وزير التعليم: انتظام حضور الطلاب أساس نجاح العملية التعليمية    انضباط اللجان وتقشف في الكهرباء، خطة امتحانات الشهر بمدارس الجيزة    رئيس النواب يكشف تفاصيل اجتماعاته مع ممثلي الهيئات البرلمانية والمعارضة والمستقلين    الليلة.. البابا تواضروس يلقي عظته الأسبوعية من كنيسة الملاك ميخائيل بالعباسية    تفاصيل واقعة اعتداء سائق ميكروباص على مواطنة بالدقهلية، وتحرك عاجل من المحافظ    الطماطم ب40 جنيها.. أسعار الخضراوات والفاكهة بكفر الشيخ الأربعاء 25-3-2026    رغم الطقس السيئ.. محافظ الإسماعيلية يستقبل 88 مواطنا فى لقاء خدمة المواطنين    ريهام العاصي: المرأة أصبحت لها بصمة واضحة في المجتمع بفضل الرئيس السيسي (فيديو)    المعهد القومي للاتصالات يفتح باب التقديم بمبادرة شباب مصر الرقمية لتنمية المهارات التكنولوجية    الولايات المتحدة: 1000 جندى من الفرقة 82 قتال تصل الشرق الأوسط نهاية الأسبوع    الكويت تستدعي السفير الإيراني للمرة الثالثة وتسلمه مذكرة احتجاج    إيران: لدينا الإرادة والقدرة على خلق تهديد في مضيق باب المندب    القضاء البلجيكي يصدر قرارا يدين تقاعس بروكسل في منع الإبادة الجماعية بغزة    حزب الله يرفض تجريم المقاومة ويحذر: مخطط إسرائيل الكبرى يستهدف لبنان    بعثة منتخب مصر تصل إلى جدة استعدادا لمواجهة السعودية وديا    القضية 14.. فيفا يعلن إيقاف قيد الزمالك بسبب مستحقات الجفالي    اليكانتي الإسباني يعلن رسميا تعاقده مع حمزة وليد لاعب اليد رسميا    فينيسيوس: نيمار قدوتي    هاني رمزي: علاقة مسؤولي الأهلي بلجنة الاسكاوتنج لم تكن جيدة    براءة طبيب نساء في اتهامه بالتسبب بوفاة زوجة عبد الله رشدي    الرياح تتسبب في ميل 3 أعمدة إنارة على الطريق الصحراوي بالفيوم    تأييد حكم الحبس بحق متهمة قذف الفنان محمد نور    وسط مياه الأمطار.. فريق التدخل السريع بالغربية يكثف جهوده فى إنقاذ ودعم الأطفال    ياسر محب: مهرجان القاهرة للسينما الفرنكوفونية منصة للإبداع والتلاقى الثقافى    آخر تطورات الحالة الصحية للفنان ضياء الميرغني    المذيعة سالي عبد السلام تُرزق بمولدها الأول    رفع درجة الاستعداد ب"طب قصر العيني" لمواجهة آثار تقلبات الطقس    أمطار غزيرة والحرارة تنخفض ل 13.. كيف واجهت الإسكندرية نوة «عوة»؟    الأزهر يواصل حملة «وعي».. مدير شؤون القرآن بقطاع المعاهد يرد على شبهة اختفاء خُطَبِ النبي صلى الله عليه وسلم    محافظ كفرالشيخ يتفقد مستشفى مركز الأورام الجديد    28 أبريل.. النطق بالحكم على متهمين بقتل سيدة وسرقتها فى الجيزة    إسعاف قنا: استقرار الأوضاع على الطرق الصحراوية والزراعية    الطاقة الذرية: مغادرة مفتشينا لإيران ومخزون اليورانيوم يقترب من المستوى العسكري    جلسة خاصة فى الأهلى لحسم موقف المُعارين.. اعرف التفاصيل    برلمانيون: رسائل الرئيس خلال احتفالية المرأة المصرية تبعث رسائل طمأنة    أستاذة اقتصاد: كشف غاز بجنوب كلابشة يعزز أمن الطاقة المصري    جولات بشوارع طنطا لإنقاذ ودعم الأطفال والكبار بلامأوى تحت الأمطار    السعودية تؤكد أهمية العمليات التشغيلية البحرية وضمان حماية إمدادات الطاقة    مجموعة كونتكت المالية تحقق 2.8 مليار جنيه إجمالي دخل تشغيلي خلال 2025    شتاء 2026.. أفضل الأدعية المستحبة عند نزول المطر    مصر تُرسل نحو 1000 طن من المساعدات الإغاثية العاجلة إلى لبنان الشقيق    تكريم 26 من حفظة القرآن فى احتفالية كبرى بقرية الخمايسة بسوهاج.. صور    وزير الرى يتابع أعمال نموذج تطوير إدارة المياه في زمام ترعة الإسماعيلية    هل تتغير مواعيد المواصلات يوم السبت مع تعديل وقت إغلاق المحال؟    هيئة الدواء: كود ثنائى الأبعاد لكل عبوة دوائية يضمن تتبعها لحظيا داخل السوق    الصحة تحذر من تقلبات الطقس وتكشف استعداداتها لحماية المواطنين.. الوزارة: ضرورة الالتزام بالإجراءات الوقائية لتفادى المضاعفات.. رفع درجة الاستعداد القصوى بجميع المستشفيات ووحدات الطوارئ    شوربة العدس مش الاختيار الوحيد.. أفضل الأكلات لمواجهة التقلبات الجوية    ضبط مدير شركة توظيف بالبحيرة بتهمة النصب على راغبي السفر للخارج    بيان رسمي من نقابة "الموسيقيين" عن الحالة الصحية لهاني شاكر    "البحوث الزراعية" يفتتح يوم حقلي لحصاد وتقييم أصناف بنجر السكر بمحافظة كفر الشيخ    مجلس جامعة القاهرة يشيد بحكمة الرئيس ورؤيته الاستشرافية في قيادة الدولة المصرية    حكاية المصريين القدماء    قمة الحسم.. الأهلي والزمالك يتنافسان على لقب دوري السوبر الممتاز للطائرة    وزير العمل والمنظمة الدولية يبحثان تعزيز التعاون وإطلاق العمل اللائق في مصر    للمرة الثالثة.. "الشيوخ الأمريكي" يرفض قرارًا يُلزم ترامب بالحصول على موافقة قبل أي ضربة على إيران    بسبب "برشامة".. تامر حسني يتصدر تريند جوجل بعد إشادته المفاجئة بالفيلم    صناديق الاستثمار الرياضي.. مصر تطلق ثورة جديدة لصناعة الأبطال    واشنطن: مطالب الحرس الثوري الخاصة بالتفاوض "غير واقعية"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من القاهرة
مفاجأة الخريف الثالثة‏!!‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 23 - 10 - 2010

كانت مفاجأة الخريف الأولي وصول حركة مقاطعة الانتخابات العامة إلي نهايتها المنطقية وهي مشاركة جميع القوي السياسية الفاعلة وبحجم كبير في انتخابات معظم الدوائر وبحماس وسباق حتي داخل الأحزاب والقوي المشاركة‏. والمفاجأة الثانية جاءت مع تصاعد إجراءات جاء بعضها من السلطة التنفيذية‏,‏ وبعضها الآخر من الواقع السياسي والاقتصادي‏,‏ أدت إلي وضع حدود علي جموح جري في أدوات إعلامية مختلفة ومتنوعة‏.‏ والمفاجأة الثالثة جاءت نتيجة لسابقتيها وهي أن النخبة السياسية والثقافية‏,‏ فضلا عن الشعب المصري نفسه‏,‏ بدا وكأنه علي استعداد للقبول بما جري‏.‏
لقد تناولنا المفاجأة الأولي من قبل في أكثر من مقال‏,‏ وجاء فيها أن الدولة المصرية‏,‏ والمقصود بها ليس فقط الحكومة والسلطة التنفيذية والقيادة السياسية وإنما مجمل القوي الفاعلة من أشخاص ومؤسسات وإطار مادي ومعنوي يسمي مصر‏,‏ تنحو إلي الاستقرار الذي يجري فيه التغيير مجري نهر النيل هادئا واثقا وبطيئا أحيانا ولكنه في النهاية يأخذ طريقه من المنبع إلي المصب‏.‏ وضمن هذا المنطق تدافعت قوارب كثيرة حاملة مذاهب متعددة نحو سفينة واحدة للوطن تشارك فيها وتجرب أيضا قدراتها علي الحشد والتعبئة والمنافسة في سباق علي سطح الدنيا بدلا من الغرق كما فعل آخرون في أعماق المحيطات حيث الحيتان وأسماك القرش‏.‏
ويبدو أن ذلك تحديدا هو ما جري في المفاجأتين الثانية والثالثة حيث أتت الظاهرة الإعلامية في عنفوان بالغ لم يكن أبدا في حسبان وتقدير أحد‏,‏ بل إن الدولة ذاتها لم يكن لديها من القواعد المؤسسية والقوانين المرعية ما يكفي للتعامل مع ظاهرة برز تنوعها وتعقيداتها كل يوم‏.‏ ويكفي أن نرصد ما جري من تطور لوسائل الإعلام المصرية لكي نعرف حجم ما كان علي الدولة كلها أن تتعامل معه‏,‏ وهي تعمل في ظل قاعدة سياسية داعية بقوة لحرية الرأي والتعبير‏;‏ وقواعد دستورية جازمة في انحيازها لحرية الإعلام‏,‏ حيث نصت المادة‏48‏ من الدستور المصري علي حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام وكفالتها‏,‏ وكذلك المادة‏49‏ أكدت أن تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي‏.‏
وما حدث هو أن حجم الإعلام المطبوع في مصر وصل إلي‏21‏ صحيفة يومية و‏523‏ مطبوعة ما بين مجلة وصحيفة أسبوعية ودورية‏.‏ وبالنسبة للإعلام المرئي‏,‏ ووفقا لتقرير حديث صدر في أغسطس‏2010,‏ فإن إجمالي عدد قنوات التليفزيون المصرية التي تبث عبر النايل سات هو‏54‏ قناة حتي يونيو‏2010‏ ويبلغ عدد القنوات ذات الملكية الخاصة‏31‏ قناة بما يمثل نحو‏57%‏ من إجمالي عدد قنوات التليفزيون المصرية‏.‏ وتتنوع هذه القنوات ما بين‏12‏ قناة عامة بنسبة‏38.7%‏ من إجمالي قنوات التليفزيون و‏19‏ قناة متخصصة بنسبة‏61.3%.‏ وذكر التقرير أن عدد القنوات التليفزيونية المصرية التي يتم بثها علي النايل سات ولها مواقع الكترونية علي شبكة الإنترنت بلغ‏39‏ قناة حتي يوليو‏2010,‏ بنسبة نحو‏72%‏ من إجمالي قنوات نايل سات المصرية‏,‏ وبلغ نصيب مواقع القنوات الرسمية نحو‏59%,‏ ومواقع القنوات ذات الملكية الخاصة‏41%.‏ كما تعد القنوات المصرية المتخصصة هي الأكثر اهتماما بإنشاء مواقع لها علي شبكة الإنترنت‏.‏ كما أضاف أن‏69.8%‏ من الأسر المصرية تمتلك أجهزة استقبال القنوات الفضائية حتي يناير‏2010‏ بعد أن كانت‏48.3%‏ في مايو‏2008‏ وقد بلغ عدد القنوات التليفزيونية التابعة لاتحاد الإذاعة والتليفزيون‏23‏ قناة تتنوع ما بين البث الأرضي والفضائي‏,‏ كما أن هناك‏540‏ قناة مصرية وغير مصرية تبث عبر أقمار النايل سات‏,‏ ومن بينها مائة قناة مشفرة‏,‏ وأكثر من‏400‏ قناة مفتوحة مجانية‏;‏ وهذا كله غير ما يتم بثه عبر أقمار صناعية أخري تصل بالعدد الإجمالي إلي ما يتجاوز‏700‏ قناة تليفزيونية‏.‏
وحتي يظهر حجم ما جري من تطور نجد في الماضي أن التليفزيون المصري استهل إرساله بقناة واحدة هي القناة الأولي في يوليو‏1960‏ بمتوسط إرسال يومي بلغ ما بين خمس وست ساعات تبدأ في السابعة مساء وتمتد إلي منتصف الليل‏,‏ ثم ارتفع معدل ساعات الإرسال ليصل إلي‏13‏ ساعة يوميا بعد بدء إرسال القناة الثانية في يوليو‏1961,‏ وظل التليفزيون بقناتيه طوال فترة الستينيات والسبعينيات حتي مطلع الثمانينيات‏,‏ حتي تم ازدياد ساعات البث بعد بروز القنوات الإقليمية التي تعني في المقام الأول بالمحافظات المصرية‏,‏ وذلك منذ بدء ظهورها في العام‏1985‏ حيث افتتحت القناة الثالثة التي كانت تغطي محافظات القاهرة الكبري‏,‏ وبعدها افتتحت القناة الرابعة الموجهة لإقليم السويس ثم الخامسة الموجهة للإسكندرية‏,‏ وكانت آخرها القناة الثامنة لتغطي أقصي الجنوب‏(‏ محافظتي الأقصر وأسوان‏),‏ حتي وصل عدد القنوات الإقليمية إلي ثماني قنوات‏.‏
والحقيقة أن التطور الإعلامي المصري‏,‏ والعربي أيضا‏,‏ لم يقتصر فقط علي ما حدث للصحافة المطبوعة‏,‏ أو الفضائيات التليفزيونية‏,‏ بل إنه امتد خاصة خلال العقد الأخير إلي وسائل إلكترونية متعددة‏:‏الوسائل الإعلامية التي احتوت علي مدونات ومحطات إذاعية وأفلام تسجيلية لا يتسع المجال لعرض أرقامها‏,‏ وامتدادها حتي الوصول إلي التليفون المحمول‏-‏ أكثر من‏60‏ مليون جهاز في مصر الآن وأخيرا ذلك الساحر الجديد الآي باد‏.‏ والنتيجة ولا شك كانت ملتبسة كما هي الحال في كل الظواهر التي تنمو بسرعة مخيفة ودون قدرة للمجتمع علي اللحاق بها وتنظيمها بحيث تبقي علي فضائلها ويزال ما فيها من خبيث القصد والمقصد‏.‏ فلا شك أن مثل هذا التطور قد أعاد المواطن المصري إلي وطنه الإعلامي بدلا من السباحة في إعلام دول عربية سبقتنا‏,‏ أو حتي دول أجنبية تعمدت أن يكون إنتاجها باللغة العربية حتي تؤثر فينا حسب أجندتها السياسية والإستراتيجية‏.‏ ولا شك أيضا أن الأمر كله لم يخل من إبداع مصري خاص سواء كان ذلك في الصحافة المطبوعة أو الفضائيات التليفزيونية‏,‏ أو المجالات الرقمية‏,‏ ولأول مرة منذ فترة طويلة جذبت برامج حوارية مصرية المواطن العربي بدلا من تلك التي كانت تجري في اتجاهات معاكسة علي شاشات عربية‏.‏ ولا شك ثالثا أن الأجندة المصرية وجدت لنفسها مكانا واسعا للمناقشة والحوار والبحث‏,‏ كما كان الإلحاح والصراخ أحيانا ضروريا لجذب الأنظار إلي قضايا مهمة لم تكن النخبة السياسية واعية بها أو تشعر بإلحاحها‏.‏ ولا شك رابعا أن كثيرا من التابوهات والقضايا الممنوعة‏,‏ والأبقار المقدسة‏,‏ وجدت طريقها أخيرا إلي دائرة الضوء بشجاعة وجرأة غير مسبوقة‏.‏
ولكن الظاهرة كان لها وجهها الآخر فسرعان ما أعطت الأضواء الساطعة لنجوم الإعلام الجدد أدوارا سياسية واقتصادية لم تكن أبدا جزءا من العمل الإعلامي‏,‏ بل إن جماعات من الصحفيين بدأوا يمارسون أدوارهم باعتبارهم جزءا من حزب سياسي‏;‏ وخلال أزمة صحيفة الدستور الأخيرة فإن جزءا من مطالب محرريها كان الحفاظ علي الاتجاه السياسي للصحيفة‏.‏ هنا توقف الصحفيون عن ممارسة مهنة الصحافة الأصلية القائمة علي كشف الحقيقة‏;‏ وأصبحت الحقائق واقعة في خدمة اتجاه سياسي بعينه فحلت الصحيفة فورا في وظيفتها مكان الحزب السياسي‏.‏ ولكن ما كان لا يقل خطورة في هذا التحول أن الطفرة الإعلامية خلقت حالة من المنافسة الشرسة علي الجمهور والمشاهدين والمستمعين ومن ثم بدأت الحقائق تخرج عن حجمها وملابساتها بل حتي القوانين والقواعد المنظمة لها‏.‏ ومما زاد الطين بلة كما يقال أن الوجود اليومي جعل هذه المزايدة ضرورية حتي يتفوق الكاتب أو المذيع علي نفسه حتي وصل به الأمر إلي الجلوس علي منصة القاضي يحكم في القضايا‏,‏ ويأخذ جانبا بحماس شديد فيما هو متنازع عليه‏,‏ وسرعان ما وجد بلطجية الرأي والمجتمع مساحات للتهديد والوعد والوعيد‏,‏ وحل الهامش في السياسة والاقتصاد والمجتمع مكان التيار الرئيسي في الدولة الذي وقف متعجبا لاهث الأنفاس وغاضبا وخائفا عندما وصل الأمر وبقسوة غير مبررة إلي قدس أقداس الوحدة الوطنية المصرية وبدأ استغلال أحداث طائفية بلا حساسية لواقع‏,‏ ولا اعتبار لتجارب كثيرة حولنا طالما حذرتنا من النار التي تحرق أوطانا من مستصغر الشرر‏.‏
وفي الظن أن ذلك كان هو القشة التي قصمت ظهر البعير‏,‏ فلا شك أن الدولة كما أشرنا كانت تعرف أن بالحديقة أعشابا ضارة‏,‏ أخذت شكل تجاوزات جلس فيها الإعلاميون في مقاعد الإفتاء‏,‏ وسرعان ما صار الدين لعبة يمتطيها من يشاء‏;‏ وبينما كان ذلك يسير في اتجاهات محافظة مغرقة في محافظتها‏,‏ كان رد الفعل بحكم قوانين للطبيعة لا يمكن مغالبتها مولدا لتيارات إباحية تخوض في حرمات وتهز أخلاقا‏.‏ وكأن كل ذلك لم يكن كافيا فكان هناك من لبس معاطف الأطباء وراح يصف علاجا بالقرآن مرة‏,‏ وبالأعشاب مرة أخري‏,‏ واختلط الحابل بالنابل إلي الدرجة التي وصلت فيها السوق الإعلامية إلي حالة مرهقة من الضنك والحيرة‏.‏ وبالنسبة للعقلاء في الأمة فقد أوقعهم الوعي بالظاهرة إلي الوقوع بين شقي الرحي‏:‏ هل يطلبون قيودا علي ما يجري فتكون القيود في يد السلطة تلابيب تطيح بما تم إنجازه علي مدي عقود من حرية الرأي والتعبير التي ينبغي العض عليها بالنواجذ؟ أو يسكتون لحماية الحرية فتكون النتيجة سقوط الوطن ضحية الفوضي والضرر أو تدخل الحكومة للقيام بهذا الواجب دون معرفة لسقوف هذا التدخل؟‏.‏
وكان ذلك هو ما حدث‏,‏ ففي شهر مايو الماضي‏,‏ أغلقت الشركة المصرية للأقمار الصناعية‏(‏ النايل سات‏)‏ المملوكة للدولة قناة الرحمة الدينية وكان السبب هو معاداتها السامية وازدراء اليهود‏,‏ وكذلك الحال بالنسبة لقناتي البركة والحكمة الإسلاميتين‏.‏ وفي مطلع الشهر الجاري‏,‏ أوقفت قناة البدر الدينية بعد استضافة القناة علماء دين أضافوا زيتا علي النار التي قامت بسبب تصريحات غير مسئولة بين مسلمين ومسيحيين‏,‏ الأمر الذي اعتبرته الشركة نوعا من مخالفة للشروط والضوابط‏.‏ كما أغلقت في‏12‏ أكتوبر الجاري أربع فضائيات دينية أيضا هي الناس وخليجية والحافظ و الصحة والجمال‏,‏ التابعة لشركة البراهين‏.‏ وكانت وجهة نظر إدارة المنطقة الحرة العامة الإعلامية التي تشرف علي مدينة الإنتاج الإعلامي أنها سبق أن أنذرت هذه القنوات ب بعض الضوابط العامة والمبادئ التي يتعين علي جميع القنوات الفضائية مراعاتها مستقبلا فيما تقدمه علي شاشاتها‏,‏ بهدف ضمان مزيد من الالتزام من جانب القنوات بميثاق الشرف الإعلامي ومبادئ العمل بالمنطقة‏.‏ وذكرت أن قرار الإيقاف سيظل ساريا لحين توفيق الشركة أوضاعها وقيامها بإزالة أسباب المخالفة‏.‏
وهكذا بدأ ميثاق الشرف الإعلامي في الظهور بعد غياب طال أكثر مما ينبغي‏,‏ وأصبح معلوما أنه سوف يكون المقياس الذي يتم الرجوع إليه عند مراجعة محتوي القنوات التليفزيونية التي تبث علي النايل سات‏,‏ لاسيما بعد بث بعض القنوات الفضائية مواد طائفية وإثارتها قضايا عقائدية أو ذات طبيعة دينية متشددة‏,‏ لا هدف منها إلا إشعال الخلاف بين أطراف الوطن الواحد‏.‏ فضلا عن ذلك‏,‏ تم إيقاف حزمة من القنوات تبث مواد إعلامية يغلب عليها الآراء المتطرفة ونشر الغيبيات والخرافات والدعوة لأعمال السحر والشعوذة‏.‏ ولأن الوقائع مع الظواهر لا تأتي أبدا فرادي‏,‏ فقد واكب كل ما سبق وقائع أخري أدت إلي إيقاف قناة أوربت نظرا لمماطلتها في دفع المستحقات المالية المتراكمة عليها‏.‏ كما جري إنذار قناتين أخريين بالمصير ذاته‏,‏ وهما قناة أون تي في التي قامت من جانبها بإلغاء برنامج بلدنا بالمصري‏,‏ وقناة الفراعين لأنهما قامتا بمخالفة شروط الترخيص الصادر لهما‏.‏ وبعيدا عن كل ذلك من الناحية الإجرائية‏,‏ وقريبا منه من الناحية الموضوعية‏,‏ جري انفجار صحيفة الدستور بعد أن تبادلها عدد من الملاك الذين تصرفوا فيها وفق أحوال الصحف الخاصة‏,‏ بينما كان محرروها لا يزالون يعملون وفق قاعدة الحزب السياسي الذي لا يجوز التدخل في شئونه‏.‏
وبالطبع فإن كل قصة من هذه القصص كان فيها ووراءها الكثير من التعقيدات‏,‏ وكان طبيعيا أن ينقسم الرأي بشأنها إلي اتجاه حكومي يري ضرورة التدخل لتنظيم العمل الإعلامي وتطبيق ميثاق الشرف الإعلامي أيضا‏,‏ والأهم من ذلك حماية مصالح قومية عليا‏.‏ وبينما يري اتجاه معارض أن ما جري يمثل الضربة القاصمة لحرية الرأي والتعبير وزوال الهامش الديمقراطي وذلك من أجل تمهيد الطريق للعبث بالانتخابات العامة حتي تمرير سيناريو التوريث وهكذا اكتملت حلقة المفاجآت الثلاث حيث كان الأمر كله وضعا لمسيرة الإعلام في نفس مسار مسيرة الانتخابات التي لا تصح ما لم يكن هناك إعلام محايد وموضوعي ويقوم بمهمته في الكشف عن الحقائق وليس الحكم فيها‏.‏ ولكن السؤال الملح الباقي هل يمكن للحكومة أن تقوم بهذه المهمة وهي التي لها حزب يعد طرفا من أطراف المنافسة الجارية سواء في الانتخابات أو في الإعلام؟ وهل يمكن أن يكون ما جري عمله من قبل وزارة الإعلام الآن لأسباب موضوعية أثارت مخاوف الوطن كله طريقا إلي تجاوزات لصالح طرف واحد من أطراف اللعبة السياسية؟
كل هذه الأسئلة مشروعة‏,‏ وجرت الإجابة عنها من قبل دول أخري حيث جري إنشاء مؤسسات أو هيئات التنظيم الذاتي لصناعة الإعلام‏,‏ التي تعد جهات مستقلة عن سياسات الحكومات أو توجهات جماعات المصالح أو هيمنة رأس المال الخاص‏,‏ علي نحو ما خبرته دول عديدة‏,‏ سواء في دول العالم المتقدم أو حتي النامي‏.‏ ومن أبرز هذه المؤسسات الهيئة الفيدرالية لتنظيم الاتصالات والإدارة القومية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وهيئة تنظيم البريد في الولايات المتحدة وهيئة الاتصالات والإذاعة والتليفزيون الكندية ووزارة الاتصالات الروسية وسلطة تنظيم الاتصالات الفرنسية ومكتب تنظيم الاتصالات البريطانية وسلطة تنظيم الاتصالات الفنلندية وسلطة الاتصالات النمساوية ووزارة البريد والاتصالات اليابانية وهيئة الاتصالات الأرجنتينية وسلطة الاتصالات والإعلام الإسترالية وهيئة تنظيم الاتصالات في إيطاليا والهيئة الوطنية لتنظيم الاتصالات في البرتغال‏.‏ كما خبرته دول أفريقية مثل هيئة تنظيم الاتصالات في جنوب أفريقيا وهيئة تنظيم الاتصالات النيجيرية والهيئة الوطنية لتنظيم الاتصالات في غانا‏.‏ والمهمة الأساسية التي توكل إلي تلك الهيئات هي متابعة الأداء الإعلامي والالتزام بالأطر التنظيمية التي تلائم البناء القيمي والتنوع الثقافي لهذا المجتمع أو ذاك‏,‏ وإجراء التقييم الموضوعي لبعض البرامج أو المقالات المثيرة للجدل‏,‏ لاسيما حينما تصلها شكاوي من مواطنيها‏,‏ بحيث إن الانحراف عن المسار يعرض الصحيفة للإغلاق والقناة التليفزيونية إلي التوقف عن البث بشكل دائم أو مؤقت‏.‏
وفي مصر هل يمكن تطوير المجلس الأعلي للصحافة بحيث يكون مجلسا أعلي للإعلام‏,‏ وتكون له صلاحيات مستقلة‏,‏ وميزانية مستقلة أيضا‏,‏ للقيام بهذه المهمة‏;‏ بحيث لا تنتهي مهامه فقط عند إصدار التقارير والقيام بالإدانات الأدبية وإنما يكون لديه ما لدي ما سبق من مؤسسات في دول أخري من صلاحيات‏.‏ تعالوا‏,‏ ولو لمرة واحدة‏,‏ لا نعيد اختراع العجلة من جديد‏,‏ لأنه جري اختراعها منذ وقت طويل‏,‏ وساعتها سوف يهدأ البال علي حرية الإعلام والتعبير والرأي‏,‏ وعلي سلامة الوطن أيضا‏.‏
[email protected]
المزيد من مقالات د.عبد المنعم سعيد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.