أثرنا في مقالنا الماضي البحث عن الدولة العصرية بعض الأسس التي لا يمكن لأي دولة عصرية ان تقوم بغيرها, وهي كما حددها الرئيس محمد مرسي في خطابه أمام مجلس الشوري تدعيم دولة القانون, وتوافر الإعلام المسئول, والدور المحوري الذي يلعبه المجتمع المدني في مجال التنمية الشاملة. بغض النظر عن ملاحظاتنا النقدية التي أبديناها فيما يتعلق بكل أساس من هذه الأسس, فإننا نريد اليوم أن نؤصل مفهوم العصرية ونرده إلي أصوله الفكرية والحضارية الحقيقية. والعصرية في الواقع لا يمكن أن تصف أي دولة معاصرة إلا إذا كانت قد طبقت نظرية الحداثة بكل مفرداتها أو في غالبيتها العظمي علي الأقل. والحداثة كمفهوم يشير إلي المشروع الحضاري الأوروبي الذي صاغته الطبقة الأوروبية الصاعدة علي أنقاض المجتمع الإقطاعي. والحداثة كما يقرر عدد من علماء الإجماع الثقات- تقوم علي عدة أسس. وأول هذه الأسس هي احترام الفردية, بمعني إعطاء الفرد باعتباره فردا حقوقه السياسية في ظل نظام ديمقراطي يؤمن بالتعددية السياسية والحزبية, وحقوقه الاقتصادية التي تتمثل في حقه في التنقل والعمل بغير إجبار, وحقوقه الاجتماعية التي تتمثل في الخدمات المتنوعة التي توفرها الدولة للمواطنين في مجالات التعليم والصحة والتأمينات الاجتماعية, وحقوقه الثقافية التي تقوم علي مبدأ المواطنة الذي يمنع التمييز بين المواطنين علي أساس الدين أو العرق. والأساس الثاني من أسس الحداثة هو العقلانية. وقد نجحت الرأسمالية باعتبارها تنظيما اقتصاديا متميزا- بحكم اعتمادها في التخطيط الصناعي والتنموي بشكل عام- علي العقلانية التي لابد أن تنعكس علي عملية صنع القرار. وهذه العملية لا تتم في الغرب بالطريقة العشوائية التي تصدر بها القرارات في عديد من البلاد العربية, ولكن لها أصول علمية ومناهج علم الإدارة المعترف بها والمطبقة بالفعل. والأساس الثالث من أسس الحداثة الغربية هو الاعتماد علي العلم والتكنولوجيا كأساس متين للتنمية ولإشباع الحاجات المادية لملايين البشر. وقد عبر عن هذه الحداثة الغربية خير تعبير نموذج المجتمع الصناعي الذي أصبح هو النموذج الأمثل الذي سعت عديد من البلاد المتخلفة لكي تحتذيه بدرجات متفاوتة من النجاح. ويرد ذلك إلي طبيعة النخب الحاكمة, ومدي توافر الإرادة السياسية, والاعتماد علي الكفاءات الحقيقية المدربة, وتعبئة الجماهير بطريقة ديمقراطية حتي تلتف حول المشاريع القومية التي تقوم بها الدولة. لقد أدي المجتمع الصناعي وظيفته التاريخية والتي تمثلت في تحديث المجتمعات ونقلها من مجتمعات زراعية متخلفة إلي مجتمعات عصرية متقدمة, كما نجح في إشباع الحاجات المادية لملايين البشر بحكم التطور التكنولوجي وخطوط الإنتاج الكبير, كما أنه أقام أسسا واضحة للرعاية الاجتماعية تتمثل في شبكات التأمينات المتكاملة. وهكذا أدي المجتمع الصناعي دوره التاريخي قبل أن يتحول ليصبح مجتمعا عالميا للمعلومات وهذه قصة أخري ليس هنا اليوم مجال الحديث فيها. ولو أردنا أن نري مدي انطباق أسس الحداثة علي مسيرة المجتمعات العربية في القرن الماضي وفي مقدمتها المجتمع المصري لاكتشفنا أننا فشلنا كعرب فشلا ذريعا في تحقيق الحداثة واكتفينا ببعض محاولات التحديث العشوائية وغير المخططة مما أدي من بعد إلي انقلابات سياسية وعسكرية شتي تعبيرا عن سخط الجماهير علي سوء أداء الدولة العربية المعاصرة. والسؤال لماذا فشلنا في تحقيق الحداثة؟ الإجابة بالغة الأهمية, لأنها هي التي ستدلنا علي الطريقة التي يمكن بها بناء الدولة العصرية. أولا لأن الدولة العربية لم تؤمن إطلاقا بمبدأ الفردية, بمعني إعطاء المواطن الفرد حقوقه كاملة. ونعني الحقوق السياسية لكي يصبح مواطنا كامل الأهلية في المجال الديمقراطي, والحقوق الاقتصادية والتي تتمثل في قدرته- بعد التعليم المناسب- علي الدخول في سوق العمل لكي يمتهن المهنة التي تناسب قدراته, ولم يحصل المواطن علي حقوقه الثقافية, نظرا لعدم إعمال مبدأ المواطنة بشكل صحيح وفعال, ومن هنا ضروب التمييز المختلفة التي مورست في المجتمع العربي ضد الأقليات غير العربية, أو علي أساس الدين أو الجنس وخصوصا في الوضع المتردي للمرأة العربية. ولا يمكن الاعتراف بفردية المواطن وحقوقه الكاملة إلا في إطار دولة تطبق الديمقراطية كنظام سياسي. ولذلك ضاعت الفردية في المجتمع العربي نتيجة لشيوع الأنظمة الشمولية والسلطوية والتي تعاملت مع الجماهير باعتبارهم رعايا وليسوا مواطنين. ولدينا أمل بعد ثورات الربيع العربي التي أخذت طريقها في تونس ومصر وليبيا واليمن أن تنقلب الأوضاع في ظل عملية التحول الديمقراطي, ونعني الانتقال الجاد والفعال من السلطوية بكل ما تتضمنه من استبداد إلي الديمقراطية والليبرالية. ولو ولينا وجوهنا إلي الأساس الثاني من أسس الحداثة وهو العقلانية لوجدنا فشلا ذريعا في ممارسة الدولة العربية لها في مجال اتخاذ القرارات السياسية والتنموية. في مجال القرارات السياسية شهدنا ظواهر استبداد النخب السياسية الحاكمة ومعاندة, الشعوب ومنعها بالقوة والعنف من التعبير عن مطالبها المشروعة. وهكذا أصبحت الدولة العربية المعاصرة دولة مفارقة للحداثة السياسية. أما عن الأساس الثاني من أسس الدولة وهو الاعتماد علي العلم والتكنولوجيا فقد فشلت الدولة العربية المعاصرة في تحقيقه لأسباب شتي. من أبرزها ضعف نظام التعليم وعدم تقدم المستوي المعرفي بشكل عام, وعدم العناية بإعداد الباحثين العلميين, والضعف الشديد في ميزانيات البحث العلمي. وأخطر من هذا كله الاعتماد علي التكنولوجيات المستوردة( بطريقة تسليم المفتاح) وعدم توطين التكنولوجيا. إذا أضفنا إلي ذلك سيادة التفكير الخرافي في عديد من المجتمعات العربية, وشيوع الخطاب الديني المتخلف الذي يقوم علي المرويات المزورة والحكايات البدائية, وتبني رؤية ماضوية للعالم تعطي اليقين الزائف للجماهير الأمية والفقيرة أن الماضي أصلح من الحاضر, وألا أمل في المستقبل إلا بإعادة إنتاج المواريث القديمة في العادات والتقاليد وأساليب الحياة, إذا تأملنا في كل هذه الظواهر لأدركنا سر خيبة النخب السياسية العربية الحاكمة, وفشلها الذريع في تحقيق مقتضيات الحداثة والتي كانت جديرة بأن تنقل دولها لتصبح في مصاف الدول العصرية. غير أنه بالإضافة إلي عدم احترام الفردية والافتقار إلي العقلانية في عملية صنع القرار وغلبة العشوائية عليه وعدم الاعتماد الصحيح علي العلم والكنولوجيا فإن أخطر من ذلك كله هو وجود نزعات في المجتمع العربي رافضة للحداثة في عمومها, وأبرزها بعض التيارات الإسلامية المتطرفة التي ترفض الحداثة الغربية باعتبارها بدعة مستوردة لا ينبغي تطبيقها, بالإضافة إلي الخلط المعيب بين السياسة والدين, وبين السياسة والاقتصاد. والواقع أن هذه المحاولات في مجال تديين السياسة من ناحية, وتديين الاقتصاد من ناحية أخري مآلها هو الفشل الذريع! المزيد من مقالات السيد يسين