لماذا انطلقت جحافل تنظيم داعش الى مدينة عين العرب كوباني السورية، ذات الأغلبية الكردية؟ المدينة بعيدة عن مناطق تمركز تنظيم داعش، ولهذا احتاج حصارها واقتحامها نقل كميات كبيرة من العتاد والذخائر والمقاتلين لمسافة طويلة، فى وقت تقول فيه بيانات التحالف الدولى بقيادة أمريكا ان طائراته تجوب السماء ليل نهار، بحثا عن مسلحى داعش، لامطارهم بالقنابل والصواريخ. كوبانى ليس فيه بترول ولا غنائم، وليست مغرية الى حد تحمل تنظيم داعش كل هذه المخاطر، فداعش تسيطر على شريط طويل من الحدود مع تركيا، وعدة معابر، أهمها تل أبيض، بينما حول مناطق تمركز داعش أماكن أكثر أهمية وثراء من عين العرب كوباني ، يمكن أن تكون صيدا سهلا وأقل كلفة من المدينة الواقعة على الحدود مع تركيا، ذات الطبيعة الجبلية الوعرة. تتألف كوبانى من 384 قرية صغيرة، يتجاوز سكانها 460 ألف نسمة، أغلبيتهم من أكراد سوريا، معظمهم نزحوا قديما من تركيا، ولهذا توجد روابط قوية بين المدينة وأكراد تركيا، تعززها الجغرافيا والتاريخ معا، لكن ما يميز كوبانى شيئان، أولهما أنها تتمتع بحكم ذاتي، وبحقوق يحسدها عليها أكراد تركيا، وثانيهما أنها معقل رئيسى لحزب الاتحاد الديمقراطى الكردي، المتحالف مع النظام السوري، الى جانب وجود ملموس لكوادر حزب العمال الكردستاني، الذى خاض معارك شرسة طوال عقود مع الحكومات التركية، ورغم سجن زعيمه عبدالله أوجلان، الا أن للحزب قواعد قوية ومدربة، وفى عام 2012 فتحت حكومة أردوغان محادثات سلام مع عبدالله أوجلان، وفى هذا التوقيت كان يظن أردوغان أن نظام الرئيس السورى بشار الأسد على وشك السقوط، وأن جماعة الاخوان الحليفة له سوف تسيطر على مصر وتونس ودول أخري، ستجعل منه خليفة على امبراطورية واسعة، وأن عليه ترتيب بيته الداخلي، واحتواء الأكراد، حتى يتفرغ لغزواته وتوسعاته وهو مطمئن البال. وعندما تفاوضت أمريكا مع تركيا للاشتراك فى التحالف الدولى ضد داعش، كان لأردوغان تحفظات وشروط، فتركيا كانت المعبر الرئيسى لمرور مقاتلى داعش من 82 دولة الى سوريا والعراق، وبها مراكز تدريب، وتعالج جرحى داعش فى مستشفياتها، وهى مركز الامداد والتموين الرئيسى للتنظيم الارهابى المطالبة بالانقلاب عليه، ولو فعلت فان جماعة داعش ستكون فى مأزق خطير، لهذا يطالب أردوغان بثمن باهظ ليتخلى عن داعش وربما وضعها لتعجيز حلفائه، فيبقى على علاقته القوية بالدواعش، لربما حققوا له بعض ما عجزت جماعة الاخوان عن تحقيقه، أو عوضته بعضا من خسائره. اشترط أردوغان اقامة منطقة عازلة داخل الأراضى السورية، ممنوع على الطيران السورى التحليق فوقها، تتحول الى مركز انطلاق قوات معارضة سيجرى تدريبها فى السعودية، لتحتل الأراضى السورية، وتسقط النظام. لكن يبدو أن أردوغان كان له شرط آخر غير معلن، وهو أن تترك طائرات التحالف الدولى مسلحى داعش يزحفون الى كوبالى لاحتلالها، وهو ما يفسر عدم اعتراض الطائرات الأمريكية لقوات داعش طوال أسبوعين، حتى اقتحمت مداخل المدينة، فبدأت بضع غارات على استحياء شديد، لا يمكن أن تؤثر على مجرى القتال، بعد أن التحمت القوات، فأصبح من الصعب على الطيران أن يتدخل بفاعلية فى معارك الشوارع، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى أن الأهداف الأمريكية ليس من بينها الدفاع عن مدينة كوباني، وانما اضعاف داعش. لقد أراد أردوغان أن يقضى على كل من حزب الاتحاد الديمقراطى الكردستانى المتحالف مع بشار الأسد، وكوادر حزب العمال الكردستانى المزعجين، على أن ترتكب داعش المذبحة، فيدخل أردوغان الى كوبالى فيما بعد ويداه نظيفتان من دماء الأكراد، فتركيا بها ما يزيد علي15 مليون كردي، يشكلون 20% من سكانها، وقد اختبر غضب الأكراد من قبل، وهاهى الانتفاضة مستمرة فى معظم المدن التركية، تدفق خلالها دماء ما يزيد على 20 ضحية، لتكون دماؤهم وقودا جديدا فى الصدام العنيف مع حكومة أردوغان، احتجاجا على دورها فى اقتحام كوبانى بأيدى داعش . فماذا لو كان أردوغان قد ارتكب المذبحة بيديه؟ مدينة كوبالى تعنى الكثير لدى الأكراد عموما، وسكانها على وجه الخصوص، فهى تتمتع بمكانة معنوية كبيرة، ربما لتاريخها الطويل فى تحدى الدولة العثمانية، وأنها معقل أكبر عدوين كرديين للحكومة التركية، هما حزب الاتحاد الديمقراطى وحزب العمال، وتجربتها المميزة والملهمة فى الحكم الذاتي. كما أن اسم المدينة باللغة الكردية هو لا تتركوهم يدخلون وهو اسم ذو دلالة، كأنه أمر من التاريخ بكتابة حاضر نضالى يليق بتضحيات الأكراد.