كيف نعى بطريرك الكاثوليك شهداء رجال الشرطة؟    العراق: ملتزمون باتفاق أوبك+ وننفي اتفاق لزيادة الصادرات    الحساب الموحد لحصيلة مخالفات البناء يغلق أبواب الفساد    النقد الدولي يعد خطة لمراقبة البرنامج الاقتصادي السوداني لمدة 12 شهرا    روسيا: 6,6 ألف إصابة و149 وفاة بكورونا    الرئيس اللبناني يدعو إلى التعامل مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية وإزالة أسبابها    الخطيب يفوض لجنة التخطيط لاختيار الراحلين عن الأهلي و يستبعد فايلر    فيديو.. وزير خارجية فرنسا: القضية الفلسطينية - الإسرائيلية تمثل بُعدًا مهمًا للمنطقة    خبير: مقتل زعيم داعش في شمال أفريقيا سيُضعف من قوة التنظيم الإرهابي    رجب بكار يطلب حسم مصيره مع بيراميدز    اليوم.. 4 مواجهات مثيرة في الدوري.. بيراميدز يصطدم بالإسماعيلي    التشكيل المتوقع لمباراة بايرن ميونيخ وإشبيلية اليوم في السوبر الأوروبي    بسبب كورونا.. أندية الدوري الإنجليزي تهدد بالانسحاب من كأس الرابطة    غيابات مؤثرة فى صفوف الاتحاد قبل مباراة إنبي    ضبط 258 مخالفة مرورية متنوعة بأسوان    حريق يلتهم منقولات شقة سكنية بأخميم    النيابة العامة تبدأ التحقيق في معركة الهروب من سجن طرة وتتحفظ على الكاميرات    السجن 3 سنوات لصاحب محل كشري أشعل النيران في منزل طليقته    ضبط عاطل بالقاهرة لقيامه بالحفر عن الآثار داخل مسكنه بالزيتون    تأجيل أحدث أفلام المخرج ستيفن سبيلبيرج بسبب كورونا    المهن الطبية تقرر إعفاء أسر الشهداء من دفع اشتراك مشروع العلاج    توقعات بتقليصها ل 0.5% ... المركزى يحدد سعر الفائدة اليوم    الجيش الكوري الجنوبي: نستنكر بشدة قتل كوريا الشمالية لمواطننا وحرق جثته    وزيرة التخطيط تكرم فريق إيناكتس جامعة الأزهر.. وتؤكد: الإبداع مكون أساسي برؤية مصر 2030    جامعة حلوان: انطلاق فعاليات تدريب القيادات الشبابية لتنمية المناطق العشوائية الأحد    إزالة حالتي بناء مخالف في كفر شكر (صور)    الإسكندرية تستعد للسيول والنوات خلال موسم شتاء 2020    مصطفى منيغ يكتب عن :استقلال البال في مونتريال    "زنزانة 7" بتصدر إيرادات السينما..و"توأم روحي" يتراجع للمركز الثاني    صلاح عبد السميع : المغالاه فى المصروفات الدراسية تؤدى الى حدوث فوارق اجتماعية.    الأنبا إرميا: الرئيس السيسي قادر على صنع مستقبل أفضل لأولادنا    الأحد.. إعلان كشوف المرشحين لانتخابات النواب.. وهذا موعد الطعون والدعاية    زعيما فنزويلا وناميبيا يدعمان فلسطين في الأمم المتحدة    فليك للاعبيه: 99% من مجهودكم لا يكفي لإسقاط إشبيلية والتتويج بالسوبر    تعرف على تفاصيل حالة الطقس غدا الجمعة 25 سبتمبر 2020    كومان يستهل مبارياته مع برشلونة بمواجهة فياريال في الدوري الإسباني    سمر عادل: ندرس بناء منصة فواتير للاستعلام عن رسوم الخدمات الحكومية    بوسي شلبي تشارك في تحدي الطفولة بصورة مع الراحل محمود عبد العزيز    أول تعليق من جي جي حديد بعد ولادتها    الأحد المقبل.. أيتن عامر وحمادة هلال ضيفا أمير كرارة في «سهرانين»    الفيضان يقترب.. تحذيرات عاجلة من القناطر الخيرية لأهالي القليوبية    «صحة الاقصر» تواصل تنفيذ مبادرة علاج الأمراض المزمنة    رئيس جامعة الأقصر يستعرض خطة الإجراءات الوقائية استعدادا لعودة الدراسة    بالصور.. فودة يتفقد الاستعدادات النهائية لافتتاح شارع الثقافة بشرم الشيخ    بلاغ عاجل للنائب العام ضد أصالة    حبس المتهمين بخطف طفل أولاد صقر وطلب فدية 100 ألف دولار    قرارات جمهورية بتعديل أقدمية عدد من المستشارين بهيئة قضايا الدولةر    سامح شكرى: نسعى لتلبية طموحات الشعب الفلسطيني ..فيديو    السبت.. عودة عمل مكاتب تحفيظ القرآن الكريم على مستوى الجمهورية    السيسى يوافق على اتفاق مع بنك الاستثمار الأوروبي لتحديث خط سكك حديد «طنطا-المنصورة – دمياط»    أقوال السلف في قضاء حوائج الناس    أسباب نزول سورة الطلاق    علاقة لقاح الأنفلونزا الموسمية بفيروس كورونا.. المصل واللقاح يجيب    مستشار المفتي يوضح حقيقة وقوف الملائكة عند المسجد لتسجيل المبكرين لصلاة الجمعة    عدم إعطاء مرضى زرع الرئة مضادات الفطريات يزيد خطر الوفاة لديهم    أحمد الفيشاوي يهاجم محمد رمضان مرة أخرى: الدنيا مولعة .. وبيرد على حاجة لسة منزلتش    شاهد.. تسريب صوتي للمقاول الهارب يهين والده: "لما أرجع هديله بالجزمة"    #بث_الأزهر_مصراوي.. ما هو نسبة زكاة المال وما هو حد النصاب؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بورسعيد وديليسبس
نشر في بوابة الأهرام يوم 06 - 08 - 2020


د. سمير فرج
اعتدت زيارة مدينتي ، الحبيبة، بورسعيد، ولم أنقطع عنها أبدا، خاصة في ذكرى وفاة والدتي ووالدي الغاليين، وفي هذه المرة، قررت قيادة سيارتي بنفسي، فلم لا؛ والطريق، الجديد،30 يونيو، أحد إنجازات شبكة الطرق الجديدة ، في مصر، المنفذة استجابة لتوجيهات الرئيس السيسي، قد ضمنت وصولي لبورسعيد، في ساعتين، فقط،من منزلي في القاهرة الجديدة، على طريق ساحر،يضاهي طريق الأتوبان، السريع، في ألمانيا، بعدما كانت،ذات الرحلة، تستغرق، من قبل، 4 ساعات.
وعلى مشارف بورسعيد، الغالية، عند رأس العش،وكما اعتدت، طوال عمري، فتحت نافذة السيارة ، لاستنشق هواءها النقي؛ فلطالما أشتاق لتلك النسائم، العطرة، المحملة بيود البحر، ورددت مقولة أهالي بورسعيد، «يجعلك عمار دايما يا بورسعيد«.ثم دخلت المدينة،وانعطفت يسارا، إلى منطقة المقابر، المنظمة، ونزلت من السيارة،حاملامقعدا صغيرا، جلست عليه أمام قبر أمي، ساعة كاملة،أحدثها فيها عن أحوالي، وأستدعي، مع طيفها، ذكرياتي معها في طفولتي، وشبابي، ثم انتقلت إلى قبر والدي، لأعيد معه حديث ذكرياتنا، ومواقفنا، ولأشهده أنني اجتهدت، ما استطعت، أن أنفذ وصاياه لي، وأن أكون عند حسن ظنه بي.
ودعت والدي، على وعد بزيارة قريبة، وتوجهت لمكاني المفضل، في بورسعيد، منذ الطفولة، عند لسان ديليسبس،على مدخل قناة السويس ،ذلك المكان الذي كنت أقضي فيه ساعات، طوال، جالسا فوق السور الحجري، ممددا ساقاي على السور السلك، أمامه، وسارحا بأفكاري، وأنا أستنشق هواء البحر، وأراقب السفن العملاقة، عند مدخل القناة، وفي يدي الذرة المشوية، أو الترمس والحمص، في أجمل متنزه لكل أهالي بورسعيد. وحتى هذه المرة، وصلت إلى آخر اللسان الطويل، وتحت قاعدة التمثال، الخالية منه، جلست بنفس الطريقة، أراقب قناة السويس.
كان تمثال ديليسبس قد تم وضعه، في هذا الموقع، تخليدا لصاحب فكرة إنشاء قناة السويس، التي قدمها، عام 1854،إلى سعيد باشا، والي مصر،فمنحه سعيد باشا، عقد امتياز، لحفر وتشغيل قناة السويس، لمدة 99 عاما. استغرق حفر القناة 10 سنوات،بسواعد مليون عامل مصري،كان يتم تجميعهم من فلاحي مصر، بنظام السخرة،مات منهم أكثر من 120 ألفا، نتيجة للجوع، والعطش، والأوبئة،حتى تم افتتاح القناة عام 1869، في حفل اسطوري، أرهق موازنة الدولة المصرية. وفى أثناء الحفل، اقترحت الإمبراطورة الفرنسية، أوجيني، أن يقوم النحات الفرنسي،بارتولدي، بعمل تمثال، يوضع على مدخل قناة السويس ، عبارة عن سيدة تحمل بيدها شعلة، إلا أن الخديوي رفض هذا التمثال، لتكاليفه الباهظة،فأهدته فرنسا إلى أمريكا، وهو تمثال الحرية، الشهير، الموجود، الآن، في نيويورك.
وبديلا عن تمثال الحرية، صنعت فرنسا تمثالا، آخر،لديليسبس، صاحب فكرة حفر القناة، ووضع على مدخل قناة السويس ،وصار أحد معالم مدينة بورسعيد، ذلك اللسان الطويل،الذي يرتفع، في نهايته، تمثال ديليسبس ، وأصبح، هذا اللسان، متنزها لكل أبناء بورسعيد، حتى إعلان، الرئيس عبدالناصر، تأميم قناة السويس، في يوليو 1956، الذي ردت عليه إنجلترا،وفرنسا، وإسرائيل، بالعدوان الثلاثي، على مصر، في أكتوبر 1956. بعد فشل العدوان الثلاثي، وانسحاب الإنجليز، والفرنسيين، من بورسعيد، يوم 23 ديسمبر، من العام نفسه، التاريخ الذي صار ذكرى »عيد النصر، قام أهالي بورسعيد، بإنزال تمثال ديليسبس ، من على قاعدته، وتم تخزينه بمخازن هيئة قناة السويس، في بورفؤاد. وبعد 22 عاما، من تلك الواقعة، تم إخراج التمثال، وترميمه بواسطة طاقم مصري،تحت إشراف المرمم الفرنسي، ميشيل ووتمان، حتى إعادته لهيئته التي كان عليها، في الماضي، وتم تسجيله في عداد الآثار الإسلامية والقبطية، في هيئة الآثار المصرية.
طافت بي كل هذه الذكريات وأنا جالس على لسان ديليسبس، ذلك المكان الذي لم أنقطع عنه، حتى خلال حرب الاستنزاف، ونظرت، طويلا،إلى قاعدة التمثال الخاوية، التي يدور بشأنها، حاليا، حوار عميق، في بورسعيد، إذتنادي طائفة من الأهالي، بضرورة عودة التمثال إلى مكانه الطبيعي، باعتباره جزءا من تاريخ بورسعيد، وإنشاء قناة السويس، التي يقف وراءها ذلك الرجل، بعيدا عن الاتجاهات السياسية، وداعين لعودته، في احتفال كبير، يدعى إليه الرئيس الفرنسي، هذا العام، الذي يصادف مرور 150 عاما على افتتاح القناة.بينما ترى مجموعة، أخرى، من أبناء بورسعيد، أن تمثال ديليسبس يرمز إلى الرجل الذي خدع خديوي مصر، وانتزع لنفسه حق امتياز القناة، لمدة 99 عاما، تم خلالها نهب ثروات مصر، وسخر أبناءها لحفر القناة، وأن عودة التمثال،إلى قاعدته،على مدخل القناة، إنما هو تخليد لذكرى المحتل الغاشم، لمصر، وليس لبورسعيد، فحسب، وترى تلك المجموعة، أن التمثال لابد وأن يستبدل بتمثال جديد، للفلاح المصري الأصيل، مرتديا جلبابه، والمنديل المعصوب على رأسه، والعرق يتصبب على جبينه، وبيده الفأس الذي حفر به القناة، في رسالة للعالم أجمع بأنه الأحق، بتخليد ذكراه.
واستقللت سيارتي، عائدا للقاهرة، مكتفيا بغذاء روحي من نسيم بورسعيد، وذكرياتها، دون تناول وجبتي المفضلة، في أحد مطاعمها، الشهيرة، للأسماك، تاركا أهلي في بورسعيد بين مؤيد، ومعارض، لعودة تمثال ديليسبس إلى قاعدته، أو وضع تمثال جديد للفلاح المصري، فكل فئة تتشبث برأيها، المدعوم بأسباب وجيهة ... واحتفظت برأيي لنفسي في هذا الجدل الدائر.
نقلا عن صحيفة الأهرام


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.