جاء الصباح الباكر بالعاصمة البريطانية لندن شديد البرودة كعادته في شهر يناير من كل عام.. ولكن السعادة كانت منبع الدفء في مقر شركة جي.بي للبترول. فقد حصلت لتوها علي امتياز التنقيب عن البترول والغاز في زامبيا وهو ما مثل القشة التي ستتشبث بها الشركة للنجاة من التقشف والأزمة المالية العالمية وعلي بعد الاف الكيلو مترات التف عدد من الأفراد في زامبيا حول الراديو وهم يستمعون بقلق بالغ الي ماتبثه اذاعة راديو ليامباي.. فقد خرج صوت المذيع وهو ينادي شعب' باروتسي لاند'بالخروج والتحرك للمطالبة بالإنفصال! فعلي الرغم من المسافة الكبيرة التي تفصل بين العاصمة البريطانية لندن ونظيرتها الزامبية لوساكا فإن أنباء منح امتياز التنقيب عن الغاز والبترول في غرب زامبيا لعدد من الشركات العالمية واحدي الشركات الوطنية طارت سريعا الي قبيلة ال لوزي التي تستوطن غرب زامبيا منذ قرون.واثار الخبر حماس وسعادة اهل المنطقة التي تعاني من الفقر والتهميش منذ عقود. فلأول مرة ستوضع المنطقة علي خريطة الثروات البترولية الدولية ايذانا بفتح بوابة جديدة من الثروات وفرص العمل والتنمية. ولكن اصطدمت الفرحة بواقع صعب وشعور بغيض.. فقبيلة اللوزي تعاني من الفقر والإهمال منذ عقود بالإضافة لحالة عدم الارتياح التي يشعر بها ابناء القبيلة عند التعامل مع الحكومة المركزية, وهو ما ولد شعورا لديهم بتبخر نصيبهم من الثروة القادمة. وتزامن تسرب ذلك الشعور مع أنباء الاستفتاء علي انفصال جنوب السودان التي تملأ جنبات القارة الأفريقية منذ عدة شهور وهو ما دفع أبناء قبيلة ال لوزي الي استدعاء الماضي ومرحلة ماقبل التحرر من الإستعمار لتنطلق الأصوات المنادية باستقلال قبيلة اللوزي وبانفصال الإقليم الذي تسكنه القبيلة والمعروف تاريخيا باسم' باروتسي لاند'عن زامبيا. فقبيلة اللوزي او الباروتسي نسبة الي منطقة'باروتسي لاند' غرب زامبيا تعيش في سهول نهر الزامبيزي وامتد نفوذها في مرحلة ماقبل الاستعمار الي عدد من دول الجوار مثل كابريفي في ناميبيا وجنوب شرق انجولا. وكان ملوك' باروتسي لاند'يلقبون ب'ليتونجا' اي حماة الأرض وحكموا المنطقة حتي عام1916. وقد حافظ ال لوزي علي إقتصادهم السياسي لفترة طويلة وصمدوا امام هجمات قبائل اخري مثل قبائل الماكولولو والماتابيلي بالإضافة للهجمة الاستعمارية الغربية الشرسة علي المنطقة. ولكن عقب الاستقلال اصبحت' باروتسي لاند'جزءا من زامبيا ونتيجة للقلاقل والمطالبة بالإنفصال التي كانت تنفجر من وقت لاخر قرر الزعيم الزامبي السابق كينيث كاوندا تغيير اسم المنطقة من' باروتسي لاند'الي المقاطعة الغربية. ولم تتمكن قبيلة ال لوزي من تدويل مطالبها الإنفصالية.فخلال المشاورات المتعلقة بتدشين ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية في الستينيات تبني الزعماء الأفارقة وجهة النظر القائلة بالإبقاء عليالحدود الموروثة منذ عهد الاستعمار في محاولة لتجنيب القارة ودولها الوليدة خطر الإنزلاق في نزاعات بينية حدودية لا نهاية لها خاصة وان الدول الإستعمارية التي وضعت الحدود المصطنعة بين دول القارة لم تراع( سواء عن قصداو جهل)العديد من العوامل مثل توزيع القبائل اوتخوم وحدود الممالك والأمم الأفريقية السابقة علي فترة الاستعمار. وايمانا منها بتلك الحقيقة تعهدت كافة الدول الأفريقية الأعضاء بمنظمة الوحدة الأفريقية باحترام الحدود الموجودة عند حصولها علي الاستقلال القومي. ووفق ما نصت عليه مواد القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي الصادر في لومي عاصمة توجو يوليو عام2000 فإن المادة الرابعة المتعلقة بالمبادئ التي يعمل وفقها الاتحاد نصت في فقرتها( ب)علي مبدأ احترام الحدود القائمة عند نيل الإستقلال. ولكن عندما سارت المطالب بانفصال جنوب السودان في طريقها لتقترب من التحول الي امر واقع من خلال سلسلة من الإجراءات والاتفاقيات تأكد أبناء ال لوزي من ان حلم الإنفصال عن زامبيا امر قابل للتحقق في ظل قدوم الشركات الأجنبية الساعية وراء البترول والغاز اينما كان ومن ورائها الدول الغربية والمنظمات الدولية. وبصعوبة نجحت قوات الأمن الزامبية في السيطرة علي الموقف في مدينة مونجو عاصمة' باروتسي لاند'والتي تقع علي مسافة600كيلومتر تقريبا من العاصمة لوساكا. وعلي الرغم من نجاح لوساكا في وقف اعمال العنف فإن مطالب الانفصال في تزايد ومن المؤكد ان مطالب الانفصال وتغيير الحدود الموروثة منذ زمن الاستعمار ستجد من انفصال جنوب السودان قوة دافعة ووقودا كافيا لإستمرارها وتزايدها في انحاء القارة الأفريقية.