والشيخ عبداللطيف يونس، لكل منهم ابداعه واسلوبه، عندما طلبت من الفنان عم مصطفي ان يوقع باسمه علي صينية من النحاس نقشها خصيصا لي بكي، قال إنها المرة الاولي في حياته التي يطلب منه احد الزبائن توقيعه، هؤلاء المبدعون جزء اساسي من القوة الناعمة لمصر، لهم امتداداتهم في ابنائهم الذين ورثوا الحرفة او من تتلمذوا علي أيديهم، تجربتي في الخان ثرية جدا ولم اكتبهابعد خاصة انها بدأت وانتهت في زمن صعب، اذ وقعت هزيمة 1967، وانقطعت السياحة.كان الخان يعتمد علي السياحة المحدودة في ذلك الوقت ونشاط البمبوطية الذين يبيعون منتجات الخان للسفن العابرة، توقفت السفن بسبب اغلاق القناة فاكتملت الطامة، رأيت كيف يمكن أن تنهار حضارة، كثيرون غيروا نشاطهم من نقش الصدف والنحاس وصياغة الذهب والفضة إلي قلي الطعمية والباذنجان ليتمكنوا من الحياة، كان المهندس فخري طاقة هائلة من النشاط والحيوية، سعي إلي عقد اتفاقيات للتصديرمع الدول الاشتراكية، آلاف علب الصدف، آلاف البلغ المنقوشة بالذهب، تمكن من احياء الوضع وتجميد تدهوره، غيرأن الازمة التي بدأت بعد يناير 2011 ماتزال مستمرة، كان الله في عون القادرين وغير القادرين، أصحاب المتاجر والورش لديهم مصاريف ثابتةمن ايجار واجور وضرائب، حركة السياحة شبه معدومة، نادرا ماأري أجنبيا، أقترح علي وزارة التعليم العالي والتربية والتعليم والمدارس والجامعات الخاصة تنظيم رحلات إلي الخان، يمكن شراء هدايا وتحف بأسعار معقولة جدا، اناشد المصريين أن يؤسسوا لعادة التعامل مع منتجات الخان حتي يمكن انقاذ ما يمكن إنقاذه.
في وداع الحياة
الخميس :
ينشد الخال ابدع ما جاد به الحس الانساني في وداع الحياة، فلننتبه إلي ما يقول، منذ فترة والموت يقترب، الوعي به حاد، الابنودي مثلي لم يعد يخاف الموت، لكنه يهابه، تشابه غريب في رؤيته ورؤيتي التي عبرت عنها في «حكايات هائمة» التي نشرت مسلسلة في اخبار اليوم، ومجموعة قصصية بعنوان «يمام» صدرت عن دار نهضة مصرالاسبوع الماضي. لا عجب فثمة تماه طويل بيننا يؤسس لتلك العلاقة الطويلة الفريدة التي اعتز وأئتنس بها قرب المحطة الاخيرة، غير أن الابنودي شاعر عظيم وتعبير الشاعر اكثر حدة وتركيزا، كانت «جدارية» محمود درويش من اقوي النصوص الشعرية التي عرفتها في مواجهة الموت والفناء بعد رائعة «طرفة بن العبد» التي رثي نفسه فيها وهو علي قيد الحياة، الابنودي في رأيي هو اكبر شاعر عربي معاصر علي الاطلاق، غير أن تعبيره بشعر العامية جعله في مرتبة بعيدة عن شعراء الفصحي، مازال التلقي للفصحي مختلفا عن تلقي العامية مع أن شعر العامية له خصوصية أدق وهذا مما يطول الحديث فيه. القصيدة الاخيرة المنشورةفي جريدة التحرير الخميس الماضي جزء من هذه الحالة الشعرية الفريدة التي ينكشف لبصر الشاعر الثاقب النافذ حقائق الوجود فيعبر عنها وعن كل انسان يعبر الحياة إلي المرسي الأخير.
يقول الخال وما أروع ما يقول :
وأمي نخلة طويلة نواحة
جاية.. ورواحة
يعول في قلب الريح
تيجي تروح.. تيجي تروح
فاردة شعورها الخوص
وطراحة
ولدي مليح
خسارة في الموت.. حن ياوهاب
واوهب له «تاني» روح
نقول «سلامتك ياو نس قلبي وتتجنق بالنوح
والكون بحاله يبتدي التناويح!!
امي اللي غابت من سنين عني
صورتها لسه ساكنه في النني
أمي اللي غابت سنين عني
لساها بتمشط.. وبتحني
لساها بتعدد.. وتنثر دمع.. وتغني
نخلة وثابتة انما بدّور
مادة جدورها ف قلبي وف سني
تميل من العالي.. تلامسني
وتجبر المكسور
ترضع حنان مني
وتميل عليّا
ميلة المهجور علي المهجور
تبكي في قلب الليل
تيجي وتروح
تيجي وتروح
وتميل عليّا
ميلة المدبوح علي المدبوح
أميّ
وشايفه
بعينها عمري يقل
تغيب ساعة ما تهل!!
والمتْسمع. أقل م المسكوت
والممنوع..أقل م المفلوت
وانا ماشي تحت السقوف
من غير ضلوالشمس محرات
والفضا محروت
وانا منكن تحرس عيني
خبث الموت
وفي مقطع آخر يقول :
عاشرت نص الناس وما طلعتش
الا بشبه اصحاب
وسخرت من فكرة
ان البشر للبشر
والود ف لي منتظر ع الباب
ولا فرق بين الحياة والموت
لعبة.. آخرها تراب!!
عكروت وبيطلع لنا لسانه
يبخل.. ومستني في آخر النبوت
وكله ما بيعود لهوش معني
سوق المحبة ما عادش بيساعنا
بطلت الف العمر ع الفاضي
وازعل من الرافض وم الراضي
ايه مش حرام في شرا او بيعنا؟
يفرق في إيه
ان كان مديح
والا هجا ولعنة ؟
لا الصبر بيصبر
ولايطمس الطعنة
ولا الدعا
بيعود معاه بالقوت
يختتم الرائعة بتلك الصيحة
حيجينا بكره
في إيده كشف حساب
حيمد ايده واحنا نمشي وراه
حنموت كده.. أغراب
حنموت كده.. أغراب
ويمددونا
تابوت.. جنب تابوت


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.