عندما تكون مجلتنا بين يديك، يكون مولد الانتخابات الرئاسية قد انفض، وبدأ رجال القضاء المشرفون عليها فى فرز الأصوات لتحديد النتيجة النهائية التى تنتظرها مصر كلها، من أقصاها إلى أقصاها ويترقبها العالم كله عربيا كان أم غربيا. فها هى مصر تضع نقطة فى ختام صفحة المرحلة الانتقالية التى امتدت لنحو عام ونصف العام، لتفتح صفحة جديدة تفرد سطورها لكتابة تاريخها فى مرحلة الجمهورية الثانية، التى شهدت أول وأكبر انتخابات رئاسية عرفتها فى تاريخها القديم والحديث. ومن هنا، فالحديث الآن عن الانتخابات والمرشحين يبدو من قبيل تحصيل الحاصل، لا يغنى ولا يسمن من جوع، فالأصوات ذهبت لمن اختاره الناخبون فى تظاهرة ديمقراطية تليق بمصر اسما وتاريخا. ولم يعد ممكنا الآن بعد أن طارت الطيور بأرزاقها، وأسدل الستار على المنافسة، الحديث عن المرشح المفضل، أو ذكر مناقب مرشح دون غيره لجذب انتباه الناخبين إليه بهدف التصويت لمصلحته، وإنما يمكن فى هذه الأثناء ونحن نترقب إعلان النتائج لنتعرف إلى قائد مصر الجديد أن نتوقف أمام سؤال، أراه مهما للغاية يفرض نفسه على المرشحين قبل الناخبين، فى ظل الأحداث التى عاشها الوطن، وخصوصا محاكمة الرئيس المتنحى كأول سابقة فى تاريخ مصر، وهو: أى مصير ينتظر الرئيس المقبل؟ فهل جال بخاطر المرشحين المتصارعين على كرسى الرئاسة، هل فكروا فيما يمكن أن يؤول إليه مصيرهم بعد فوز أحدهم بالكرسى الوثير؟ أشك أن أحدا فكر لأن إغراء السلطة وشهوتها يغشيان العين ويصرفان الذهن عن الرؤية أو التفكير فى المصير، ويقع الشخص أسير الأحلام والسلطة والنفوذ والتاريخ، وإذا كان درس الماضى القريب الذى يفترض أنه لم يغادر الذاكرة، لأن ستائره لم تسدل بعد!! نصب عينيه، فهل وضع لنفسه خطة طريق يمشى عليها حتى يصل إلى بر الأمان؟ هل يتحسس موضع قدمه خشية أن تزل فيسقط وتنهار أحلامه؟ هل تسكن مخيلته النهاية الدرامية لسلفه لتكون درسا ونبراسا يحددان له مسار حياته فى فترة الرئاسة، ليضمن خروجا آمنا عزيزا مكرما فى نهاية مدته؟ ثم هل ستفرز الانتخابات رئيسا يرضى غالبية المصريين فى ظل غياب التوافقية، وتعدد الرؤى والتوجهات والائتلافات التى قسمت المرشحين للرئاسة إلى ثلاثة تيارات أحدها إسلامى وثانيها مدنى وثالثها هامشى، وبدا واضحا أن الصراع كان على أشده بين التيارين الأولين، حتى إن المراقبين توقعوا أن يكون هناك امتداد للصراع بين مرشحين يمثلان هذين التيارين الإسلامى والمدنى فى جولة تنافسية ثانية لحسم المنصب، وهنا أتوقف أمام تصريحات أراها مهمة بل غاية فى الأهمية حد الخطورة، كتبها أستاذى جهاد الخازن على لسان السيد عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية ورئيس الاستخبارات المصرية السابق، والتى حددت الموقف من وجهة نظره فى حال جاء الرئيس من المعسكر الليبرالى فإنه:«سيعانى من التيار الإسلامى، لكنه يظل قادرا على أن يكون حكما بين السلطات وسيكون مقبولا من المجتمع الغربى». أما فى حال فوز مرشح من التيار الإسلامى سيرأس دولة دينية لم يعرفها المصريون من قبل، ومادمنا نتحدث عن انتخابات أجريت وننتظر إعلان نتائجها، علينا أن نقطع صمت الانتظار وحيرته، بالبحث عن شخصية الرئيس المنتظر التى نتمناها بعيدا عن الأسماء التى بات أمرها بيد صناديق الاقتراع التى يتم فرزها الآن، فالصفات المطلوبة إن وجدت فى شخص أى مرشح قادته أصوات الناخبين وفق إرادتهم الحرة لمقعد الرئاسة، سترحب به كل الفئات من أبناء الشعب، وأولى تلك الصفات التى نتمنى أن يكون رئيسنا المقبل متمتعا بها هى الحكمة والصدق والشجاعة والعدالة والرحمة والعلم، كما فى صفات قائد جمهورية أفلاطون الفاضلة، لأن من يملك هذه الصفات، يستحق أولا أن يقود أمة بحجم وثقل ومكانة مصر، وسيكون قادرا على أن يجمع شمل الأمة، ويوحد كلمتها ويرعى مصالحها، ويقودها إلى المكانة التى تليق بها على خارطة العالم، وتعويض ما فاتها وحفظ هيبتها، وتجديد دمائها وتعزيز ريادتها بالأفعال لا بالأغانى، ليتواصل مستقبلها المشرق مع ماضيها الزاهر. وإن كان القائد المنتظر ممن لا تروق لهم صفات الفلاسفة ويرفض المدينة الفاضلة التى رسمها أفلاطون، ويريد أن يعايش العصر بواقعيته وظروفه وأدواته وإمكاناته البشرية والمادية على السواء، فإننا نحلم بأن يراعى الله فى مصر وشعبها، وأن يلتزم بنصيحة الإمام الحسن البصرى رضى الله عنه للخليفة عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين رضى الله عنه، والتى حدد فيها أهم ملامح الإمام العادل والتى نتمنى أن يضعها الرئيس المقبل أيا ما كان، نصب عينيه، حيث يشترط الإمام الحسن البصرى فى الإمام العادل أن يكون «قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم». فهل يجود علينا الزمان برئيس تتحقق فيه دعوة المفكر العربى الكبير عبد الرحمن الكواكبى، ويكون هو الرجل الذى يمنحنا إياه القدر فى هذه المرحلة الدقيقة لينبه الناس ويرفع الالتباس ويعمل بعزم ويفكر بحسم، ولا ينفك حتى يحقق ما ينتظره الوطن والمواطن من عيش كريم وحرية حقيقية وعدالة اجتماعية.ساعتها سيكون الإعلان الرسمى بنجاح الثورة المصرية. ويبقى فى الختام أننا مطالبون بالالتفاف خلف الرئيس المنتخب وننسى جميعا نحن وهو المرجعية والخلفية التى جاء منها، إسلامية كانت أم مدنية، ونقبل بحكم صناديق الاقتراع والديمقراطية، ونشمر عن سواعدنا لنبدأ مرحلة البناء لمصر الجديدة التى نتمناها!