نقابة المهندسين بالجيزة تحتفل بتفوق أبناء أعضائها وتؤكد مواصلة دعم مسيرة العلم والتميز    وزير الخارجية: «رؤية 2063» إطار متكامل لتحقيق الأمن المائي الأفريقي    أسعار الذهب في مصر اليوم الاثنين 16 فبراير 2026    وزير الخارجية يبحث مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي قضايا القارة بقمة أديس أبابا    موجه حاره مؤقته... حالة الطقس ودرجات الحراره اليوم الإثنين 16فبراير 2026 فى المنيا    تراجع أسعار النفط قبيل المحادثات النووية الأمريكية الإيرانية    المحافظين الجدد يؤدون اليمين خلال ساعات، تفاصيل أكبر حركة في 2026    مواعيد مباريات اليوم في الدوري المصري الممتاز والقناة الناقلة    التضامن الاجتماعي: ميزانية تكافل وكرامة زادت 11 ضعفا لتصل إلى 54 مليار جنيه    متحدث الصحة: الدعم بالحزمة الاجتماعية الجديدة يؤكد أولوية الصحة لدى القيادة السياسية    جيش الاحتلال يعلن اغتيال عنصر في "حزب الله" (فيديو)    الذهب يهبط في المعاملات الفورية بأكثر من 1% ليسجل 4,994 دولار للأونصة    نقيب الفلاحين: 4 مليارات جنيه إضافية لدعم القمح تعزز الإنتاج وتخفف الأعباء    اليوم..نظر محاكمة 25 متهمًا ب"خلية أكتوبر الإرهابية"    متحدث الكهرباء يطمئن المواطنين: لن تكون هناك انقطاعات في صيف 2026    إندونيسيا تهدد بالانسحاب من المهمة الدولية في غزة    كوريا الشمالية تفتتح حيا سكنيا جديدا لعائلات قتلى حرب أوكرانيا    زواج الممثلة مايا هوك بحضور نجوم مسلسل Stranger Things (صور)    تعرف على تفاصيل أغنية وزير الحنية ل ياسر جلال    منذر رياحنة يفتح دفاتر الألم في «أعوام الظلام»... رسالة وفاء إلى بدر المطيري تتحول لصرخة درامية في رمضان    من كواليس الظلام إلى شباك التذاكر.. «The Housemaid» يفرض سطوته النفسية ويحوّل الخادمة إلى بطلة لكابوس سينمائي مرعب    أول قرار ضد مندوب مبيعات بتهمة الاعتداء على والد خطيبته السابقة    أحمد هيكل: عبد الناصر أخطأ لكن حبه في قلوب المصريين كبير.. والمجتمع الإسرائيلي غير جاهز للسلام    "هدنة الطاقة" على طاولة المفاوضات الأوكرانية في جنيف    عراقجى يصل إلى جنيف لبدء الجولة الثانية من المفاوضات النووية    "تلغراف": وزير الدفاع البريطاني مرشح محتمل لخلافة ستارمر    وزير التعليم العالي ومدير مكتبة الإسكندرية يسلمان «جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية»    د.حماد عبدالله يكتب: " الأصدقاء " نعمة الله !!    إصابة 3 أشخاص نتيجة انقلاب سيارة في قرية الخربة بشمال سيناء    اكتشاف إصابتين بجدري القردة في روسيا    لاعب كرة يتهم ناديًا بالبحيرة بتدمير مستقبله: إيدي اتكسرت في التمرين وفسخوا عقدي    أبو مسلم: الأهلي مع توروب بلا شكل.. والفريق يفتقد للمهاجم الحاسم    داليا عثمان تكتب: خلف الأبواب المغلقة: ماذا كشفت لنا قطة السيدة نفيسة؟    إسرائيل والضفة الغربية.. لماذا الآن؟    أدعية الفجر.. كنوز من القرآن والسنة لبداية يوم مبارك    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 16 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    مالين: جاسبريني لعب دورا كبيرا في اختياري للانضمام لروما    شوبير: لعبنا مباراة رائعة ضد الجيش الملكي رغم التعادل    الصحة تكشف السبب وراء العطس المتكرر صباحا    المكتبة المتنقلة تشارك بفعاليات متنوعة لدعم ذوي الهمم بكفر الدوار    جاريدو: حسام غالى لم يتدخل فى قراراتى الفنية وأزماته مع وائل جمعة بسبب قوة شخصيته    بصفتها الشريك الرسمي لسلسلة التوريد في "مليون باوند منيو 2".. "كايرو ثرى إيه" ترسم ملامح جديدة لمستقبل قطاع الأغذية في مصر    إخلاء سبيل المتهمين في واقعة أجنة المنيا بضمان محل الإقامة وعلى ذمة التحقيقات    سقوط عصابة الأحداث المتورطين في ترهيب قائدي السيارات بالعطارين    الجنح المستأنفة تعيد محاكمة متهم في قضية مسن السويس    بشير التابعى: عدى الدباغ أقل من قيمة الزمالك    بعد إحالتهم للمحاكمة.. النيابة توجه 7 اتهامات للمتورطين في واقعة إهانة الشاب إسلام ببنها    محافظ الدقهلية يفتتح ملاعب ومنشآت جديدة بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    أحمد هيكل: لا حل لأزمة الدين دون نمو بنسبة 8% ل 15 عاما على الأقل    رئيس الوزراء: دراسة مالية شاملة لضمان استدامة التأمين الصحي الشامل وتوسيع نطاق الخدمات للمواطنين    مدير مركز الإرشاد الزواجي بالإفتاء: الخرس الزوجي والانشغال بالأجهزة الحديثة يهددان استقرار الأسرة    أبرز محاور مداخلة نقيب الصحفيين في اجتماع لجنة إعلام مجلس الشيوخ    وزير المجالس النيابية: الحكومة تؤمن بالمصارحة والالتزام بالحقيقة لتحقيق الصالح العام    استقبالًا لشهر رمضان المبارك... الأوقاف تجدد الحملة الموسعة لنظافة المساجد الثلاثاء المقبل    قرار جمهورى بتعيين أكرم الجوهرى رئيسًا لجهاز الإحصاء وتوفيق قنديل نائبًا    محمود مسلم: الصحفي ليس على رأسه ريشة لكن القلم أو الكاميرا على رأسها ريشة وتكشف التجاوزات    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 15فبراير 2026 فى المنيا....اعرف مواقيت صلاتك بدقه    معركة الصدارة تشتعل في القاهرة.. الأهلي يواجه الجيش الملكي في ليلة حسم مصير المجموعة بدوري أبطال إفريقيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من أسرار القرآن
‏(‏ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏)‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 22 - 05 - 2010

هذا النص القرآني الكريم جاء في أوائل الثلث الثاني من سورة لقمان‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها أربع وثلاثون‏(34)‏ بعد البسملة‏.‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي العبد الصالح المعروف باسم لقمان الحكيم أو الحكيم لقمان‏. وهو شخصية لا يعرف المؤرخون شيئا عنها‏,‏ وإن اعترفوا من وصف القرآن الكريم له في هذه السورة التي سميت باسمه بأنه كان من مؤمني زمانه‏,‏ لدعوته إلي التوحيد الخالص لله تعالي وإلي الالتزام بمكارم الأخلاق‏,‏ وأنه كان معروفا بالحكمة‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة لقمان حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ والضوابط الأخلاقية والسلوكيات المميزة للعبد المؤمن‏,‏ وحول تأكيد جزاء المحسنين الملتزمين بأوامر الله تعالي وهم الناجحون في الدنيا‏,‏ والناجون في الآخرة‏,‏ كما سجلت جزاء الخارجين عن أوامر الله وهدايته‏,‏ وهم الضائعون في الدنيا‏,‏ والهالكون في الآخرة‏.‏ واستشهدت السورة في هذا السياق بعدد من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ والشاهدة للخالق سبحانه وتعالي بالألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والخالقية‏,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ والمؤكدة علي حتمية الأخرة وما فيها من البعث‏,‏ والحشر‏,‏ والحساب‏,‏ والجزاء‏.‏ وختمت سورة قمان بالإشارة إلي عدد من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة لقمان وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ ومكارم الأخلاق‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي لمحة الإعجاز الإنبائي والتاريخي في إشارة القرآن الكريم إلي شخص لا يعرف المؤرخون شيئا عنه وهو لقمان الحكيم‏,‏ وإن كان قد شاع ذكره في التراث العربي القديم‏.‏
من أوجه الإعجاز الانبائي والتاريخي
في ذكر القرآن الكريم للعبد الصالح لقمان الحكيم
سمي ربنا تبارك وتعالي إحدي سور كتابه الكريم باسم سورة لقمان‏,‏ وهي السورة الحادية والثلاثون في ترتيب سور المصحف الشريف‏,‏ وفي ست آيات من آيات هذه السورة الكريمة جاء ذكر لقمان في موضعين علي النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم‏(‏ لقمان‏14,13).‏
وبعد آيات قليلة من هذه السورة المباركة يقول ربنا تبارك وتعالي علي لسان لقمان لابنه‏:‏
‏(2)‏ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر علي ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏(‏ لقمان‏:16‏ 19).‏
وكطبيعة القرآن الكريم وهو في الأصل كتاب هداية فإنه في عرض سيرة نبي من الأنبياء أو صالح من الصالحين أو طالح من الطالحين من بني آدم‏,‏ أو في استعراضه لقصة أمة من الأمم الغابرة فإنه يركز علي الدروس والعبر المستقاة من كل موقف من تلك المواقف‏,‏ ولا يشغل قارئ القرآن بالتفاصيل التي لا تفيد من مثل ذكر نسب كل من الأشخاص‏,‏ أو أسماء الأماكن التي عاش فيها‏,‏ أو التواريخ التي مر بها‏,‏ لأن هذا كله خارج عن رسالة هذا الكتاب العزيز‏,‏ والتي تتلخص في الهداية الربانية للخلق المكلفين‏.‏
وتقرر الآيات في سورة لقمان أن هذا الشخص الذي سميت باسمه هذه السورة الكريمة كان عبدا صالحا من عباد الله‏,‏ آتاه الله الحكمة‏,‏ والحكمة هي إصابة الحق بالعلم والعقل‏,‏ والحكمة إذ نسبت إلي الله تعالي كان من معانيها إيجاد الأشياء من العدم علي غاية من الإتقان والإحكام‏,‏ وإحاطة علم الله بكل شيء إحاطة تامة وكاملة‏.‏ والحكمة إذا نسبت إلي الإنسان كان من معانيها عمق الإيمان بالله الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد الذي‏(‏ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏)‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وعدم إشراك أحد في عبادته‏,‏ وشمول المعرفة‏,‏ والالتزام بمكارم الأخلاق‏,‏ والحرص علي حسن العلاقة مع خلق الله‏,‏ والإكثار من فعل الخيرات‏,‏ وهكذا كان لقمان‏,‏ لأن هذا هو الوصف الذي وصف به القرآن العبد الصالح لقمان في قول ربنا تبارك وتعالي‏:‏ (‏ ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏).(‏ لقمان‏:12).‏
ومن سمات هذه الحكمة البشرية أن يدرك العبد منا أن له خالقا عظيما خلقه من طين‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وزوده بكل الأجهزة اللازمة لحياته‏,‏ وهيأ له الأرض والسماوات من حوله‏,‏ وسخرها له‏,‏ وخلق له جميع المخلوقات اللازمة لحياته من مختلف صور المادة والطاقة‏,‏ ومن مختلف أشكال النبات والحيوان‏,‏ وجعله سيد تلك المخلوقات جميعا‏,‏ وفضله علي كثير ممن خلق تفضيلا‏,‏ ومن هنا كان من أوجب الواجبات علي الإنسان ذلك المخلوق العاقل المكلف أن يكون شاكرا لربه‏,‏ خالقه ورازقه‏,‏ وهو رب هذا الكون ومليكه‏,‏ الذي لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه ولا شبيه له من خلقه‏,‏ ومن هنا كان لزاما علي جميع المخلوقين أن يخضعوا لهذا الإله الواحد الأحد بالعبادة‏,‏ والطاعة والشكر‏,‏ وذلك لأن من أول مفاهيم الحكمة أن يكون من أوتيها من الخلق المكلف‏,‏ شاكرا لأنعم الله‏.‏ فبالشكر تدوم النعم‏,‏ وبالجحود والنكران يتحتم زوالها‏.‏ وشكر العبد لله تعالي خيره مردود علي الشاكرين‏,‏ لأن الله سبحانه وتعالي غني بذاته عن جميع خلقه‏,‏ وهو محمود بذاته وإن لم يحمده أحد من خلقه المكلف‏,‏ وذلك لأن جميع خلقه غير المكلف لا يفتر عن ذكره ولا عن تسبيحه وحمده وشكره ولذلك قال تعالي في محكم كتابه‏(‏ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا‏)(‏ الإسراء‏:44).‏
من هنا فإن العبد المكلف إن لم يشكر الله علي نعمه العديدة كان هو الخاسر الحقيقي ولذلك‏.‏
ختمت الآية الكريمة بقول ربنا تبارك وتعالي ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏)(‏ لقمان‏:12).‏
وهذا هو أول الدروس المستفادة من استعراض القرآن الكريم لقصة لقمان الحيكم
والدرس الثاني‏:‏ المستفاد من سيرة لقمان الحكيم هو ضرورة التوحيد الكامل لله الخالق سبحانه وتعالي ولذلك جاءت الآية التالية مباشرة بقول الحق جل جلاله‏:(‏ وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لاتشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم‏)(‏ لقمان‏:13)‏
والتوحيد الكامل لله الخالق‏,‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله هو ركن العقيدة الإسلامية وركيزة الإيمان بالله تعالي ولذلك حرم ربنا تبارك وتعالي وقوع عبد من عباده المكلفين في الشرك تحريما قاطعا‏,‏ وحذر من المخاطر الوخيمة لذلك في مواضع كثيرة من محكم كتابه منها قوله تعالي‏:‏
‏(1)(‏ إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افتري إثماء عظيما‏)(‏ النساء‏:48).‏
وفي الحديث القدسي يقول الحق تبارك وتعالي‏:...‏ وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم‏,‏ وانتابتهم الشياطين‏,‏ فاجتالتهم عن دينهم‏,‏ وحرمت عليهم ما أحللت لهم‏..(‏ المعجم الكبير للطبراني‏/992).‏
ويروي لنا ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال‏:‏ كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم علي شريعة الحق‏(‏ أخرجه الحاكم في المستدرك‏),‏ ويفسر ابن عباس هذا الحديث بقوله‏:‏ إن رجالا صالحين من قوم نوح هلكوا فوسوس الشيطان الي قومهم أن انصبوا الي مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد‏,‏ حتي إذا هلك أولئك‏,‏ وتنسخ العلم عبدت‏(‏ صحيح البخاري‏).‏
ثم جاء الدرس الثالث المستفاد من مواعظ لقمان لابنه مؤكدا إحاطة علم الله بكل شيء‏,‏ ومراقبته لعباده مراقبة كاملة وذلك في قوله تعالي علي لسان لقمان لابنه‏:‏
‏(‏يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير‏)(‏ لقمان‏:16)‏
بمعني أن أعمال الناس من الحسنات أو السيئات مهما تضاءلت في الصغر‏,‏ أو تعاظمت في الاختفاء في أي مكان من السماوات أو الأرض فإن الله تعالي قادر علي إظهارها والمحاسبة عليها لأنه تعالي لايخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء‏,‏ وذلك أيضا من ركائز العقيدة الإسلامية‏.‏
ويأتي الدرس الرابع من الدروس المستفادة من وصية لقمان لابنه مؤكد علي إقامة الصلاة‏(‏ وهي عماد الدين‏),‏ وعلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ وعلي ضرورة الصبر في الشدائد وأن تنعكس العبادة علي السلوك والمعاملات وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالي علي لسان لقمان لابنه‏:(‏ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر علي ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور‏)(‏ لقمان‏:17).‏
فالهدف من العبادة هو استقامة السلوك‏,‏ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ والصبر علي مايصيب الداعية الي الله من معارضة كل من أصحاب النفوس المريضة‏,‏ والقلوب الغلف المجللة بالسواد‏,‏ وأصحاب الإرادة المنحرفة المصممة علي محاربة الحق وأهله‏,‏ وعلي التعاون مع الشيطان وجنده‏,‏ ولايقوي علي مقاومة كل ذلك إلا أصحاب العزائم الذين فهموا الدين فهما صحيحا وباعوا أنفسهم لرب العالمين‏.‏
ويأتي الدرس الخامس من وصايا لقمان لابنه في النهي عن التعالي علي الخلق أو التطاول عليهم وعن المشي علي الأرض في شيء من الخيلاء والزهو‏,‏ وفي شيء من البطر والكبر‏,‏ لأن الله تعالي لايحب كل مختار فخور‏(‏ أي كل من تكبر يختال في مشيته تطاولا علي الخلق‏),‏ ولذلك جاء القرآن الكريم بهذه الوصية علي لسان لقمان لابنه التي يقول فيها‏:(‏ ولاتصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور‏,‏ واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏)(‏ لقمان‏19,18)‏
ومن معاني‏(‏ ولا تصعر خدك للناس‏)‏ أي‏:‏ لاتمل صفحة وجهك عن الناس‏,‏ ولاتعرض عنهم كما يفعل المتكبرون‏.‏ يقال في اللغة‏:(‏ صعر‏)‏ خده و‏(‏صاعره‏)‏ أي أماله عن النظر الي الناس استهانة بهم وتكبرا عليهم‏.(‏ والصعر‏)‏ في الأصل داء يصيب البعير فيلوي منه عنقه‏,‏ ولذلك كني به عن التكبر والاستعلاء علي الناس واحتقارهم‏.‏
وبعد النهي عن هذه الخصال السيئة التي لايرضاها الله تعالي من عباده‏,‏ يأتي الأمر بالمشي في الأرض باعتدال وقصد‏,‏ أي في شيء من التوسط بين الإسراع والبطء‏.(‏ من القصد وهو الاقتصاد والعدل‏),‏ كما يأتي الأمر بعدم رفع الصوت فوق الحاجة‏,‏ وهو من أدب الحديث‏,‏ ومن معالم ثقة المتحدث بنفسه‏,‏ واطمئنانه الي صدق حديثة‏,‏ والقرآن الكريم يقبح ارتفاع الصوت بغير ضرورة وذلك بتعبير‏(‏ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏)‏ و‏(‏ الغض‏)‏ من الصوت هو خفضه الي مستوي الحاجة‏,‏ وكفه عن إيذاء مسامع الآخرين‏,‏ وهو من مكارم الأخلاق‏,‏ ونقيض ذلك رفع الصوت الي أعلي نبراته بغير حاجة الي ذلك وهو من الأمور القبيحة المذمومة مما جعل القرآن الكريم يشبهها بنهيق الحمير لما فيه من العلو المفرط بين الشهيق والزفير‏,‏ وذلك من الفزع الذي ينتابها عند رؤية الشياطين‏,‏ وذلك لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم :(‏ إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا‏,‏ وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنه رأي شيطانا‏)(‏ أخرجه من أئمة الحديث كل من البخاري ومسلم والترمذي‏).‏
ومن المعروف علميا أن أقل تردد للصوت يمكن لأذن الإنسان أن تسمعه هو‏(20)‏ هيرتز‏,‏ وأن الحديث العادي يتراوح تردده بين‏(60,50)‏ هيرتز‏,‏ وأن أعلي تردد تسمعه أذن الإنسان دون إزعاج هو‏(70)‏ هيرتز‏,‏ وحول تردد‏(120)‏ هيرتز تبدأ إذن الإنسان في الشعور بالآلام المبرحة‏,‏ وإذا تجاوز التردد‏(160)‏ هيرتز يمكن أن تتمزق طبلة أذن الإنسان بالكامل‏,‏ وإذا علمنا أن تردد نهيق الحمار يصل الي‏(350)‏ هيرتز أدركنا كم هو مؤلم لأذن الإنسان‏,‏ وأدركنا ومضة الإعجاز العلمي في هذا التشبيه‏.‏
وباستعراض هذه الدروس الخمسة من وصايا لقمان لابنه يتضح لنا منهج القرآن الكريم في استعراض سير عدد من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وعدد من عباد الله الصالحين أو الطالحين‏,‏ وفي استعراض عدد من أمم الأولين‏,‏ فالهدف من كل ذلك هو استخلاص الدروس والعبر من تجارب إنسانية مرت ببني البشر‏,‏ ولايهم هنا تفاصيل الأسماء والأماكن والأزمنة إلا إذا استلزم الأمر ذلك‏.‏
أما لقمان الحكيم الذي سميت باسمه إحدي سور القرآن الكريم‏,‏ فكان قد أوتي الحكمة حتي اشتهر بها بين العرب‏.‏ ولذلك ذكر ابن هشام أن سويد بن الصامت قدم مكة المكرمة‏,‏ وكان كبير في قومه‏,‏ فدعاه رسول الله صلي الله عليه وسلم الي الإسلام‏,‏ فقال سويد‏:‏ فلعل الذي معك مثل الذي معي‏.‏ فقال له الرسول‏:‏ وما الذي معك؟ قال‏:‏ مجلة لقمان فقال الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏:‏ إعرضها علي‏,‏ فعرضها عليه‏,‏ فقال‏:‏ إن هذا الكلام حسن‏,‏ والذي معي أفضل منه‏,‏ قرآن أنزله الله علي هدي ونور‏,‏ وتلي عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم شيئا من القرآن‏,‏ ودعاه الي الاسلام‏.‏
ولما لم يكن قد جاء ذكر للقمان في كتب الإولين‏,‏ فإن ذكره في القرآن الكريم‏,‏ وذكر وصاياه لابنه يعتبر وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في كتاب الله يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ كما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته الي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

المزيد من مقالات د. زغلول النجار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.