رئيس القابضة للمياه ومحافظ القاهرة يتابعان تنفيذ خط 1400 بزهراء المعادي لتعزيز كفاءة الشبكات    النائب عادل زيدان يكتب:الإنتاج علاج الاقتصاد من الأزمات    روبيو يحث العالم على منع إيران من تقاضي الأموال مقابل عبور مضيق هرمز    السفير خالد عمارة: الثورة الإيرانية 1979 واجهت إجهاضًا مبكرًا وتدخلًا دوليًا    المباراة الدولية الأولي لهيثم حسن مع منتخب مصر    التحفظ على هاتف نجل أحمد حسام ميدو بعد ضبطه وبحوزته مواد مخدرة    أخبار كفر الشيخ اليوم.. عودة حركة الملاحة بعد تحسن الأحوال الجوية    سردية للسينما الأفريقية فى الأقصر    4574 عملية في 6 سنوات، وكيل صحة الدقهلية يشيد بتطور الأداء الجراحي بمستشفى المطرية    طريقة عمل سلطة الباذنجان باللبنة، من الأطباق الخفيفة وسريعة التحضير    وزير العمل من جنيف.. لقاءات تتماشى مع توجيهات الرئيس السيسي و"برنامج الحكومة"    الذهب يقفز 75 جنيها خلال تعاملات اليوم.. وعيار 21 يسجل 6850 جنيها    محافظ القاهرة يتفقد أعمال توصيل خط مياه جديد في زهراء المعادى    «أهلي 2011» يفوز على البنك الأهلي برباعية في بطولة الجمهورية    النصر يحسم الجدل حول انسحابه من دوري أبطال آسيا    أحمد الخطيب يكتب: إذاعة القرآن الكريم.. صوت الإسلام الرسمى    الوفد ينظم ندوة تعريفية لدور شركات القطاع العام فى نمو الإقتصاد المصرى    وزير الخارجية الإيراني يجري محادثات هاتفية مع نظيره الروسي    سرقة داخل معسكر غانا في فيينا قبل وديتي النمسا وألمانيا    فرص عمل متاحة عبر بوابة الوظائف الحكومية.. طبية وإدارية وقيادية بالمحافظات | تفاصيل    مجدي حجازي يكتب: «مَفَاتِحُ الْغَيْبِ»    حسام موافي: صلاة الاستخارة مفتاح الطمأنينة.. وما لم يُكتب لك قد يكون حماية من الله    نصر النوبة في بؤرة الاهتمام.. محافظ أسوان يقود التنمية من الميدان    إصابة 7 بإختناق في حريق منزل بنجع حمادي والسيطرة على النيران قبل انتشارها    الجيش الإسرائيلي يعلن بدء موجة واسعة من الضربات داخل إيران    كتاب تحت سطح العالم.. ستون يوما فى أستراليا: حكايات عن البشر والحجر والشجر    5 أكلات تساعد في هضم الطعام سريعا    الصحة: حملة رمضان فرصتك للتغيير تصل ل64.4 ألف مواطن في مختلف محافظات مصر    أبرزهم مانشستر يونايتد وليفربول.. تعديلات في جدول مباريات الدوري الإنجليزي    الأزهر يوضح علامات قبول الصيام وطريق الطاعة المستمرة    مقتل 10 بهجوم استهدف مبنى سكنيا جنوب العاصمة طهران    المخرج سعد هنداوي ل"البوابة نيوز": شاركت في تطوير معالجة "اللون الأزرق" منذ اللحظة الأولى وجومانا مراد الشريك الأول في رحلة تنفيذ هذا المشروع وأصريت على وجود مختصين لضمان دقة تناول قضية التوحد    وزارة الزراعة: تحصين وتعقيم أكثر من 20 ألف كلب ضال منذ مطلع 2026    غدا.. عرض ومناقشة فيلم Hidden Figures بمكتبة مصر الجديدة    التضامن: دعم 37 ألف طالب في سداد المصروفات الدراسية بقيمة 55 مليون جنيه    أنشيلوتي يتجاهل التعليق على هتافات الجمهور بشأن نيمار    استئناف حركة الصيد بعد تحسن الأحوال الجوية في البحيرة    اليوم.. "القومي للمسرح" يحتفل باليوم العالمي للمسرح ويكرم خالد جلال    9 أشخاص.. أسماء المصابين في انقلاب ميكروباص بقنا    ضبط 160 كجم أسماك غير صالحة للاستهلاك الآدمي بالمنوفية    ضبط شخص غسل 10 ملايين جنيه من نشاط غير مشروع    من حق الرئيس ومن حق الشعب المصري    محافظ أسيوط: رفع كفاءة منظومة الإنارة بقرية منقباد    "عراقجي": الشعب الإيراني مسالم.. والعدوان الأمريكي الإسرائيلي طال مستشفيات ومدارس ومصافي مياه    وصلت ل 65 جنيها، مزارعو المنيا يكشفون أسباب أزمة الطماطم وموعد تراجع الأسعار    مساعد وزير الصحة يتفقد 4 مستشفيات جديدة في القاهرة والجيزة والقليوبية لتسريع دخولها الخدمة    تعرف على مواجهات الجولة الرابعة من الدور النهائي لدوري السوبر الممتاز لآنسات الطائرة    رئيس مجلس القضاء العراقي: انفراد فصائل مسلحة بإعلان الحرب خرق للدستور    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حبنا لآل البيت من الإيمان 00!؟    صاحب الفضيلة الشيخ سعد الفقى يكتب عن : الدكتور / السيد عبد الباري الذي اعرفه؟    عملية نوعية لحزب الله على آليات وجنود جيش الاحتلال تحقق إصابات مباشرة    بيان رسمي من الرقابة على المصنفات الفنية بعد عودة عرض فيلم سفاح التجمع    التشكيل المتوقع للفراعنة أمام السعودية وظهور أول لهيثم حسن    إياد نصار: ترجمة «صحاب الأرض» أولى خطوات العالمية.. والمسلسل انتصر للإنسان الفلسطيني    برلماني: قضية الماجستير والدكتوراه أمن قومي وليست مجرد أزمة توظيف    نائبة العدل نيفين فارس تتقدم باقتراحين برغبة لتعزيز القوة الناعمة وتفعيل دور «القومي للبحوث»    الرئيس الأمريكي يستقبل الجالية اليونانية في البيت الأبيض احتفالًا بذكرى استقلال اليونان    حبس 4 أشخاص لاتهامهم بالاتجار في المواد المخدرة بأكتوبر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من أسرار القرآن
‏(‏ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏)‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 22 - 05 - 2010

هذا النص القرآني الكريم جاء في أوائل الثلث الثاني من سورة لقمان‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها أربع وثلاثون‏(34)‏ بعد البسملة‏.‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي العبد الصالح المعروف باسم لقمان الحكيم أو الحكيم لقمان‏. وهو شخصية لا يعرف المؤرخون شيئا عنها‏,‏ وإن اعترفوا من وصف القرآن الكريم له في هذه السورة التي سميت باسمه بأنه كان من مؤمني زمانه‏,‏ لدعوته إلي التوحيد الخالص لله تعالي وإلي الالتزام بمكارم الأخلاق‏,‏ وأنه كان معروفا بالحكمة‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة لقمان حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ والضوابط الأخلاقية والسلوكيات المميزة للعبد المؤمن‏,‏ وحول تأكيد جزاء المحسنين الملتزمين بأوامر الله تعالي وهم الناجحون في الدنيا‏,‏ والناجون في الآخرة‏,‏ كما سجلت جزاء الخارجين عن أوامر الله وهدايته‏,‏ وهم الضائعون في الدنيا‏,‏ والهالكون في الآخرة‏.‏ واستشهدت السورة في هذا السياق بعدد من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ والشاهدة للخالق سبحانه وتعالي بالألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والخالقية‏,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ والمؤكدة علي حتمية الأخرة وما فيها من البعث‏,‏ والحشر‏,‏ والحساب‏,‏ والجزاء‏.‏ وختمت سورة قمان بالإشارة إلي عدد من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة لقمان وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ ومكارم الأخلاق‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي لمحة الإعجاز الإنبائي والتاريخي في إشارة القرآن الكريم إلي شخص لا يعرف المؤرخون شيئا عنه وهو لقمان الحكيم‏,‏ وإن كان قد شاع ذكره في التراث العربي القديم‏.‏
من أوجه الإعجاز الانبائي والتاريخي
في ذكر القرآن الكريم للعبد الصالح لقمان الحكيم
سمي ربنا تبارك وتعالي إحدي سور كتابه الكريم باسم سورة لقمان‏,‏ وهي السورة الحادية والثلاثون في ترتيب سور المصحف الشريف‏,‏ وفي ست آيات من آيات هذه السورة الكريمة جاء ذكر لقمان في موضعين علي النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم‏(‏ لقمان‏14,13).‏
وبعد آيات قليلة من هذه السورة المباركة يقول ربنا تبارك وتعالي علي لسان لقمان لابنه‏:‏
‏(2)‏ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر علي ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏(‏ لقمان‏:16‏ 19).‏
وكطبيعة القرآن الكريم وهو في الأصل كتاب هداية فإنه في عرض سيرة نبي من الأنبياء أو صالح من الصالحين أو طالح من الطالحين من بني آدم‏,‏ أو في استعراضه لقصة أمة من الأمم الغابرة فإنه يركز علي الدروس والعبر المستقاة من كل موقف من تلك المواقف‏,‏ ولا يشغل قارئ القرآن بالتفاصيل التي لا تفيد من مثل ذكر نسب كل من الأشخاص‏,‏ أو أسماء الأماكن التي عاش فيها‏,‏ أو التواريخ التي مر بها‏,‏ لأن هذا كله خارج عن رسالة هذا الكتاب العزيز‏,‏ والتي تتلخص في الهداية الربانية للخلق المكلفين‏.‏
وتقرر الآيات في سورة لقمان أن هذا الشخص الذي سميت باسمه هذه السورة الكريمة كان عبدا صالحا من عباد الله‏,‏ آتاه الله الحكمة‏,‏ والحكمة هي إصابة الحق بالعلم والعقل‏,‏ والحكمة إذ نسبت إلي الله تعالي كان من معانيها إيجاد الأشياء من العدم علي غاية من الإتقان والإحكام‏,‏ وإحاطة علم الله بكل شيء إحاطة تامة وكاملة‏.‏ والحكمة إذا نسبت إلي الإنسان كان من معانيها عمق الإيمان بالله الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد الذي‏(‏ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏)‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وعدم إشراك أحد في عبادته‏,‏ وشمول المعرفة‏,‏ والالتزام بمكارم الأخلاق‏,‏ والحرص علي حسن العلاقة مع خلق الله‏,‏ والإكثار من فعل الخيرات‏,‏ وهكذا كان لقمان‏,‏ لأن هذا هو الوصف الذي وصف به القرآن العبد الصالح لقمان في قول ربنا تبارك وتعالي‏:‏ (‏ ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏).(‏ لقمان‏:12).‏
ومن سمات هذه الحكمة البشرية أن يدرك العبد منا أن له خالقا عظيما خلقه من طين‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وزوده بكل الأجهزة اللازمة لحياته‏,‏ وهيأ له الأرض والسماوات من حوله‏,‏ وسخرها له‏,‏ وخلق له جميع المخلوقات اللازمة لحياته من مختلف صور المادة والطاقة‏,‏ ومن مختلف أشكال النبات والحيوان‏,‏ وجعله سيد تلك المخلوقات جميعا‏,‏ وفضله علي كثير ممن خلق تفضيلا‏,‏ ومن هنا كان من أوجب الواجبات علي الإنسان ذلك المخلوق العاقل المكلف أن يكون شاكرا لربه‏,‏ خالقه ورازقه‏,‏ وهو رب هذا الكون ومليكه‏,‏ الذي لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه ولا شبيه له من خلقه‏,‏ ومن هنا كان لزاما علي جميع المخلوقين أن يخضعوا لهذا الإله الواحد الأحد بالعبادة‏,‏ والطاعة والشكر‏,‏ وذلك لأن من أول مفاهيم الحكمة أن يكون من أوتيها من الخلق المكلف‏,‏ شاكرا لأنعم الله‏.‏ فبالشكر تدوم النعم‏,‏ وبالجحود والنكران يتحتم زوالها‏.‏ وشكر العبد لله تعالي خيره مردود علي الشاكرين‏,‏ لأن الله سبحانه وتعالي غني بذاته عن جميع خلقه‏,‏ وهو محمود بذاته وإن لم يحمده أحد من خلقه المكلف‏,‏ وذلك لأن جميع خلقه غير المكلف لا يفتر عن ذكره ولا عن تسبيحه وحمده وشكره ولذلك قال تعالي في محكم كتابه‏(‏ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا‏)(‏ الإسراء‏:44).‏
من هنا فإن العبد المكلف إن لم يشكر الله علي نعمه العديدة كان هو الخاسر الحقيقي ولذلك‏.‏
ختمت الآية الكريمة بقول ربنا تبارك وتعالي ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏)(‏ لقمان‏:12).‏
وهذا هو أول الدروس المستفادة من استعراض القرآن الكريم لقصة لقمان الحيكم
والدرس الثاني‏:‏ المستفاد من سيرة لقمان الحكيم هو ضرورة التوحيد الكامل لله الخالق سبحانه وتعالي ولذلك جاءت الآية التالية مباشرة بقول الحق جل جلاله‏:(‏ وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لاتشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم‏)(‏ لقمان‏:13)‏
والتوحيد الكامل لله الخالق‏,‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله هو ركن العقيدة الإسلامية وركيزة الإيمان بالله تعالي ولذلك حرم ربنا تبارك وتعالي وقوع عبد من عباده المكلفين في الشرك تحريما قاطعا‏,‏ وحذر من المخاطر الوخيمة لذلك في مواضع كثيرة من محكم كتابه منها قوله تعالي‏:‏
‏(1)(‏ إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افتري إثماء عظيما‏)(‏ النساء‏:48).‏
وفي الحديث القدسي يقول الحق تبارك وتعالي‏:...‏ وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم‏,‏ وانتابتهم الشياطين‏,‏ فاجتالتهم عن دينهم‏,‏ وحرمت عليهم ما أحللت لهم‏..(‏ المعجم الكبير للطبراني‏/992).‏
ويروي لنا ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال‏:‏ كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم علي شريعة الحق‏(‏ أخرجه الحاكم في المستدرك‏),‏ ويفسر ابن عباس هذا الحديث بقوله‏:‏ إن رجالا صالحين من قوم نوح هلكوا فوسوس الشيطان الي قومهم أن انصبوا الي مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد‏,‏ حتي إذا هلك أولئك‏,‏ وتنسخ العلم عبدت‏(‏ صحيح البخاري‏).‏
ثم جاء الدرس الثالث المستفاد من مواعظ لقمان لابنه مؤكدا إحاطة علم الله بكل شيء‏,‏ ومراقبته لعباده مراقبة كاملة وذلك في قوله تعالي علي لسان لقمان لابنه‏:‏
‏(‏يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير‏)(‏ لقمان‏:16)‏
بمعني أن أعمال الناس من الحسنات أو السيئات مهما تضاءلت في الصغر‏,‏ أو تعاظمت في الاختفاء في أي مكان من السماوات أو الأرض فإن الله تعالي قادر علي إظهارها والمحاسبة عليها لأنه تعالي لايخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء‏,‏ وذلك أيضا من ركائز العقيدة الإسلامية‏.‏
ويأتي الدرس الرابع من الدروس المستفادة من وصية لقمان لابنه مؤكد علي إقامة الصلاة‏(‏ وهي عماد الدين‏),‏ وعلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ وعلي ضرورة الصبر في الشدائد وأن تنعكس العبادة علي السلوك والمعاملات وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالي علي لسان لقمان لابنه‏:(‏ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر علي ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور‏)(‏ لقمان‏:17).‏
فالهدف من العبادة هو استقامة السلوك‏,‏ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ والصبر علي مايصيب الداعية الي الله من معارضة كل من أصحاب النفوس المريضة‏,‏ والقلوب الغلف المجللة بالسواد‏,‏ وأصحاب الإرادة المنحرفة المصممة علي محاربة الحق وأهله‏,‏ وعلي التعاون مع الشيطان وجنده‏,‏ ولايقوي علي مقاومة كل ذلك إلا أصحاب العزائم الذين فهموا الدين فهما صحيحا وباعوا أنفسهم لرب العالمين‏.‏
ويأتي الدرس الخامس من وصايا لقمان لابنه في النهي عن التعالي علي الخلق أو التطاول عليهم وعن المشي علي الأرض في شيء من الخيلاء والزهو‏,‏ وفي شيء من البطر والكبر‏,‏ لأن الله تعالي لايحب كل مختار فخور‏(‏ أي كل من تكبر يختال في مشيته تطاولا علي الخلق‏),‏ ولذلك جاء القرآن الكريم بهذه الوصية علي لسان لقمان لابنه التي يقول فيها‏:(‏ ولاتصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور‏,‏ واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏)(‏ لقمان‏19,18)‏
ومن معاني‏(‏ ولا تصعر خدك للناس‏)‏ أي‏:‏ لاتمل صفحة وجهك عن الناس‏,‏ ولاتعرض عنهم كما يفعل المتكبرون‏.‏ يقال في اللغة‏:(‏ صعر‏)‏ خده و‏(‏صاعره‏)‏ أي أماله عن النظر الي الناس استهانة بهم وتكبرا عليهم‏.(‏ والصعر‏)‏ في الأصل داء يصيب البعير فيلوي منه عنقه‏,‏ ولذلك كني به عن التكبر والاستعلاء علي الناس واحتقارهم‏.‏
وبعد النهي عن هذه الخصال السيئة التي لايرضاها الله تعالي من عباده‏,‏ يأتي الأمر بالمشي في الأرض باعتدال وقصد‏,‏ أي في شيء من التوسط بين الإسراع والبطء‏.(‏ من القصد وهو الاقتصاد والعدل‏),‏ كما يأتي الأمر بعدم رفع الصوت فوق الحاجة‏,‏ وهو من أدب الحديث‏,‏ ومن معالم ثقة المتحدث بنفسه‏,‏ واطمئنانه الي صدق حديثة‏,‏ والقرآن الكريم يقبح ارتفاع الصوت بغير ضرورة وذلك بتعبير‏(‏ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏)‏ و‏(‏ الغض‏)‏ من الصوت هو خفضه الي مستوي الحاجة‏,‏ وكفه عن إيذاء مسامع الآخرين‏,‏ وهو من مكارم الأخلاق‏,‏ ونقيض ذلك رفع الصوت الي أعلي نبراته بغير حاجة الي ذلك وهو من الأمور القبيحة المذمومة مما جعل القرآن الكريم يشبهها بنهيق الحمير لما فيه من العلو المفرط بين الشهيق والزفير‏,‏ وذلك من الفزع الذي ينتابها عند رؤية الشياطين‏,‏ وذلك لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم :(‏ إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا‏,‏ وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنه رأي شيطانا‏)(‏ أخرجه من أئمة الحديث كل من البخاري ومسلم والترمذي‏).‏
ومن المعروف علميا أن أقل تردد للصوت يمكن لأذن الإنسان أن تسمعه هو‏(20)‏ هيرتز‏,‏ وأن الحديث العادي يتراوح تردده بين‏(60,50)‏ هيرتز‏,‏ وأن أعلي تردد تسمعه أذن الإنسان دون إزعاج هو‏(70)‏ هيرتز‏,‏ وحول تردد‏(120)‏ هيرتز تبدأ إذن الإنسان في الشعور بالآلام المبرحة‏,‏ وإذا تجاوز التردد‏(160)‏ هيرتز يمكن أن تتمزق طبلة أذن الإنسان بالكامل‏,‏ وإذا علمنا أن تردد نهيق الحمار يصل الي‏(350)‏ هيرتز أدركنا كم هو مؤلم لأذن الإنسان‏,‏ وأدركنا ومضة الإعجاز العلمي في هذا التشبيه‏.‏
وباستعراض هذه الدروس الخمسة من وصايا لقمان لابنه يتضح لنا منهج القرآن الكريم في استعراض سير عدد من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وعدد من عباد الله الصالحين أو الطالحين‏,‏ وفي استعراض عدد من أمم الأولين‏,‏ فالهدف من كل ذلك هو استخلاص الدروس والعبر من تجارب إنسانية مرت ببني البشر‏,‏ ولايهم هنا تفاصيل الأسماء والأماكن والأزمنة إلا إذا استلزم الأمر ذلك‏.‏
أما لقمان الحكيم الذي سميت باسمه إحدي سور القرآن الكريم‏,‏ فكان قد أوتي الحكمة حتي اشتهر بها بين العرب‏.‏ ولذلك ذكر ابن هشام أن سويد بن الصامت قدم مكة المكرمة‏,‏ وكان كبير في قومه‏,‏ فدعاه رسول الله صلي الله عليه وسلم الي الإسلام‏,‏ فقال سويد‏:‏ فلعل الذي معك مثل الذي معي‏.‏ فقال له الرسول‏:‏ وما الذي معك؟ قال‏:‏ مجلة لقمان فقال الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏:‏ إعرضها علي‏,‏ فعرضها عليه‏,‏ فقال‏:‏ إن هذا الكلام حسن‏,‏ والذي معي أفضل منه‏,‏ قرآن أنزله الله علي هدي ونور‏,‏ وتلي عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم شيئا من القرآن‏,‏ ودعاه الي الاسلام‏.‏
ولما لم يكن قد جاء ذكر للقمان في كتب الإولين‏,‏ فإن ذكره في القرآن الكريم‏,‏ وذكر وصاياه لابنه يعتبر وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في كتاب الله يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ كما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته الي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

المزيد من مقالات د. زغلول النجار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.