وفاة المحامي مختار نوح وتشييع الجنازة اليوم من مسجد مصطفى محمود بالمهندسين    لاستمرار تعطل الإمدادات.. خبراء: تأثر أسعار النفط بانسحاب الإمارات من «أوبك» محدود على المدى القريب    مكتبة الإسكندرية تُطلق منهج "كتاب وشاشة" لتعليم الكبار    رئيس مياه المنوفية يتابع مشروع الصرف الصحي بعزبة شعب شنوان بشبين الكوم    حماية المستهلك: توجيهات القيادة السياسية واضحة، لا تهاون مع أي ممارسات احتكارية أو تلاعب بالأسعار على حساب المواطنين.    مندوب لبنان بمجلس الأمن: إسرائيل تستهدف المدنيين والبنى التحتية بشكل متواصل    مسؤول في البيت الأبيض: ضغط هائل على ترامب لإنهاء حرب إيران    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    أيمن يونس: الأهلي لا يؤتمن في القمة والزمالك لم يحسم الدوري    قبل 72 ساعة من انطلاق المباراة.. رسميا نفاد تذاكر مباراة القمة بين الزمالك والأهلي بالجولة الخامسة من مرحلة التتويج بلقب دوري نايل    الحكم بإعدام شخصين قتلا جارهم لرفضه العمل معهم في البحيرة (فيديو)    سحب منخفضة وارتفاع في درجات الحرارة، الأرصاد تعلن حالة الطقس اليوم الأربعاء    استجابة عاجلة تنقذ مسنًا بلا مأوى بالإسكندرية وتوفر له رعاية كاملة    مصر دولة الارتكاز.. ملف العدد الجديد من مجلة أحوال مصرية الصادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية    مشروب الزعتر البارد الأقوى لتهدئة الكحة والحساسية    مدرب سيدات يد الأهلي: العمل الجماعي كلمة السر في التتويج بلقب الكأس    ديمبيلي: باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ لا يترددان في تحقيق الفوز    محمود صلاح: لا نلعب من أجل التعادل.. وأفضل الاحتراف على الأهلي والزمالك    الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي متحدثًا رئيسيًّا في افتتاح المؤتمر الدولي للجامعة الأورومتوسطية بمدينة فاس    بى اس جى ضد البايرن.. الأعلى تهديفيًا فى تاريخ نصف نهائى دورى الأبطال    تعرض الإعلامية بسمة وهبة لحادث سير على طريق المحور    جريمة منتصف الليل، الكشف عن تفصيل جديدة في سرقة محصول القمح بالشرقية    القبض على المتهم بابتزاز طليقته بمقاطع فيديو خاصة فى الطالبية    غلق كلي لطريق مصر أسوان الزراعى اتجاه العياط.. لمدة "10 أيام"    فصل الكهرباء 3 ساعات بقرى قلين اليوم للصيانة.. اعرف المناطق المتأثرة    أخبار × 24 ساعة.. الحكومة: الدولة تمتلك أرصدة مطمئنة من السلع الاستراتيجية    وفاة مختار نوح الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة    وضع صورة ترامب على جوازات سفر أمريكية قريبا    ثروت الخرباوي يكشف تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة مختار نوح: نطق الشهادتين قبل وفاته    «قرض ياباني ميسر».. رئيس الهيئة القومية للأنفاق يعرض تفاصيل مشروع الخط الرابع للمترو    منتخب مصر ينعش خزينة اتحاد الكرة ب730 مليون جنيه في عهد التوأم    مصرع شخص إثر انهيار حفرة خلال التنقيب عن الآثار بشبين القناطر    الاعتداء على عضو نقابة المهن الموسيقية داخل شقة بالمنيرة الغربية    حمادة عبداللطيف: 75% من أزمة الأهلي بسبب اللاعبين.. والزمالك يلعب بروح وإصرار    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    اتحاد منتجي الدواجن: زيادة الصادرات لن تؤدي إلى ارتفاع الأسعار    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    الملك تشارلز: النزاعات في أوروبا والشرق الأوسط تؤثر بكل أرجاء دولنا    محمد مختار جمعة: كتائب صهيونية تُشعل نار الوقيعة بين العرب على السوشيال ميديا    استشاري تغذية: لا وجود لنظام "الطيبات" في المراجع الطبية.. ومصطلحاته بلا سند علمي    هيثم زكريا مديرا للتعليم الخاص والدولي وشعراوي لمجموعة مدارس 30 يونيو    نشرة ½ الليل: الإمارات تغادر «أوبك».. تراجع في أسعار الذهب.. مقترح إيراني جديد للوسطاء    لطيفة تطرح اليوم أغنيتها الجديدة «سلمولي»    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    مجلس أمناء جامعة المنصورة الأهلية يناقش التوسع الأكاديمي وخطط التطوير الإداري    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    رمال المجد    وكيل "عربية النواب": توجيهات القيادة السياسية المحرك الأساسي لإنجاح التأمين الصحي الشامل    برلمانية: الاستراتيجية الوطنية الجديدة لحقوق الإنسان خطوة مهمة لترسيخ قيم العدالة    حضور جماهيري وتفاعل كبير لعروض اليوم الأول من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    هل يجوز الصلاة عن الميت الذى لم يكن يصلى؟.. أمين الفتوى يجيب    الشوربجي: الفترة المقبلة ستشهد ثمارا لاستغلال الأصول المملوكة للمؤسسات الصحفية القومية    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    فى ذكرى ميلاده.. نور الشريف أيقونة الدراما المصرية وصائد الجوائز    قصر ثقافة أبو تيج بأسيوط يحتفي بذكرى تحرير سيناء ويكرم المبدعين    التأمين الصحي: 577 ألف منتفع بنسبة تغطية 71.3%... وتقديم آلاف الخدمات الطبية بالمحافظة    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ذلك الصوت في البدء كان السكون‏..‏

وإذا بالصرخة المدوية تمزق نسيج الليل في اللحظة التي يستيقظ فيها دوما من كابوس‏,‏ وضجة الارتطام المفاجئ تطرق كيانه بكل قوة قد يكون كابوسا آخر قال لنفسه ذلك مرات لكنه
الآن وتلك اللحظة الخاطفة كالبرق يدرك بفطرة لا تخطئ ان شيئا ما يحدث‏,‏ وفوق إرادة الجميع‏.‏
في البداية جاءه الصوت كطرقة هائلة لحجر كبير قذفه مشاكس اعلي السطح‏,‏ وبطريقة عمودية هوي متدحرجا علي درجات السلم‏..‏ كان يتكرر في اللحظة ذاتها وعلي مدي شهرين فاتا‏..‏ بالتأكيد هي ساعة دقيقة لا يتسلل اليها التخريف‏,‏ تلك التي يضبطها المشاكس وهو يقطع المنعطفات والحواري‏,‏ بعدما خفت الرجل تماما‏,‏ وترامت ظلال الجدران فوق أسفلت الطريق باهتة بالضوء الليلي الخفيف‏,‏ ليفعل فعلته المقصودة ثم يمضي تاركا خيطا من التساؤل القلق‏..‏ كان الصوت يباغته كحلم‏..‏ منذ أسبوع تراءي له تصور مخيف ومدهش ثمة قبضة حديدية لمجهول تهوي علي جسد سمين مكتنز من الخلف فيترنح كالسكير بين الدرابزين الحديدي والحائط‏,‏ ثم يسقط مترجرجا امام الشقة كما الصوت يبين محدثا ذلك الارتطام المرعب‏..‏ يأتي المساعدان ولابد بأنهما يرتديان سترات سوداء لامعة‏,‏ واحذية خفيفة كالحة‏..‏ يجرانه من رجليه القصيرتين الداميتين علي الدرج الرخامي خوفه ان ذلك التصور بدأ ينسج خيوطه ليكتمل كالفرض الوحيد المؤكد‏,‏ فأهله في الريف يدركون شفافيته الدهشة حتي سرت بينهم مقولة ان فيه شيئا لله‏.‏
يندهش لمجرد تصور جريمة تحدث داخل تلك العمارة التي يسكنها ست أسر ولم ينوه بها أحد منهم امامه‏,‏ او يشاركه الرأي في حسمها‏,‏ هم يخرجون جميعا في أوقات متفاوتة‏,‏ بعد أن يلقوا علي بعضهم سلاما باردا‏,‏ واحيانا يشيرون فقط بأيديهم وعلي وجوههم ذلك التعبير المشوش بالراحة أو اللامبالاة‏.‏
قرر ان يجلس يوما خلف الباب مباشرة ليقطع الشكوك التي تهزم طمأنينته‏..‏ اعد عدته‏,‏ عصا خيرزانية تنتهي بقبضة مكورة وسكين‏..‏ كان ذلك حين رحلت زوجته لزيارة أقارب لها في الريف‏..‏ ارتمي علي كرسي الصالون مرتفقا بيديه علي حوافه‏..‏ اسلحته البدائية تشرع رءوسها القاتلة تجاه الباب‏..‏ كان يعد الدقائق بنفاد صبر‏..‏ يقوم بين حين وآخر ليعدل هندامه‏..‏ يزرع الصالة ذهابا وايابا‏..‏ يطل علي ولديه النائمين في الحجرة المطلة علي الشارع‏!‏ إذا ترامي له صوت البداية كطبل بدائي ينبعث من زمن موغل في القدم‏..‏ ها هو شيء ما يتحرك حثيثا ثمة مشاورات‏..‏ وحوار قصير يدور بين القاتل والضحية‏,‏ والقبضة الملعونة لا تخطئ اللحظة الموعودة فتهوي بكل قوة وحنق‏..‏ بكل ضراوة الوحش الرابض علي ذلك الرأس المسالم الذي هوبالضرورة كبير‏..‏ يترنح الجسد السمين الذي يحمل في شجاعة ذلك الرأس المسالم الكبير‏..‏ يقابل الدرابزين الحديدي فينزف دما‏,‏ ثم يهوي محدثا ذلك الصوت العميق الذي يشبه آهة مكتومة لا تخرج من الفم ولكن من الجسد الضخم الذي لا يجد من ينجده‏.‏
قرر ان يفتح الباب ليداهمهم في عنفوان الجريمة قبل أن يأتي المساعدان بستراتهما السوداء اللامعة كما شاهدهما في فيلم قديم‏..‏ قلبه يضج بقوة لم يعتدها‏,‏ واعضاؤه تنتفض كطائر كسيح‏,‏ وقوة مبهمة تشده إلي الخلف فيغوص في كرسيه مذهولا‏,‏ وعرق غزير يسري ساخنا علي جلده المشدود‏.‏
مرتاعا كان يحسب الدقائق التي تبقت علي عبور الشعاع الأول من نور الصباح من فتحات الشيش‏,‏ لم يراوده طائف النوم مرة واحدة‏,‏ عيناه الحادتان الواسعتان ترمقان الباب بتحد‏,‏ وتعيدان تصور المشهد الدامي بدهشة طفل‏..‏ الصوت كان أعلي من ذي قبل‏,‏ لانه كان قريبا من الجريمة بدرجة مذهلة‏..‏ لا حاجز سوي الباب الرابض في سكينة علي مدخل الشقة‏..‏ لو انه امتلك الشجاعة منذ ساعة لكانت أشياء كثيرة قد تغيرت‏,‏ كان سيقضي نهائيا علي مصدر ارقه كل ليلة‏..‏ ماذا لوقال لزوجته التي تبصر دوما نياشين النصر متوسدة رفوف المكتبة في الصالة‏,‏ لكنه في مأزق فوق احتماله وهي لم تسمع شيئا من قبل ولو أصر ستساعده حتما بطريقة ما لكنها بالتأكيد ستقول جبان لايستطيع حمايتها بدت المشكلة في حما انفعاله المختزلة دفاعا عن كرامته‏,‏ وحين اطل شعاع الصباح الدافئ من شيش البلكونة انفرج قلبه‏..‏ استيقظ ولداه الصغيران‏..‏ جهز فطورا‏..‏ فتح الباب بحذر‏..‏ ومرتابا اطلق نظرة فاحصة إلي المكان‏..‏ باغتته المفاجأة الحمراء التي تقبع في حجم ذبابة علي الرخام لصق الباب بالضبط‏..‏ انحني ثانيا جذعه النحيف لأسفل ومرعوبا مد اصبعه‏(‏ نقطة دم‏).‏
تملكته قشعريرة باردة‏..‏ شعر بآلالف الأضواء الباهرة تسلط علي ملامحه المرتبكة‏..‏ احس بالرطوبة العفنة تزحف في حواسه من قاع البئر السحيقة التي يغرق فيها‏..‏ حتما ستشير كل اصابع الاتهام اليه هو متستر علي جريمة تحدث امام شقته كل ليلة‏,‏ بالأمس وجدنا قطرة دم وبالتحليل في المعمل الجنائي ثبت انها دم انسان قتل بضربة قوية فوق رأسه‏,‏ فبقعة الدم ياسيدي تتناثر حولها أنسجة ميتة من قاع المخ‏,‏ كما أن السكان يختفون واحد وراء الآخر دون ان يتركوا لجيرانهم اي شيء عن اماكنهم‏,‏ أو سر غيابهم الطويل‏,‏ ونأمل في النهاية ان تنال عدالتكم حقها المشروع في حماية المواطنين‏.‏
يقف‏..‏ سيكون خلف قضبان الحديد المدبب بلحية مرسلة‏,‏ وشعر أشعث أغبر‏,‏ وملابس مميزة‏,‏ بالتأكيد هو يعطي المسألة اكبر من حجمها الضئيل كذبابة‏..‏ ها هي البقعة الارجوانية تتمدد حتي تصير بحيرة هلامية عميقة‏,‏ وموحشة‏.‏ جرب أن يلمسها لكن محارة لزجة طوته في غموضها القارس‏,‏ ولم يفق الا عندما اطلق عليه السلام جاره في الدور الثالث‏..‏ هل يوقف الرجل الذي لايكاد يعرف شيئا عنه سوي اسمه ليحادثه بشأن ما يحدث ليفكرا معا؟ لم ينتبه الا علي ضغط الاصابع الصغيرة وهي تشده للمضي‏..‏ عندما توقفت سيارته امام النادي الرياضي الذي يعمل نائبا لمديره قرر أن يعود ليرسم خطوطا واضحة للجريمة‏.‏
قطع الدرج بحذر المسافر‏..‏ تمهل امام باب شقته‏..‏ اقترب من الدرابزين الحديدي‏..‏ رنا ببصره لأعلي‏..‏ بونديرة السلم مقفلة كما هي‏,‏ والسلم الحديدي الصدئ معلق اسفلها كل الدلائل تشير لفاعل من داخل العمارة‏,‏ انه يتحدي الجميع‏,‏ بل يتحداني شخصيا ومضي يستحث ذاكرته العتيقة امام كل واحد‏..‏ يحلل مواقف قديمة فتتراءي له حقائق لم تكن لتخطر بباله لكن اسم واحد تستمر في رأسه المنهك عباس حسنين الجزار انه الرجل الذي يستطيع تحدي الجميع بلا خوف كما أنه يكرهه‏,‏ فحين يراه خارجا من البوابة يقف مواجها له‏..‏ العين في العين‏,‏ ويدا الرجل ملطختان بدماء الذبيحة وهو يقول‏:‏ اهلا ياكابتن وضحكة طويلة تطارده من الخلف
حتي يصل لباب السيارة‏,‏ وهو الوحيد الذي يطرق باب أي من السكان ليطلب شيئا ما‏,‏ ريفي النشأة مثله لكنه لا ينحني لأحدهم مثلما يفعل الجميع‏..‏ فكر أن كل ذلك ليس سببا كافيا لأن يتحكم الرجل بمصائر السكان هكذا‏.‏
خطا متئدا علي حواف السلم يقيس بالنظر المسافات‏..‏ يحاول إعادة مشهد يتصوره كل ليلة‏,‏ كأنه يهم بكتابة سيناريو لفيلم بوليسي‏..‏ باغت سمعه أزيز باب يفتح‏..‏ عاد بجوار الشقة‏,‏ وتحسس الحوائط‏,‏ وفحص المدخل حين مرت زوجة عباس بطرحتها القاتمة‏,‏ وجلبابها الضيق‏,‏ وفمها الصغير الذي لا يناسب جسدها السمين‏:‏
صباح الخير يا أستاذ محمود‏..‏ خير؟‏!‏
لا‏..‏ أطمئن فقط علي ورق نسيته‏.‏
تشاغل في فتح جواب كان بجيب بذلته المقلمة‏..‏ حاول أن يتحاشي نظراتها خصوصا بعدما رأي ظل ابتسامة بشعة فوق شفتيها‏,‏ ابتسامة تقول شيئا غامضا لا يستطيع تفسيره‏..‏ قرر أن يطوي الدرج نازلا إليها‏..‏ يقبض بلطف مرفقيها ويسألها ملحا‏:‏ هل تعرفين شيئا؟‏,‏ لكنها القوة الغامضة التي تشده دوما وتسمره حين يهم بخطوة إيجابية‏..‏ تذكر أنها سألته بالأمس عن زوجها فأكد أنه لم يره منذ أيام‏,‏ وأكدت مؤمنة علي كلامه أنه يغيب أياما طويلة‏,‏ ويعود في الليل نحو ساعة‏..‏ ربما تسأله لتدفع الحيرة لديه إلي أقصي حدودها‏..‏ دخل شقته الفسيحة فاستقبله الهواء المنعش‏..‏ جاب الحجرات‏.‏ كانت الأشياء علي حالها كما تركها‏..‏ ارتمي علي فراشه‏..‏ رنا إلي السقف الأبيض الناصع ك كوب من لبن أو براءة طفولية‏,‏ وضاجع حلما صباحيا فاترا‏.‏
عناكب الوحدة تسكنك رغم الأسرة الهادئة‏..‏ تنسج أول الليل خيوطها الواهية لتقتنص كل فرص الطمأنينة في الليلة التالية كان علي أتم استعداد‏..‏ انسحب من فراشه بهدوء محاذرا زوجته الغارقة في النوم‏..‏ فتح نافذة البلكونة‏,‏ وواربها وراءه‏..‏ كان البرد قارسا‏,‏ والظلام الدامس يستلقي علي القبة السماوية كجسد مسجي‏..‏ مسح بناظريه زبالات الضوء المرتعش علي أرض الشارع الخالي‏..‏ ولج إلي حجرته مرة أخري‏,‏ ثم وارب باب الشقة‏,‏ وأخرج عينيه من الشق‏,‏ ليتحسس بهما الجدران والسلالم والخطوات‏..‏ يود لو يطمئن علي سكان العمارة أين ذهبوا؟ ومن بقي مؤرقا مثله بالتفكير‏,‏ أو بألتقاط أي صوت غريب؟
فتح التليفزيون‏..‏ كان عبد الحليم يصدح بأغان شجية في ذكراه‏..‏ أقفله‏,‏ وأخرج كتابا قديما عن الأمراض النفسية والذهانية كان يهوي قراءته‏..‏ لاشك أنه ينطوي علي إعجاب خفي بذلك النوع المعقد الممتع من التخصص‏,‏ وما أن يندمج في سطوره حتي يخيل إليه أن أعراض المرض تنتابه‏..‏ هو خائف أن يكون مصابا بالهذيان الصوتي‏,‏ ويصيبه الذعر عندما يتصور نفسه يقطع الشوارع بسيارته لعيادة صديقه القديم‏..‏ يخاف أن يستلقي أمامه علي الشيزلونج الجلدي الأسود‏,‏ ويأخذ في قيء ذكرياته المحفورة في الداخل‏..‏ ستثب الابتسامة التي يدرك مغزاها الساخر في الوجه المستدير الأبيض‏,‏ ويحوز في النهاية علي روشتة بها أنواع المهدئات والمنومات‏.‏
كيف يقول أنه يستيقظ مفزوعا كطفل في نفس الموعد كل يوم إثر صوت يسمعه وحده؟ حين يمضي سيجلس الطبيب ليبني شخصا جديدا ومفزعا له لم يعرفه من قبل‏.‏
فكر أن يستبدل مسكنه ليعود إلي الريف حيث الطمأنينة التي تتراءي له الآن جنة مفقودة‏,‏ لكن كيف له أن يعود بعد أن قطع كل اتصال بأصدقائه القدامي؟ وهو في غمرة تفكيره أتاه نعاس خفيف‏..‏ استرخي فاردا قدميه‏,‏ وفي اللحظة نفسها وبمقياس كوني لا يتأخر طرقت أذنه صرخة مكتومة‏..‏ قام منتفضا‏..‏ أذناه ساخنتان ووجهه مورد‏,‏ حزين‏..‏ لو ظل علي خوفه لفقد عقله إلي الأبد‏..‏ هذه الجريمة إنما تتحداني قال لنفسه‏.‏
كان الضوء خفيفا‏..‏ فتش عن حديدة ثقيلة‏..‏ أطفأ نور الصالة وفتح الباب بحذر‏..‏ فغمت أنفه رائحة دم متخثر لحظة رآه ممنطقا باللاسة‏,‏ والجلباب المقلم المتسخ‏..‏ هاهو عباس حسنين يرمقه باستخفاف في منتصف الليل‏.‏
يمشي بطيئا علي الدرج بوزنه الذي يجاوز المائة والعشرين كيلو جراما وكرشه الذي يمتد أمامه كبالون مصمت‏.‏ يتبادلان نظرة طويلة وفي اللحظة المحسوبة حين يستدير عباس صاعدا‏,‏ تلك الاستدارة التي رسمت من قبل مائه مرة يهوي بكل غيظ علي رأسه الكبير الملفوف باللاسة‏,‏ باليد الحديدية‏,‏ فيتطوح الرجل بين الدرابزين والدرج‏.‏
تنبثق من منخريه المفلطحين‏,‏ وشدقيه الغليظين خيط متصل من الأحمر القاني‏,‏ ثم يستقر مترجرجا أمام الباب‏.‏
يكممه ويسحبه لأسفل‏..‏ يتلفت حوله‏..‏ يلفه في شنطة السيارة‏..‏ يطوي الطرق الطويلة إلي مكان مهجور تسجيه بالرهبة إشارات الضوء من بعيد‏..‏ يخرجه‏,‏ ويسحبه رابطا قدميه بحجر ثقيل‏..‏ يجره إلي منحدر الماء وبخبطة من بوز حذائه يركل الجثة‏,‏ لتستكمل رحلتها الغامضة وسط الأسماك والقواقع‏..‏
كانت نبضات الهواء تلسع وجهه‏,‏ ويؤلمه للمرة الثانية أن يتخيل نفسه في عيادة صديقه القديم يدلي باعترافات جديدة‏,‏ أو وراء القضبان الغليظة لحجرة معزولة‏..‏ ودلو يريح نفسه‏.‏ يرفع سماعة التليفون‏,‏ ويطلب الشرطة‏:‏ ألو‏..‏ أنا المواطن محمود سالم نائب مدير النادي الرياضي‏,‏ قمت الان بارتكاب جريمة كانت تحاصرني وبيدي سلاح الجريمة أحفظه‏,‏ أرجو لو ترسلوا فريقا للتحقيق أدلي ببقية اعترافي‏..‏
قرر أن يستبدل بتلك الطريقة العقيمة التي لن تتيح له الاستمتاع بليال ساكنة بلا صوت طريقة أخري‏..‏ سيقول واضعا منديلا علي سماعة الصوت‏:‏
ألو‏.‏ أنا فاعل خير يا أفندم‏..‏ هاكم جريمة بشعة ارتكبت‏,‏ وألقي القتيل في ترعة المياه المارة بجنوب المدينة‏,‏ مقبرة القتلي كما تعرفون‏,‏ والمجرم يجوب الشوارع‏..‏ سلاح الجريمة لا يزال في يده إلا انكم ستدورون وتدورون كلعبة مملة ارتكبت بعناية‏.‏
يقفل الخط قبل أن تسمح مدة المكالمة بتتبع مصدر الصوت‏..‏ سيوقظ زوجته وأولاده ليخبرهم بقضائه التام علي مصدر قلقه‏.‏
كانت الأصوات قد بدأت تهل علي رأسه ضعيفة‏,‏ وتوالت متداخلة وعنيفة في رأسه فيما اندفعت السيارة بأقصي سرعتها‏.‏
فكري عمر الدقهلية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.