حتي كلفة الدم الذي أريق في شوارع العباسية قبل أسبوعين, بدت مجانية بامتياز, عندما فقدت تعاطف الغالبية العظمي من البسطاء. ربما لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن تجري الأمور علي هذا النحو الذي جرت عليه في ميدان العباسية, عندما تحول اعتصام سلمي احتجاجا علي أداء اللجنة العليا المشرفة علي الانتخابات الرئاسية إلي معركة, أريقت فيها دماء وسقط فيها شهداء جدد, بعد ان عاد البلطجية إلي صدارة المشهد بعد غياب, ثم بلوغ الأمر مداه في الاشتباكات التي دارت في محيط مبني وزارة الدفاع, بين هؤلاء المحتجين وجنود الشرطة العسكرية الذين جري استنفارهم للدفاع عن عرينهم مما أدي إلي سقوط قتلي وجرحي من الطرفين. بدت الأمور في تلك الأيام الدامية, أقرب ما تكون إلي مشاهد عبث, فالحرائق تشتعل في العديد من مؤسسات الدولة ومصانعها الكبري, دون اسباب منطقية, وقصص الهروب الممجوجة لمحتجزين في أقسام الشرطة عادت للظهور من جديد, بينما الجحافل التي هرعت للتضامن مع الاعتصام الذي بدأته قوي محسوبة علي التيار السلفي, احتجاجا علي استبعاد مرشحهم من السباق الرئاسي, لم تتحرك كقوي ثورية بأجندة واضحة ومحددة, وإنما ظلت مشاركتها في الأحداث تراوح مكانها, ما بين التأكيد علي الحق في الاعتصام والتظاهر, بما لا يتعارض مع سلمية الثورة, ورغبة عارمة في ان يختفي العسكر سريعا وفقط من المشهد السياسي برمته, من دون ان تقدم تلك القوي بديلا واقعيا وآمنا! حتي كلفة الدم الذي أريق في شوارع العباسية قبل أسبوعين, بدت مجانية بامتياز, عندما فقدت تعاطف الغالبية العظمي من البسطاء, هؤلاء الذين لم يتخيلوا للحظة, ان يشاهدوا عبر شاشات الفضائيات, مثل هذا التراشق الذي تم بين المعتصمين والجنود المكلفين بتأمين مبني وزارة الدفاع, علي ما يحمله ذلك التجاوز من مؤشرات تبعث علي الاستياء ولا تخفي خطرا, ربما يصلح منطق نظرية المؤامرة مدخلا لتفسير ما جري, إذ لا يزال كثيرون يميلون إلي اتهام قوي الإسلام السياسي بالسعي إلي افتعال هذه الأزمة, بعد ان قلت حظوظ مرشحيهم في السباق الرئاسي فالسلفيون فقدوا مرشحهم الوحيد بسبب جنسية والدته الأمريكية, بعد فترة من الجدل القانوني لم يتمكن فيها من إثبات صحة ادعاءاته امام وثائق دامغة حصلت عليها اللجنة الرئاسية, بينما الإخوان علي الجانب الآخر باتوا يشعرون بأن مرشحهم الاحتياطي, يفقد كل يوم ارضا جديدة في السباق, وهو أمر لا يبرئ الجماعة في نظر كثيرين, رغم نفيها المشاركة في أحداث العباسية. الغالبية العظمي من المصريين باتت تحمل اليوم الصراع الدائر بين قوي الإسلام السياسي من جانب والمجلس الحاكم من جهة أخري, مسئولية ما قد تنتهي اليه الامور من تعثر لخارطة الطريق التي اعلنها المجلس العسكري قبل عام, وارتضت بها مختلف القوي السياسية, لكن ذلك لا يمنع تفاؤلا من أن تنتهي الأزمة الجارية إلي حلول ترضي جميع الأطراف, شريطة ان يذهب جميع شركاء اللعبة السياسية إلي تعقل مطلوب, والنظر بمزيد من الجدية إلي حالة الغليان التي يشهدها الشارع منذ فترة وهو يرقب في صبر, ذلك الصراع المحموم علي مقاليد السلطة, في بلد لا يزال يدفع ثمنا فادحا لعقود من النهب المنظم. لا حل, إذن سوي ان يفهم شركاء الأمس فرقاء اليوم, ان الطريق الوحيد لعبورهذه الأزمة, هو ان يتنازل الجميع عن مطامعهم, والالتفاف مجددا علي مطالب الثورة التي لم يتحقق منها شيء حتي الآن, سوي إزاحة رأس النظام السابق, وإلا فإن الانفجار القادم لن يقدر احد علي الوقوف في وجهه.