ألقت قضية باسم يوسف وبرنامجه الساخر "البرنامج" بظلال كثيفة على الحريات الإعلامية التي يعتبرها البعض مطلقة، بوصفها القاعدة، وليس الاستثناء، كما يدعي البعض. في المقابل هناك تيار مخالف يعتبر ما يحدث فوضى إعلامية، يزيد من حدتها عدم وجود آلية منظمة للإعلام، يمكن الاحتكام إليها، وبينهما ثارت هواجس الأخونة ورغبة التيار الإسلامي كبح حريات الإعلام التي تصب في غير صالحه، بالرغم من الانتقادات التي يتعرض لها الرئيس محمد مرسي والإخوان حتى داخل تليفزيون الدولة نفسها. فمن جانبه أكد عمرو موسي رئيس حزب المؤتمر والقيادي بجبهة الإنقاذ الوطني، أننا لا ننكر أو نتجاهل أنه توجد مساحات حرية كبيرة بالإعلام، فالرئيس والحكومة يتم انتقادهما في جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بالإضافة للفيسبوك وتويتر، ومن غير الموضوعية القول بأنه لا توجد حرية تعبير بالشارع فالمظاهرات تنطلق في كل أرجاء مصر، والكل يعبر عن رأيه بحرية. وبسؤال موسي عن قضية باسم يوسف أكد أن موضوع النقد باستخدام الطرافة والسخرية جزء أصيل من شخصية مصر، مشيرًا إلى كون النكات ونقد الحاكم لم تتوقف حتى بأوقات ذروة الدكتاتورية، وطالب بألا تنتشر القيود على حرية التعبير والنقد والمعارضة؛ لكونها أحدى أهم مزايا ثورة 25 يناير، والتي ستظل فاعلة ما لم يتم المساس بها. وأضاف موسى أن انتقاد باسم يوسف للرئيس ليس به ما يُشين، فاحترام الرئيس لا يقلل من الخلاف مع سياساته كلها أو بعضها، أو وضع النقد في قالب خفيف، وهذه عملية تضع نقد الرئيس في قالب إنساني. واختتم موسى تصريحاته لبوابة الأهرام قائلًا: أرجو أن نتفاعل معًا -حكومة ومعارضة- لحماية الديمقراطية وحرية التعبير، وإلا سوف تكون الخسارة مضاعفة على الجميع. وفي سياق متصل نفى الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل ما تردده القوى العلمانية والليبرالية في مصر حول تقييد حرية الإعلام والإعلاميين. وقال هيكل في تصريحات إعلامية: إن مصر تعيش الآن أزهى عصور حرية الإعلام والصحافة بعهد الرئيس محمد مرسي، فالرئيس حسب توصيفه يُنتقد بشكل عنيف كل يوم بالفضائيات، وهو ما لم نعتده بعصور سابقة. وأكد الكاتب الصحفي الكبير أن مصر تعيش أزهى عصور مدنية الدولة وحرية الصحافة، وأن الصحافة والإعلام المصريين أديا دورًا حقيقيًا خلال المرحلة الراهنة. يأتي ذلك في الوقت الذي أكد فيه تقرير مؤسسة "حرية الفكر والتعبير"، إن صور الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون بمجال الصحافة والإعلام بجميع أنحاء العالم، تتفاوت في انتشارها وأنواعها ومقدار الأضرار الناتجة عنها، بتفاوت مقدار الديمقراطية والشفافية التي تتمتع بها البلدان المختلفة. وأضاف التقرير الذي جاء بعنوان "حرية الإعلام في الجمهورية الثانية، حبس.. منع.. مصادرة" أن حزمة القوانين والقرارات التعسفية التي تزيد من شرعية الجهات السلطوية في ممارسة انتهاكات بالغة ضد حرية الرأي والتعبير تجد لها دائمًا تبريرات تحت زعم الحفاظ على النظام العام والآداب العامة، وغيرها من المصطلحات المطاطة. وأضاف التقرير أن تعديل القوانين الحالية، وسن قوانين أخرى لضمان وتعزيز وحماية حرية الرأي والتعبير تستلزم بالضرورة توافر الإرادة السياسية التي تتحمل المسئولية في حماية حرية التعبير من خلال امتناع الحكومة عن ارتكاب الانتهاكات، وكذلك حماية أصحاب الرأي. وقال التقرير: إنه منذ تولي الدكتور محمد مرسي رئاسة الجمهورية، ومن قبله، سيطر حزب الحرية والعدالة على مجريات الأمور، بعدما ظهر أن هناك ميلًا متزايدًا من قبل قيادات حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان إلى الاستخدام السيئ للقوانين، التي تقيد حرية الصحافة والإعلام، بدعوى السب والقذف والتطاول على أعضاء الحزب وغيرها من التهم المطاطة، نتج عنه استدعاء الصحفيين إلى أروقة المحاكم لمعاقبتهم على مهنتهم، إلى جانب أشكال أخرى من الانتهاكات مورست بشكل ممنهج تمثلت في مصادرة وإغلاق الصحف ومنع مقالات تهاجم جماعة الإخوان وغيرها من أشكال الانتهاكات المختلفة. وأوضح التقرير أن البداية كانت في 30 مايو الماضي عندما أقام مرسي دعوى أمام محكمة القضاء الإداري ضد قناة الفراعين. والواقعة الثانية من وقائع الملاحقات القضائية للصحفيين، كانت من قبل الدكتور عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، في 24 يونيو 2012 حين تقدم ببلاغ للنائب العام ضد كل من رضا إدوار رئيس مجلس إدارة جريدة الدستور، وإسلام عفيفى رئيس تحريرها يتهمهما فيه بنشر أخبار كاذبة، وارتكاب جريمة القذف بحقه. وجاءت أخطر صور الملاحقات القضائية للصحفيين من قبل المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، الدكتور محمد بديع، الذي كان قد تقدم ببلاغ ضد عادل حمودة رئيس تحرير جريدة الفجر، وخالد حنفي مدير تحرير الجريدة، يتهمهما بالسب والقذف. بالتزامن مع تعديلات بالسياسة التحريرية للصحف، مما نتج عنه منع مقال من النشر، أو منع بعض الكتاب من الكتابة داخل صحف، وإلغاء صفحات بعينها، وذلك بعد حدوث تغييرات في رؤساء تحرير الصحف القومية، وقدوم محمد حسن البنا رئيسا لتحرير جريدة "الأخبار" وكان أول قرار له هو منع مقال للكاتبة عبلة الرويني، وبعدها منع مقال "لا سمع ولا طاعة" للكاتب يوسف القعيد. وأوصى التقرير بإلغاء الحبس في قضايا النشر والإعلام، وتعديل قانون العقوبات بحيث يتضمن تجريمًا لأفعال المنع أو المصادرة لأي محتوى مرئي أو مسموع أو مقروء. كما أوصى التقرير بإلغاء تجريم الأفعال التي يعتبرها القانون مساسًَا بالسمعة والاعتبار، كالسب والقذف والإهانة، خصوصًا ما يتعلق منها بالمؤسسات والشخصيات العامة. الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع السابق، قال لبوابة الأهرام: هناك فرق بين حرية الإعلام المتاحة، وحرية الإعلام المنتزعة، مشيرًا إلى كون الإعلام القومي المملوك للدولة يتبع سياسة الخيط والعصفور؛ بمعني أنك تربط العصفور في خيط فيطير المسافة التي تريدها الحكومة، وهذا يشكل تسعة من عشرة في مجمل الإعلام لأن هناك 26 قناة تليفزيونية تابعة للحكومة، ونحو أكثر من 60 موجة إذاعية بالإضافة للصحف والمجلات القومية. أما الإعلام الخاص فهو ينتزع أكثر مما هو مسموح به حكوميا، فالبعض يستخدمه بطريقة متأسلمة، مثل بعض القنوات الدينية، والتي ترضي الحكومة، ولا تغضب منها إلا إذا أثير غضب من خارجها؛ بمعني إذا غضبت الكنيسة، أو تمت الإساءة للمسيحية، وما عدا ذلك فيقولون بتلك القنوات ما انزل الله به من سلطان، ويفتون فتاوى لا علاقة لها بالدين الصحيح ويلوثون للأسف وجه الإسلام الكريم. وقال السعيد: هناك أيضًا الفضائيات المملوكة لرجال الأعمال، تنتزع مساحة أكبر من الحرية إن كان في النهاية يمكن الضغط عليها بوسائل اقتصادية، مثل تحريك البنوك عليها ومطالبتها بديونها، أو بوسائل سياسية أخري والبعض يرضخ لها والآخر لا يرضخ. وطالب السعيد بضرورة إعطاء الفرصة للانتقاد السياسي، مشيرا إلي أنه يتمني أن تتوقف رئاسة الجمهورية عن رفع دعاوى ضد إهانة الرئيس. أما احمد دياب القيادي بحزب الحرية والعدالة وعضو مجلس الشعب السابق عن الحزب، فأكد لبوابة الأهرام: أن حرية الرأي والتعبير ليس لها سقف الآن، منتقدًا الذين يزعمون أننا نعيش عصر تكميم الأفواه، والدليل على ذلك الانتقادات التي تعدت معنى الحرية في حق الرئيس. وقال دياب لبوابة الأهرام: إن باب الحريات بالدستور الجديد من أعظم الأبواب، حيث توجد به حريات لا توجد في دساتير بعض الدول المتقدمة بالنص على حرية تداول المعلومات، وحرية إنشاء الجمعيات، والصحف، والأحزاب بمجرد الإخطار، وبالتالي الحديث عن تكميم الأفواه يكذبه الواقع. واختتم تصريحاته قائلا: أكاد أجزم أنه لا يوجد سقف حريات في العالم الآن مثلما يوجد في مصر. وفي النهاية تبقي مسألة التعود على المناخ الجديد، بحيث يقوم من تلقاء نفسه بتعديل سلوكه وضبطه، حسب إيقاع المسئولية، والتركيز على الأخطاء السياسية وليس الشخوص.