مدير تعليم القليوبية :«السبت» يوم دراسى بالخصوص والخانكة لتقليل الكثافات    أكاديمية البحث العلمي تطلق المسلسل الكرتوني الجديد «نور وصندوق الأسرار» في رمضان    أحمد موسى عن إبطال انتخابات النواب بمنيا القمح: حكم قضائي واجب التنفيذ    عصام كامل عن التعديل الوزاري: لماذا تدار الأمور تحت بند السرية؟ ومن المستهدف؟ (فيديو)    القابضة لكهرباء مصر: انتهاء الربط المكاني ل 32.9 مليون مشترك    التحضير لاجتماع مجلس السلام (2/2)    اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ونظيره القبرصي    الصومال يسعى لتعظيم التعاون العسكري الإقليمي مع زيادة المخاطر الأمنية    وزير الرياضة يهنئ أبطال تنس الطاولة بعد التتويج بذهبيتي كأس أفريقيا    بعد رفض دعوى التعويض.. محمد سامي ل عفاف شعيب: «بفكر أسامح وناكل بيتزا وريش»    سقوط من أعلى سرير ينهي حياة طفلة رضيعة بالعمرانية    محافظ الأقصر يستقبل وفد مهرجان السينما الأفريقية لمناقشة استعدادات الدورة ال15    بعد سن الأربعين، أعشاب توازن سكر الدم لدى النساء    محافظ البحيرة توجه بتوفير الرعاية الطبية الشاملة للطفل بسام مسعود في مركز كلى دمنهور    أسعار الحديد والأسمنت اليوم الإثنين 9 فبراير 2026    تعديل موعد مباراة حرس الحدود وزد في كأس مصر    جمهور المعرض واحتياجاته الثقافية والجمالية    يحيى الفخرانى من حفل تكريمه بجائزة الاستحقاق: شكرا للفنان فاروق حسنى    مزيج السحر والمتعة فى كرة القدم    استقرار أسعار النفط اليوم الإثنين 9 فبراير 2026    حماس: تسريع إقرار قانون إعدام الأسرى يكشف وجه الاحتلال القائم على الإجرام    قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة تحتضن احتفالية قرآنية لتكريم برنامج دولة التلاوة    وزير الزراعة يخصص 5 ملايين جنيه لدعم مشروعات تنمية المرأة السيناوية    رئيس البورصة المصرية: تطبيق نظام تداول جديد من ناسدك خلال يوليو المقبل    رئيس جامعة كفر الشيخ يستقبل رئيس جامعة المنصورة لبحث التعاون بين العلمي    اتحاد الكرة يعلن دعمه الكامل لنادي بيراميدز بعد حادث فريق 2007    خريطة علاج الحروق.. 53 وحدة ومستشفى جاهزة لاستقبال الحالات    جامعة الفيوم: قافلة شاملة تقدم خدمات الكشف والعلاج ل 890 حالة من أهالي قرية المحمودية بإطسا    رئيس الوزراء يشهد الإعلان عن إطلاق مشروع "أبراج ومارينا المونت جلالة" بالعين السخنة    منطقة كفر الشيخ الأزهرية: نسبة النجاح بالابتدائية 98% وفي الإعدادية 89%    "المنشاوي" يستقبل متحدث "الخارجية" لبحث تنمية الوعي السياسي لدى طلاب جامعة أسيوط    مستأنف الإرهاب تقضي بعدم اختصاصها في نظر استئناف نجل عبد المنعم أبو الفتوح    محافظ الفيوم يوجه بتوفير الرعاية الصحية والعلاج على نفقة الدولة للحالات المرضية    "صفعة في وجه بلدنا".. ترامب ينتقد عرض باد باني في مباراة السوبر بول    إلى متى يستمر الارتفاع المفاجئ فى درجات الحرارة؟.. الأرصاد توضح    برلمانية تقترح منصة ذكاء اصطناعي لمراقبة المحتوى الضار بالأطفال والإبلاغ عنه    افتتاح وحدة التأهيل الرئوي بمستشفى الصدر بالزقازيق بتكلفة مليون جنيه    تأجيل محاكمة متهم بالتعدي على فتاة من ذوي الهمم وحملها بالشرقية    استشهاد فلسطيني برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في بيت لاهيا    «خرج للإصلاح فعاد جثمانًا».. تفاصيل مقتل صاحب شركة تأجير سيارات في فيصل    مراسل القاهرة الإخبارية: مستشفى العريش مجهز بما يزيد عن 220 سريرًا    انطلاق حملة نظافة شاملة بمساجد سوهاج استعدادًا لشهر رمضان    الصين تحذر اليابان من سياسات «متهورة» بعد فوز اليمين المتشدد    انخفاض أسعار الدواجن بأسواق في الإسكندرية.. وكيلو الفراخ البيضاء ب 95 جنيها    تأجيل محاكمة عامل بتهمة قتل زوجته وعشيقها في المرج    الجامع الأزهر يُعلنُ خطَّته الدعويَّة المكثَّفة لشهر رمضان المبارك    خادم الحرمين يرعى النسخة السابعة من كأس السعودية لسباقات الخيل    حريق يلتهم محتويات مخزن خردة في الهرم    روما يستضيف كالياري في مواجهة صعبة بالدوري الإيطالي    تأكد غياب الجزائري عبد الرحيم دغموم عن مباراة المصري المقبلة أمام زيسكو يونايتد بالكونفيدرالية    الإفتاء توضح حكم إخراج شنطة رمضان من أموال الزكاة    والد محمد صلاح يستقبل المعزيين في وفاة جده بنجريج.. فيديو وصور    مصر تدين قرارات الحكومة الإسرائيلية لتعميق مخطط الضم في الضفة الغربية المحتلة    وزير الثقافة ومحافظ الدقهلية يشهدان احتفالات العيد القومي ال776 وافتتاح مسرح أم كلثوم    بعد تداول محتوى مزور منسوب لشيخ الأزهر| النائب العام يبدأ التحقيقات    مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 9فبراير 2026 فى المنيا    سباليتي: يوفنتوس يجب أن يتعايش مع الضغط    أحمد العوضي ينشر البرومو الرسمي لمسلسله الجديد "علي كلاي".. رمضان 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لا تصدقوا الكتاب

‏(1)‏ تماما‏,‏ مثلما يحدث في الأحلام عادة‏.‏ أجدني عاجزا عن التعبير عما يخالجني‏..‏ عاجزا عن كتابة قصة قصيرة من ثلاث صفحات علي الأقل‏.‏ ربما أفكر في إحساس قارئ
افتراضي‏..‏ كيف يمكنني التعبير عن هذا الخواء الهائل الذي استوطن الأعماق فجأة؟ هل يمكنني كتابة نص‏,‏ وأنا في هذه الحالة النفسية المتردية كصباح خريفي مزمجر ؟ عزيزي القارئ‏,‏ أتشاركني بعض جنوني ؟
‏(2)‏
فكرة قديمة راودته منذ مدة‏,‏ وليس مهما إن بدت مهترئة كثوب بال‏..‏ ليس مهما الشكل الفني الآن‏,‏ وليذهب النقاد والحقاد إلي الجحيم‏!.‏
تخيلوا شخصا افتقد سكينة الدواخل‏,‏ مدججا بحزن غامض استبد بروحه في صباح ربيعي صحو‏,‏ وهو يحدق في أشجار الأوكاليبتوس عبر نافذة القطار‏.‏
غادر البيت مرفرفا‏..‏ الشارع خال‏,‏ عيناه تبحثان عن سيارة أجرة‏,‏ قروي عجوز متوكئ علي عصا‏,‏ يرعي بقرة عجفاء ويهش علي غنمه‏.‏
أشعة الشمس تلسع عينيه المحتقنتين‏..‏ لم ينم سوي أربع ساعات‏.‏ تمطر سماء عينيه وهو يلمح امرأة مع بقراتها وحقولا صفراء تنتظر سنابلها الحصاد‏..‏ المرأة منهمكة في غزل الصوف لا تبالي بعبور القطار وصريره المزعج‏..‏ يندلع بين جوانحه حنين جارح إلي طفولة بعيدة‏,‏ أشجار الأوكالبتوس تضاعف كآبته‏,‏ تتدفق الدموع‏,‏ يغطي وجهه بقبعته‏..‏ امرأة تربت علي صغيرتها‏,‏ بعد أن استلمتها من يدي أبيها‏,‏ وتذوب الصغيرة في خدر النعاس اللذيذ‏.‏
يحس فراغا وجدانيا موحشا‏..‏ يفكر بشكل أعمق في معني الفراق‏..‏ الوحدة‏..‏ الألم‏..‏ الخداع‏..‏
أقاربه الأصغر سنا كانوا يسخرون من نشيجه عند انتهاء العطل المدرسية‏.‏ كانوا يرون في القرية أشغالا شاقة لا تنتهي‏,‏ ومساكن بلون التراب‏,‏ حقولا تتلون مع فصول السنة‏,‏ وليال موحشة سرمدية تفرض سطوتها مبكرا‏.‏
في المدينة نساء كثيرات وحلوات‏,‏ وروائحهن تخدر كل الحواس‏.‏
صاح الخال مبتهجا‏.‏
‏(3)‏
توقف عن القراءة‏,‏ رفع رأسه الأصلع‏,‏ رمقه من وراء نظارتيه وهو يرمي بالورقة علي سطح مكتبه الفخم‏..‏
ما هذه الخزعبلات ؟
لا أعرف‏,‏ أظنها كتابة يصعب تجنيسها‏....‏
في صحيفتنا لا ننشر مثل هذه السخافات‏,‏ أرسلها إلي محرري تلك الجرائد التي لا تقرأ‏(‏ وبحزم استطرد‏)‏ انظر إلي هذه الصورة‏..‏
انحني‏,‏ والتقطها‏..‏
هذه صورة ذلك الحصان الذي قتل السائس‏.‏
أريد تحقيقا صحافيا شاملا عنه‏,‏ يكون جاهزا للنشر في العدد القادم‏.‏
‏(4)‏
يذوب وسط أمواج أناس غير عابئين ببعضهم‏..‏ يمشي منكس الرأس شارد اللب غارقا في أفكاره‏,‏ يفكر في شئ واحد فقط‏:‏ كيف يمكنني كتابة قصة تسرق إعجاب ناقدتي الأدبية رائعة الجمال‏,‏ المشرفة علي الملحق الثقافي بتلك الجريدة ؟‏...‏ بدل هذه الرسائل المتكررة التي لا ترد عليها ؟‏.‏
وأنت تغادر مبني العمارة‏,‏ تلمح امرأة شمطاء غزت وجهها ويديها التجاعيد‏.‏ كل مساء تلتقيها بجلبابها الوحيد الرث المتسخ‏,‏ علي كتفها تسترخي سلة قديمة تخفي ما يجود به المحسنون‏,‏ حيث ترابط كل يوم عند بوابة المسجد الكبير‏,‏ تحس شيئا يخز قلبك‏,‏ وتتساءل‏:‏
هل يمكن أن ينتهي بي المطاف مثلها ؟‏.‏
يعاتبك صديقك‏:‏
أنت حساس أكثر مما ينبغي‏..‏ كلنا نتألم لرؤية وجوه بشرية بائسة‏,‏ لكن لم تفكر في الأمر طويلا‏,‏ لست وزيرا ولا مسئولا ؟‏..‏
ولكن الانكسار في أعينهم وكلماتهم‏...‏ أخشي أن يكون كل هذا التعب لا يساوي حتي ثمن الأوراق‏,‏ صرت شبه مقتنع بلاجدوائية الكتابة‏...‏
ما هذه الخرافات ؟
تلوذ بالصمت‏,‏ وطيف الناقدة بمحياها الصبوح وشعرها الذهبي يغمر كيانك‏:‏ سأحاول أن أكتب هذا التحقيق بلغة أدبية منمقة‏,‏ حتي لو سبق ورفضت موادي من طرف تلك المجلة الأجنبية‏,‏ بسبب أسلوبي الأدبي‏..‏ لكن لم لا تنشر لي أستاذتي الحلوة ؟ ليس مهما إن خسرت مالا‏,‏ المهم أن أثبت لها أني جدير بأن تقرأ هلوساتي‏,‏ وليذهب كل النقاد الحقاد إلي الجحيم‏,‏ وفي مقدمتهم رئيس التحرير الذي لا يحب القصص ولا القصائد‏.‏
‏(5)‏
لفظتهما الحافلة‏,‏ يتأففان من سحابة النقع التي خلفتها عجلاتها‏.‏ المكان غارق في صمت سرمدي‏..‏ جل مبانيه قروية بائسة متناثرة كحفنة حصي بعثرها نزق طفولي‏,‏ تجاورها مقبرة مهجورة‏,‏ وفي أعلي التلة ضريح‏,‏ يفصله شارع إسفلتي عن متاجر ودكاكين ومساكن يطوقها صخب أليف يغري بالتسكع بين أزقتها الضيقة‏.‏
علي الرصيف‏,‏ يتحلقان حول طاولة امرأة تجلس تحت مظلة فقدت ألوانها الأولي‏,‏ يحدق في المرأة المتشحة بالسواد‏,‏ نعلها البلاستيكي‏,‏ جلبابها الأسود الملطخ ورائحة تزكم الأنوف تنبعث من سوائل النفايات فوق سطح عربة يجرها حمار عجوز مكدود‏,‏ وأمامها تتسابق كلاب‏.‏
يلعن في سره مدينته وسكانها‏,‏ وهو يتطلع في وجوه منشرحة مثل قلوب أهالي البلدة يستوقفون بعضهم‏,‏ ويتبادلون الكلام والابتسام‏.‏
‏(6)‏
استأنسنا جلسة بائعة‏(‏ الحريرة‏),‏ لكزني صديقي والمرأة تصب بعض الحريرة في إنائي‏:‏
حريرتك بردت‏...‏ ألم يعجبك طبخي ؟
أعتذر مرتبكا‏.‏
تشير المرأة إلي فتاتين تبرز سراويلهن الضيقة تفاصيلهن السفلي قائلة‏:‏
يمكنك أن تربط عليهما‏(‏ الكارو‏)‏ وتنقل التبن‏.‏
لا بل أكياس الذرة‏,‏ التبن أخف وزنا‏.‏
كم أتوق إلي ولادة بنت‏..‏ بنت واحدة‏.‏
ألازلت تلدين ؟
سألها الكهل في شبه سخرية‏..‏
ولم لا؟ أريد بنتا ترعاني في شيخوختي‏,‏ تصبن ثيابي‏,‏ وترتب فراشي‏.‏
أقبل متشرد في العشرين من عمره‏,‏ تنبعث منه رائحة كحول‏,‏ يلح علينا أن نعطيه مالا لشراء طعام‏,‏ تشير إليه المرأة أننا مازلنا طالبين‏,‏ وبحركة يده يدعوه الكهل أن يجلس جانبا‏.‏
نسمع شتائمها ودعواتها عليه‏,‏ ثم تناوله إناء الحريرة‏:‏
خذ يا ولدي‏!.‏
آه‏,‏ لو كان معنا حسن‏!!.‏
قالها صديقي متحسرا‏,‏ فأحسست أن شيئا ما ينقص رحلتنا‏.‏
‏(7)‏
ونحن في بلدته‏,‏ أحس برغبة جارفة في مجالسة صديقنا الخمسيني هنا‏,‏ وأن انهل من معين تجاربه في الحياة‏.‏
جلس طاويا ساقيه تحته‏,‏ وبخشوع ينهر الشباب وهو يحدثهم عن عذاب القبر‏,‏ نراقب حركات يديه‏,‏ كما لو كان يغطي شيئا بتراب وهمي‏,‏ نقرأ تعابير وجهه وهو يضم ساعديه أسفل بطنه‏:‏
حين يدفنونك‏,‏ يقف علي رأسك ويقول لك‏:‏ السلام عليكم‏.‏ ماذا كنت تفعل في دار الدنيا؟‏.‏
ينحرف مسري الكلام‏,‏ ونتحدث عن بلدة صديقنا‏,‏ وكمن يعترف بذنب أقر أحدهم بلقائه مع امرأة من أولئك النسوة‏..‏
متطاوسا هتف صديقنا الكهل‏:‏
أنا لم أعط في حياتي لأية امرأة مالا‏,‏ فقط ما يلزم من أكل وشرب‏..‏ أليس عرقا بعرق وجهدا بجهد ؟
واحدة قضت معي أربع سنوات‏...‏
اقترب صبي علي مشارف المراهقة فاغرا فاه‏,‏ مستندا بيديه إلي ركبتيه‏,‏ فرماه حسن بفردة حذاء‏:‏
سير تسرح نعاجكم‏.‏
آه‏,‏ لو كتبت هذه الاعترافات يا حسونة في نص وقرأته ناقدتي‏,‏ ستحقد علي إلي الأبد‏.‏
أكتم ضحكي‏,‏ وفي صدري أينع ربيع قبل أوانه‏...‏
أشار صديقي رفيق الرحلة بطرف عينه إلي جارتنا الثلاثينية وابنتها المراهقة وهما تغادران البيت‏,‏ فامتقع لون حسن وعلق في أسي‏:‏
في الصيف كانت عجيزة البنت أكبر من أمها‏.‏
في سري‏:‏ حتي هذه انتبهت لها يا ابن الذين‏...‏
كيف يمكن أن تتخيل أن تفكر فيك هذه المهرة ؟‏.‏
هذا الأحد‏,‏ لمحتهما في السوق الأسبوعي‏,‏ لكن الزحام لم يطاوعني‏,‏ لكي أحتك بجسدها‏...‏ وبيده جسد حركته المجهضة بزهو وهو يسحبها من الخلف‏,‏ من بين فخذيها حتي‏...‏ وسأله صديقي‏,‏ بطريقته التي تجعله يبوح بما يخالجه‏:‏
من ؟ الأم‏!..‏
هل جننت ؟ تلك عجوز شمطاء‏.‏
وضج المكان بالضحك‏.‏
‏(8)‏
نسمع صليل قيد حديدي‏,‏ فنلتفت جميعا‏..‏ يتهادي حصان يقوده شاب‏,‏ حركات قوائمه منسجمة كأنما يمشي علي إيقاع موسيقي خفية‏,‏ يخلب الأبصار بسواده اللامع وضخامته‏...‏ اختلج قلبي‏,‏ انتبهت إلي أن عينه اليسري مفقوءة‏..‏ بحركة سريعة أخرج صديقي آلة التصوير من حقيبته الصغري‏,‏ وشرع في التقاط الصور من زوايا متعددة‏,‏ وعيناي لا تفارقان حوافره المفلطحة‏..‏ وقف بعيدا عن الحصان‏,‏ وأشار إلي الفتي شاهرا بطاقته‏..‏
كان سيعدم رميا بالرصاص‏,‏ لولا تدخل الخبير النصراني‏.‏ يعرفون أنه حصان شرس‏,‏ لكن الكل يتباهي بأن الجياد التي من صلبه تحصد كل جوائز السباقات‏.‏
وسألت الكهل باهتمام‏:‏
ولم كانوا سيقتلونه ؟
عض السائس من قفاه حين انحني لتقييده‏,‏ ولم يتركه حتي لفظ أنفاسه الأخيرة‏.‏ جن جنون الحصان لأنه لم يشبع‏...‏
وغمز بعينه حتي ندرك المقصود بالكلمة الأخيرة‏,‏ وتراجع رأس الكهل إلي الوراء مقهقها‏,‏ وانتبهت إلي ملابسه الصوفية الثقيلة‏,‏ التي يرتديها في هذا الجو الحار‏.‏
أتسلي بتأمل الأشياء والموجودات والناس من حولي‏.‏ اقترب رجل علي مشارف العقد الرابع‏,‏ منظره يوحي بخبله‏,‏ في يده قصبة يضرب بها أعداء وهميين‏..‏ أحاول التركيز علي كلماته‏,‏ ونبراته الحادة المتوعدة‏...‏ صعد فوق حاوية الأزبال‏,‏ أشار بقصبته مادا ذراعه في الهواء‏;‏
أنت‏,‏ احرس تلك الجهة‏,‏ وأنت لا تغادر مكانك‏..‏ سنري من سيضحك في الآخر يا ولدي‏,‏ يا عامر‏.‏
قفز وأقبل ناحيتنا‏..‏ دعاه الكهل لاحتساء كأس شاي مداعبا‏:‏
ألم تعثروا عليه بعد ؟
ربما يكون قد مات‏.‏
تنهره المرأة‏:‏
دع الرجل في سلام‏.‏ قل‏:‏ الله يستر‏.‏
مد رجليه فوق الرصيف رافضا الجلوس فوق الكرسي‏.‏ أنشغل بالنظر إلي حركات قدميه الحافيتين‏,‏ ونظراته الشاردة تتقافز يمنة ويسرة‏.‏ اقترب صديقي متفقدا آلة التصوير‏,‏ تهلل وجه المخبول مبتسما في وجهه في حبور طفولي‏:‏
صورني مع حصان أبي عامر‏.‏
دنا مني الكهل وهمس في أذني‏:‏
هذا ابن المرحومة الزوجة الأولي‏,‏ وقد طرده عامر بعد أن تزوج واحدة من المدينة‏.‏
وكيف يتركه أبوه وإخوته علي هذا الحال ؟
إنه يهرب من البيت‏,‏ يحاولون حبسه في البيت‏,‏ لكنه يبدأ في الصراخ والسباب‏,‏ فيذعنون لرغبته‏..‏
التهم طعامه في شراهة‏,‏ أخذ ينظر إلينا في بلاهة‏,‏ وكأن الكلام عن شخص آخر‏..‏ ناولها الإناء وركض مثل طفل ممتلئ بالحياة والدهشة البكر وهو يصرخ‏:‏ يا عامر‏,‏ يا ابن الحرام‏..‏ إن كنت رجلا اخرج وقابلني‏.‏
‏(9)‏
أحاول مقاومة هذا الإحساس الجارف لكن عبثا‏..‏ أجدني مدفوعا إلي ملاحقة البنت‏,‏ عيناي لا تفارقان محياها‏,‏ وقلبي يخفق بشدة‏..‏ لو لم تكن ترتدي ثيابا بدوية لجزمت بأنها قاتلتي‏,‏ تلك الناقدة التي لا ترد علي رسائلي الإلكترونية‏,‏ وأقضي الليالي ساهرا في قراءة كتاباتها‏,‏ أنتبه فجأة إلي أني في عالم له تقاليده الخاصة‏,‏ تفاديا لما لا تحمد عقباه‏..‏ أدركت البنت‏,‏ أني أتعقب خطواتها‏,‏ فرمتني ببسمة فتكت بما تبقي من صمود داخلي‏,‏ وهوت بعصاها علي أتانها التي تئن تحت ثقل حمولتها‏:‏ أيمكن أن يكون لها شبيهة وامتداد في هذا الكون ؟‏.‏
حدق في الملامح المتدفقة عذوبة تخدش مرايا قلبه‏,‏ وهتف لنفسه بابتهاج‏:‏ وأخيرا‏,‏ وجدت القصة القصيرة التي كنت أتمني أن أكتبها منذ زمن‏....‏
أسرعت البنت في خطواتها‏,‏ أبطأ مشيه‏..‏ أدرك أنها اقتربت من ديارها‏..‏ ناجي الطيف الحبيب‏,‏ انعطفت الأتان‏,‏ ولمح ذيل ثوبها الملون قبل اختفائها‏,‏ توكأ علي الجدار الحجري‏,‏ أحس بالدوار وعيناه تصطدمان بقاع الهاوية‏...‏ خمن أن المكان كان مقلعا قديما للأحجار‏,‏ ابتعد متراجعا إلي الخلف‏,‏ وقد راودته فكرة أن ينهار الجدار بغتة وتلك الصخور الناتئة‏:‏ كيف يمكن لهؤلاء العيش وسط هذه النفايات المعدنية ومخلفات المصانع ؟‏,‏ في الأعلي لمح قطيع أغنام تقتات علي بقايا المزبلة‏.‏ انحدرت البنت وأتانها في الممر المواجه له في اتجاه القاع‏,‏ تفادي النظر إليها‏,‏ وانشغل بالتحديق في بعض المساكن الصفيحية المتآكلة‏.‏ داهمته رائحة كريهة‏,‏ غادر المكان مغالبا رغبته في القيء وعيناه تبصران جثث كلاب نافقة متفسخة‏.‏ أغمض عينيه وانحني مفرغا ما بجوفه‏...‏
وأحس كأن شيئا قويا لطمه‏,‏ فتهاوي من فوق الجدار القصير وانطلقت من أعماقه صرخة أخيرة متحشرجة‏,‏ قبل أن يرتطم بالقاع غارقا في دمه‏...‏
‏(10)‏
اختلط الحابل بالنابل‏,‏ ساد الهرج في البلدة‏,‏ تدافع الأهالي متفرقين مبتعدين عن طريق الحصان المندفع هائجا متوحشا‏.‏
في البيدر‏,‏ داعبه المخبول‏,‏ وفكر في أن يشفق عليه ويحرر قائمتيه من القيد الحديدي‏,‏ والجواد هادئ منهمك في العلف‏,‏ رفع الحصان ذيله ليهوي بها علي حشرة لسعته‏,‏ فلطم بقوة‏,‏ خد الرجل وهو يفك رباطه‏.‏ انتصب واقفا مزمجرا‏,‏ امتدت يده إلي سوط تحت عربة بالجوار‏,‏ وهوي بقوة علي ظهره‏,‏ فانطلق الحصان مثل السيل‏...‏
من بعيد‏,‏ لمحوه يمر بمحاذاة الطريق الزراعية المشرفة علي جرف المقلع القديم‏,‏ وبعد لحظات‏,‏ تناهي إليهم صياح نسوة يتعالي مستغيثات‏.‏
‏(11)‏
طال الانتظار‏,‏ ركب رقم صديقه وهمس لنفسه‏:‏ هذا المعتوه‏,‏ يبدو أنه اندس في أحد بيوت اللذة هنا‏!!.‏
اقترب صبي يرعي الغنم من الجسد المسجي‏,‏ شبه مخدر ناحية الرنين المتصاعد‏,‏ فتش الجيوب بسرعة وابتعد بغنيمته‏.‏ تفقد حافظة النقود‏,‏ دس الأوراق المالية في جيب قميصه ورمي ببقية محتوياتها بين النفايات‏.‏
وكأنما يخاطب أحدا وهو يبتعد عن بائعة الحريرة‏,‏ في اتجاه الحافلة القادمة‏:‏
سأحاول أن أجرب الاتصال به مرة أخري‏,‏ وإن لم يرد فسأعود من دونه قبل أن تتبخر المواصلات‏...‏ لا أعرف لم لا يرد هذا البائس‏!‏
تميز غيظا وصوت أنثوي رقيق يعلن‏:‏ الهاتف المتنقل الذي تطلبونه غير مشغل أو خارج التغطية‏.‏ الرجاء‏,‏ إعادة النداء لاحقا‏.‏
أطفأ هاتفه‏,‏ دسه في جيبه في حنق‏,‏ وأشار بيده إلي سائق سيارة أجرة تتأهب للانطلاق‏,‏ وهو يسرع في خطواته‏.‏
‏*‏ كاتب مغربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.