هو' قصر مسحور', قصر وقفت علي أبوابه شهرزاد بين حاشيتها وجواريها لتستقبل عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي أصر علي أن يرافقه في رحلته بين قاعات هذا القصر صديقة وغريمه رائد المسرح الذهني الأديب توفيق الحكيم, تمهيدا لأن تشهد قاعات' القصر المسحور' سلسلة من' المعارك الحوارية' حول الانسان والقانون والابداع, والزمن. معارك لو دارت في عصرنا الحالي لانتهت في ساحات القضاء بتهمة السب والقذف, ولكن في هذا الزمن الجميل كان من الممكن أن يشترك عملاقانا في عالم الأدب بقامة الحكيم والعميد في كتاب واحد هو' القصر المسحور'- الذي صدر في طبعته الأولي سنة1936- فيتفق' الغريمان' اللذان جمع بينهما الصداقة والاحترام علي تزويد القارئ بالمزيد من ابداعهما الأدبي والفلسفي, فيأخذ العميد والحكيم القارئ المتلهف لكلماتهما إلي رحلة في عالم سحري من الحكايات والأفكار. رحلة بات من الصعب أن تحدث في القرن ال21, فبالرغم من أن توفيق الحكيم وطه حسين كانا كثيرا ما يختلفان, وصفحات الجرائد والمجلات شاهدة علي السجالات الأدبية التي جرت بين الصديقين, فإن العميد والحكيم كانا يختصمان برقي, يحتكمان إلي منطق العقل, واضعين قاعدة احترام كل منهما لرأي الآخر كقانون لا يمكنهما انتهاكه. أما اليوم فقد باتت عقيدة الاختلاف هي رفض وتسفيه أفكاره. فبدلا من استغلال تراكم الخبرات المكتسبه من قرون سابقة في السجالات الفكرية والسياسية, تم نسيان هذا التاريخ أو تناسيه من أجل إيجاد أو' ابتكار' عقيدة خاصة للقرن ال21 في الاختلاف تميزه عن سابقيه, وبالطبع كان جزءا من هذا' التميز' استخدام كل ما وصل إليه العقل البشري من تقدم في مجالات تكنولوجيا الاتصال والفضاء الإليكتروني. فجاءت عقيدة الألفية الثانية مبنية علي سلسلة من الخطوات' شديدة الديمقراطية' حيث تبدأ من التراشق بالالفاظ النابية, ثم التصميم علي إظهار جهل الآخر, أو انتمائه إلي' معسكر الأعداء' دون تحديد من هم الأعداء-, وتنتهي بضرورة أن يسود في عصر الديمقراطية والحرية- رأي واحد فقط, لا يوجد فيه احترام لرأي الآخر أيا كانت عقلانيته. وهكذا تحولت ليس بشكل مطلق حتي لا يكون هناك تعميم- وسائل الإعلام المختلفة ومن ضمنها وسائل الاتصال الحديثة كمواقع' فيس بوك' و'تويتر' الخاصة بالتواصل الاجتماعي عبر الانترنت إلي أدوات لفرض' ديكتاتورية الرأي الواحد' بعد أن باتت ساحات مفتوحة للتراشق بكلمات جارحة ومعارك تفتقر إلي منطق العقل. لعل هذا التناقض بين ما كان من زمن العميد طه حسين والأديب توفيق الحكيم وما يجري اليوم هو ما دفعني رغم كوني غير متخصصة في النقد الأدبي إلي الحديث عن كتاب' القصر المسحور' فهو يقدم لنا اليوم بما فيه من جدل مهذب بين الأديبين الكبيرين نموذجا ربما نسعي للاهتداء به في أوجه الحوار المتعددة التي نجريها الآن.